منذ أكثر من قرن، والأمة العربية تعيش صراعًا متواصلًا بين حلم الوحدة وواقع التجزئة، وبين طموح النهضة ومخططات التفتيت. فلم يكن الوطن العربي، بما يمتلكه من موقع جغرافي استثنائي وثروات هائلة وإرث حضاري عظيم، بعيدًا يومًا عن أطماع القوى الكبرى التي أدركت مبكرًا أن وحدة العرب تعني ميلاد قوة عالمية جديدة، وأن استمرار انقسامهم هو الضمانة الحقيقية لبقاء الهيمنة على مقدراتهم ومستقبلهم.
لقد شهد التاريخ العربي الحديث ثلاثة مشاريع قومية كبرى، حمل كل منها آمال الأمة في التحرر والوحدة، إلا أن أياً منها لم يكتب له الاكتمال، سواء بفعل التدخلات الخارجية أو الأخطاء الداخلية أو تلاقيهما معًا.
كان المشروع الأول هو مشروع الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي، الذي انطلق بهدف تحرير العرب من الحكم العثماني وإقامة دولة عربية واحدة تمتد من الحجاز إلى بلاد الشام والعراق. وقد آمن الهاشميون بأن العرب أمة تستحق أن تعيش في دولة موحدة تجمعها اللغة والتاريخ والمصير المشترك. لكن القوى الاستعمارية لم تكن لتسمح بقيام مثل هذه الدولة، فتراجعت بريطانيا عن وعودها الواردة في مراسلات الحسين–مكماهون، وأبرمت مع فرنسا اتفاقية سايكس–بيكو التي مزقت المشرق العربي إلى كيانات متفرقة، ثم فرضت الانتداب على فلسطين، بينما فرضت فرنسا سيطرتها على سوريا ولبنان، وانتهى الأمر بنفي الشريف الحسين إلى قبرص، لتُجهض بذلك أول محاولة عربية حديثة لبناء دولة الوحدة.
ثم جاء المشروع القومي الثاني بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، الذي أعاد إحياء الحلم العربي، وأشعل جذوة القومية في قلوب الملايين. ولم يكتفِ بالشعارات، بل ترجمها عمليًا بإقامة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958. غير أن هذه التجربة واجهت مقاومة إقليمية ودولية انتهت بانفصال سوريا عام 1961، ثم جاءت نكسة حزيران عام 1967 لتشكل ضربة قاسية للمشروع الناصري. ومع ذلك، لم يستسلم عبد الناصر، بل أعاد بناء الجيش المصري وخاض حرب الاستنزاف التي مهدت لنصر أكتوبر، قبل أن يرحل تاركًا حلم الوحدة دون أن يكتمل.
أما المشروع الثالث، فقد ارتبط بالتجربة العراقية بقيادة حزب البعث والرئيس صدام حسين، الذي سعى إلى تقديم العراق بوصفه قاعدة للنهوض القومي العربي. فبعد تأميم النفط، وُجهت عائداته إلى بناء البنية التحتية، وتطوير الصناعة، وتشجيع البحث العلمي، وإيفاد عشرات الآلاف من الطلبة إلى الجامعات العالمية، إلى جانب بناء قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة. ويرى أنصار هذه الرؤية أن العراق تعرض لسلسلة من الصراعات والحروب، بدءًا بالحرب العراقية الإيرانية، ثم أزمة الكويت وما تبعها من حصار اقتصادي طويل، وصولًا إلى الغزو الأمريكي عام 2003، الذي أنهى تلك التجربة وأدخل العراق في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
ولم تكن المواجهة مع المشروع القومي سياسية فحسب، بل كانت أيضًا مواجهة فكرية وثقافية. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، ظهر مفكرون كبار أمثال ساطع الحصري، وعبد الرحمن الكواكبي، وقسطنطين زريق، وزكي الأرسوزي، وميشيل عفلق ومنيف الرزاز والذين دعوا إلى إحياء الهوية العربية باعتبارها رابطة حضارية وثقافية جامعة. وفي المقابل، برزت تيارات أخرى قدمت تصورات مختلفة لهوية الأمة وأولوياتها، وهو ما أسهم في تعميق الجدل حول العلاقة بين الانتماء القومي والانتماء الديني، وأدى إلى انقسام الساحة الفكرية العربية لعقود طويلة.
واليوم، وبعد كل ما شهدته المنطقة من حروب وانقسامات وتدخلات خارجية،وفي ظل وجود مشاريع اخرى ان كان المشروع الايراني الفارسي او المشروع التركي او المشروع الصهيوني وكل هذه المشاريع نلمس توجهاتها في الامتداد على حساب الوطن العربي والاراضي العربية فنرى العراق ولبنان واليمن من ضمن نفوذ المشروع الايراني وسوريا حديثا من ظمن التأثير والنفوذ التركي والمشروع الصهيوني في الحلم التوراتي من النيل الى الفرات يبرز السؤال الكبير: ألم يحن الوقت لإطلاق المشروع القومي العربي الرابع؟ الذي لا ينبغي أن يكون تكرارًا لتجارب الماضي، بل مراجعة واعية لها، تستفيد من نجاحاتها وتتجاوز أخطاءها. مشروع يبدأ ببناء الإنسان العربي، ويؤسس لنهضة علمية وثقافية واقتصادية، وينطلق من القواعد الشعبية قبل المؤسسات الرسمية، ويجعل من المواطنة والكفاءة والإنتاج والعلم قيمًا أساسية في نهضة الأمة.
كما أن الأنظمة العربية أصبحت مطالبة اليوم بالانتقال من مرحلة التنسيق المحدود إلى مرحلة التكامل الحقيقي، عبر إنشاء سوق عربية مشتركة، وتحرير حركة الأفراد ورؤوس الأموال، واستثمار الثروات الطبيعية والبشرية بصورة جماعية، وبناء منظومة صناعية وتكنولوجية وبحثية قادرة على المنافسة عالميًا، تمامًا كما فعلت التكتلات الاقتصادية الكبرى في أوروبا وشرق آسيا.
إن الوطن العربي يمتلك كل مقومات القوة؛ فهو يملك الموقع الجغرافي، والطاقة، والثروات المعدنية، والأراضي الزراعية، والممرات البحرية، والطاقات البشرية الشابة. وما ينقصه ليس الموارد، بل الإرادة والرؤية والمؤسسات القادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع حضاري متكامل.
لقد آن الأوان لأن يستعيد العرب ثقتهم بأنفسهم، وأن ينتقلوا من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن ساحات الصراع إلى ميادين البناء، ومن التبعية إلى الشراكة، ومن الانقسام إلى التكامل. فالأمم لا تصنع مستقبلها بالبكاء على الماضي، وإنما تبنيه بالإرادة والعلم والعمل.
ولعل المشروع القومي العربي الرابع، إذا تأسس على الواقعية والتكامل والنهضة العلمية والاقتصادية، سيكون بداية عهد جديد تستعيد فيه الأمة العربية مكانتها بين الأمم، وتثبت أن المستقبل لا يُمنح للمترددين، بل تصنعه الشعوب التي تؤمن برسالتها وتعمل من أجلها
والله من وراء القصد