م. عامر الجيوسي : تحديث البيئة الاستثمارية
تحديث البيئة الاستثمارية في الأردن ضرورة اقتصادية ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد على النمو واستقطاب رؤوس الأموال ضمن بيئة تنافسية إقليمياً ودولياً، لذلك يأتي مشروع النظام المعدّل لتنظيم البيئة الاستثمارية لسنة 2026 ليعكس تحولاً واضحاً في فلسفة التعامل مع الاستثمار، ونموذج يقوم على تسريع الدخول إلى السوق مع رقابة لاحقة فعالة، وهو تحول يحمل أبعاداً اقتصادية وتنظيمية عميقة . من منظور المستثمرين، يشكل إدخال مفهوم "الترخيص شرط للامتثال" نقطة تحول جوهرية، لأنه يعيد ترتيب العلاقة بين المستثمر والجهات التنظيمية، بالإضافة لمنح الرخصة قبل استكمال جميع إجراءات التحقق، مع إبقاء الرقابة لاحقاً، يقلص الزمن الضائع في الإجراءات ويخفض كلف الفرصة البديلة، وهو عامل حاسم في قرارات الاستثمار، خصوصاً في القطاعات التي تتسم بسرعة التغير والمنافسة العالية. إلى جانب ذلك، فإن وضوح الإجراءات وتبسيطها يعزز من قابلية التنبؤ، وهو عنصر أساسي في تقييم المخاطر الاستثمارية، لان المستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز، انما عن بيئة مستقرة يمكن قياسها وفهمها، بالإضافة لتقليص التداخل في الأحكام وتوحيد المفاهيم التنظيمية يرفع من كفاءة الإطار التشريعي، ويحد من الاجتهادات الإدارية التي كانت تشكل عبئاً إضافياً على الاستثمار. وتوسيع نطاق الحوافز ليشمل مشاريع التوسعة والتطوير يمثل أيضاً خطوة متقدمة في هيكلة الحوافز الاقتصادية، والاقتصار سابقاً على المشاريع الجديدة كان يحد من قدرة الشركات القائمة على إعادة الاستثمار والتوسع، واليوم، هذا التوسع في الحوافز يعزز استدامة الاستثمارات القائمة ويشجع على رفع القيمة المضافة، خاصة في القطاعات ذات الأولوية الوطنية المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي. الأرقام المتاحة تعكس بالفعل وجود قاعدة يمكن البناء عليها؛ إذ ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي بنسبة 27.7 بالمئة ليصل إلى نحو 1.52 مليار دولار خلال الثلاثة أرباع الأولى من عام 2025، كما ارتفع عدد الشركات المستفيدة من الحوافز إلى 628 شركة، مع إنجاز 7568 معاملة حوافز وتسهيلات، وهي مؤشرات تعكس تحسناً تدريجياً في البيئة الاستثمارية. كما أن الربط بين تحديث البيئة الاستثمارية وتطوير قطاعات داعمة مثل النقل، من خلال إنشاء صندوق دعم نقل الركاب، يعكس فهماً أوسع لمفهوم الاستثمار، حيث لا يقتصر الأمر على التشريعات، لكن يمتد إلى البنية التحتية والخدمات اللوجستية التي تؤثر بشكل مباشر على كلفة التشغيل وكفاءة المشاريع. في المحصلة، النظام المعدّل يقدم إطاراً أكثر مرونة وكفاءة، لكنه يضع في المقابل مسؤولية أكبر على الجهات الرقابية لضمان التطبيق الفعلي لمبدأ الرقابة اللاحقة بكفاءة وشفافية. ونجاح هذا التحول سيقاس بمدى قدرته على تقليل الزمن والتكلفة، وزيادة تدفق الاستثمارات النوعية، وتحسين موقع الأردن في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال، وهو ما سيحدد فعلياً مدى تحقق الهدف الأوسع، وتحويل الأردن إلى مركز استثماري قادر على المنافسة في بيئة إقليمية شديدة الحساسية للتغيرات الاقتصادية والسياسية. *نائب رئيس هيئة مستثمري المناطق الحرة





