🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
429523 مقال 250 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2429 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

م. عامر البشير : التعداد .. مرآة وطن

معرفة وثقافة
أخبارنا
2026/05/31 - 00:08 501 مشاهدة

التعداد الذي يجب أن يقرأ المجتمع لا السكان .. وأثر السياسات لا نواياها

في حياة الأمم لحظات نادرة تتاح فيها فرصة النظر إلى الذات بصدق، لحظات تتراجع فيها الانطباعات والتقديرات، وتتقدم الحقائق لتروي القصّة كما هي، ومن بين هذه اللحظات يبرز التعداد السكاني بوصفه أحد أهم المشاريع الوطنية التي تمنح المجتمع والدولة فرصة الوقوف أمام المرآة ورؤية الواقع بعيدًا عن التخمين.

كثيرون ينظرون إلى التعداد باعتباره عملية لحساب عدد السكان وتوزيعهم الجغرافي، لكنه في جوهره أعمق من ذلك بكثير، فالتعداد الحقيقي لا يقرأ الأرقام فقط، بل يقرأ الناس خلف الأرقام؛ كيف يعيشون، وكيف يعملون، وكيف يسكنون، وكيف تتغير فرصهم وتطلعاتهم ومخاوفهم مع مرور الزمن.

ولهذا فإن قيمة التعداد لا تكمن في عدد الأسئلة التي يتضمنها، بل في نوعية الأسئلة التي يطرحها، فالأمم لا تتقدم بما تعرفه عن حجم سكانها فحسب، بل بما تعرفه عن نوعية حياتهم، وانماطهم، وعن التحديات التي تواجههم، وعن قدرتهم على بناء مستقبل أفضل.

الأسئلة التي تصنع السياسات

اعتادت التعدادات السكانية أن تركز على العمر والجنس والتعليم والعمل والسكن، وهي معلومات أساسية لا غنى عنها، لكن المجتمع الأردني تغيّر كثيرًا خلال العقود الأخيرة، وتغيّرت معه طبيعة الأسئلة التي ينبغي البحث عن إجابات لها.

لم يعد السؤال المهم كم شخص يعمل، بل ماذا يحقق له هذا العمل، هل يكفي دخله لتأمين حياة مستقرة؟ وهل يستطيع الادخار أو التخطيط للمستقبل؟ وهل ما زال العمل يشكل طريقًا للتقدم الاجتماعي كما كان في السابق؟

كما أن ملكية المسكن لم تعد وحدها مؤشرًا كافيًا على الاستقرار، فهناك فرق كبير بين أسرة تمتلك منزلًا خاليًا من الالتزامات، وأخرى تمتلك منزلًا لكنها ترزح تحت عبء أقساط وقروض تمتد لسنوات طويلة.

وهنا تبرز أسئلة أكثر أهمية: كم أسرة تعتمد على أكثر من مصدر دخل للحفاظ على مستوى معيشتها؟ وكم شابًا يعمل منذ سنوات لكنه ما يزال عاجزًا عن تأسيس أسرة أو شراء مسكن؟ وكم أسرة تستهلك التزاماتها الشهرية الجزء الأكبر من دخلها قبل أن يبدأ الشهر أصلًا؟
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها غالبًا ما تكشف صورة المجتمع بصورة أعمق بكثير مما تكشفه المؤشرات العامة.

ميزان الاستقرار

استقرار المجتمعات لا يُقاس فقط بحجم الثروة ولا بعدد الفقراء، بل بقدرة الفئات العاملة والمنتجة على العيش بأمان اقتصادي معقول.

فعندما تتراجع هذه القدرة يبدأ شيء ما بالتغير داخل المجتمع، يصبح الادخار أصعب، وتتراجع فرص الاستثمار الفردي، ويزداد القلق تجاه المستقبل، وقد لا تظهر هذه التحولات بصورة مباشرة في المؤشرات التقليدية، لكنها تترك أثرها في السلوك الاقتصادي والاجتماعي للأفراد والأسر.

ولهذا قد يمثل التعداد القادم فرصة نادرة لرصد تحولات عميقة لا تظهر عادة في التقارير العامة، لكنها تؤثر بصورة مباشرة في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل.

التشريع يبدأ بالمعرفة

غالبًا ما يُنظر إلى التعداد باعتباره مشروعًا إحصائيًا، بينما يمكن أن يكون في الواقع أحد أهم أدوات الإصلاح التشريعي.

فكيف يمكن تطوير قوانين الحماية الاجتماعية دون معرفة دقيقة بمن يحتاج إلى الحماية فعلًا؟ وكيف يمكن مراجعة تشريعات الضمان الاجتماعي دون فهم التحولات التي طرأت على سوق العمل؟ وكيف يمكن تعديل السياسات الضريبية أو العقارية دون امتلاك صورة واضحة عن أنماط الملكية والدخل والإنفاق؟

الحقيقة بسيطة: التشريع الجيد لا يبدأ من النصوص، بل من معرفة المجتمع الذي ستطبق عليه تلك النصوص. فكلما كانت المعرفة أدق، كانت القوانين أكثر عدالة وفاعلية وقدرة على تحقيق أهدافها.

حين تشرّع الدولة في الظلام

أخطر أشكال الخطأ في الشّأن العام ليس سوء النية، بل اتخاذ القرار على أساس افتراضات غير دقيقة.

فالدولة التي تشرّع قبل أن تعرف لا تختلف كثيرًا عن طبيب يصف العلاج قبل أن يشخص المرض.

وكثير من السياسات لا تفشل لأن أهدافها خاطئة، بل لأنها صيغت استنادًا إلى صورة ذهنية لم تعد تعكس الواقع كما هو، وعندما يحدث ذلك تتسع الفجوة بين النصوص وحياة الناس اليومية، ويصبح التطبيق أكثر صعوبة مهما كانت النوايا حسنة.

في المجلس النيابي السابع عشر ابان عضويتي نائباً عن عمّان الثالثة، راجعت إعفاءات تراكمية في اكثر من قانون موازنة تجاوزت ملياري دينار، لكن أثرها على التشغيل بقي محدودًا؛ دلالة واضحة على أن بعض السياسات كانت تُبنى على افتراضات أكثر مما تُبنى على الواقع
ولهذا لا يمثل التعداد مجرد عملية جمع بيانات، بل لحظة معرفية فارقة تتوقف فيها المؤسسات عن تخيل المجتمع وتبدأ في رؤيته كما هو.

الأرض والعقار... قبل القانون

ولا تظهر أهمية هذه المعرفة في ملفات الحماية الاجتماعية وسوق العمل فقط، بل تمتد إلى أكثر الملفات حساسية في الأردن: الأرض والسكن والملكية العقارية، فالأرض بالنسبة لكثير من الأردنيين ليست مجرد أصل مالي، والمسكن ليس مجرد وحدة عقارية، إنهما يرتبطان بمعاني الاستقرار والانتماء والأمان الاجتماعي.

وقبل التفكير في تعديل أي تشريع يتعلق بالضرائب العقارية أو رسوم الأراضي أو الملكية، يظل السؤال الأهم مطروحًا: هل نعرف فعلًا كيف تتوزع الملكية العقارية داخل المجتمع؟

كم أسرة تمتلك عقارًا واحدًا فقط؟ وكم أسرة تعتمد على هذا العقار بوصفه ضمانتها الوحيدة للمستقبل؟ وما حجم التركز العقاري الحقيقي؟ وكيف تختلف أنماط الملكية بين المحافظات والفئات الاجتماعية؟

هذه ليست أسئلة فنية أو مالية فقط، بل أسئلة تمس صميم العلاقة بين السياسات والناس.

ما وراء الأرقام

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تعداد سكاني أن ينتهي بتقرير يوضع على الرّف، فالبيانات التي لا تتحول إلى سياسات تبقى أرقامًا صامتة، والسياسات التي لا تستند إلى معرفة دقيقة بالواقع تتحول مع الوقت إلى اجتهادات معرضة للخطأ أكثر من النجاح.

ولهذا ينبغي النظر إلى التعداد القادم باعتباره فرصة وطنية لإعادة اكتشاف المجتمع الأردني كما هو، لا كما نتصوره أو نتذكره.

الإنذار الصامت

ربما لا يكون أخطر ما سيكشفه التعداد عدد الفقراء أو العاطلين عن العمل، وربما لا يكون السؤال الأهم كم من شريحة الطبقة الوسطى غادرتها لتنضمّ الى شريحة الفقراء، وكم أسرة تعيش تحت خط الفقر، الأخطر من ذلك قد يكون عدد العاملين الذين لم يعد العمل وحده قادرًا على توفير الاستقرار لهم.

فهناك شريحة واسعة من الناس تبدو مستقرة من الخارج، لكنها تؤجل شراء منزل، أو تأسيس أسرة، أو الادخار للمستقبل، أو حتى التفكير بأي مشروع جديد خوفًا من المجهول.

ولعلنا جميعًا نعرف نموذجًا قريبًا من ذلك؛ شابًا أردنيًا تخرّج من الجامعة، وحصل على وظيفة مستقرة، ويغادر منزله كل صباح إلى عمله منذ سنوات، ومع ذلك ما يزال يؤجل الزواج، ويؤجل شراء مسكن، ويؤجل حتى أبسط خططه المستقبلية. ليس لأنه لا يعمل، بل لأن دخله لم يعد يمنحه الشعور الكافي بالأمان للتخطيط لما هو أبعد من نهاية الشهر.

وقد نكتشف يومًا أن المشكلة لم تعد في عدد من لا يعملون، بل في عدد الذين يعملون كل يوم دون أن يشعروا بأنهم يقتربون من المستقبل الذي وُعدوا به، او تحقيق الحلم، وحين يتحول العمل من وسيلة للتقدم إلى وسيلة للبقاء فقط، فهذه ليست مجرد مشكلة اقتصادية، بل إشارة إلى خلل أعمق يمس قدرة المجتمع على إنتاج الأمل نفسه.

أكثر من تعداد

بعد انتهاء التعداد لن يكون السؤال الأهم: كم أصبح عدد السكان؟

السؤال الأهم هو: ماذا تعلمنا عن أنفسنا؟

هل ما زالت منظومات الحماية الاجتماعية ومئات الملايين التي صرفت وصلت إلى مستحقيها؟ وهل تعكس قوانين الضمان الاجتماعي والضرائب والعقارات الواقع الذي يعيشه الناس اليوم؟ أم أنها ما تزال تستند إلى صور تشكلت في ظروف مختلفة قبل سنوات طويلة؟
هذه الأسئلة لا تتعلق بالإحصاء فقط، بل بمستقبل العقد الاجتماعي نفسه.

ومن هنا تتجاوز أهمية التعداد حدود الأرقام والمؤشرات، فهو فرصة نادرة لإعادة معايرة البوصلة الوطنية قبل اتخاذ قرارات ستؤثر في حياة الناس لعقود قادمة.

فالأمم لا تبني مستقبلها على ما تتمنى أن يكون صحيحًا، بل على ما تمتلك الشجاعة الكافية لرؤيته كما هو.

وربما تكون القيمة الأعمق للتعداد القادم أنه لن يقيس حجم المجتمع فقط، بل سيكشف المسافة بين الواقع والتشريع، وبين السياسات والناس، وعندما تُعرف هذه المسافة بدقة يصبح الإصلاح ممكنًا.

أما عندما تبقى مجهولة، فإن ثمن الخطأ لا يُدفع في الجداول الإحصائية، بل في حياة البشر.



مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free