ليث القيهوي : حين تصبح الدول أسيرة نجاحها
•ليست كل النجاحات بداية لمستقبل أفضل؛ فبعضها يكون بداية للتراجع.
•وأخطر ما يمكن أن يصيب الدول ليس أن تفشل، بل أن تنجح إلى الحد الذي يجعلها تتوقف عن مراجعة نفسها.
•فالفشل يفرض التعلم، أما النجاح فقد يزرع وهم الاكتمال.
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
ليست كل النجاحات بداية لمستقبل أفضل؛ فبعضها يكون بداية للتراجع. وأخطر ما يمكن أن يصيب الدول ليس أن تفشل، بل أن تنجح إلى الحد الذي يجعلها تتوقف عن مراجعة نفسها. فالفشل يفرض التعلم، أما النجاح فقد يزرع وهم الاكتمال. ومنذ تلك اللحظة، لا تعود الدولة أسيرة أزماتها، بل أسيرة نجاحها نفسه.هنا تكمن واحدة من أعقد مفارقات التطور المؤسسي؛ فالنجاح، إذا لم يُراجع باستمرار، يتحول تدريجيًا من مصدرٍ للقوة إلى قيدٍ على التجديد. وما كان يومًا سببًا للتقدم قد يتحول، مع مرور الزمن، إلى سببٍ للمحافظة على أنماط تفكير تجاوزها الواقع. فالمؤسسات لا تتجمد لأنها تفتقر إلى الخبرة، بل لأنها تفرط في الثقة بها.فالنجاح لا يصبح خطرًا عندما يتحقق، بل عندما يتحول إلى مرجعية لا يجوز مراجعتها، وإلى يقين يمنع المؤسسة من رؤية أن العالم الذي صنع نجاحها لم يعد هو العالم الذي تعيش فيه.لقد دخل العالم مرحلة لم تعد فيها الخبرة وحدها ميزة تنافسية، بل أصبحت القدرة على إعادة النظر في تلك الخبرة هي الميزة الحقيقية. فالتكنولوجيا تعيد تشكيل الاقتصادات، والذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الوظائف، وسرعة التغير أصبحت أعلى من قدرة كثير من المؤسسات على الاستجابة. وفي مثل هذا الواقع، لم يعد أخطر ما تواجهه الدول نقص الموارد، وإنما فائض الثقة بالنماذج التي نجحت سابقًا.ولهذا، فإن الدول لا تخسر مستقبلها عادة لأنها تفتقر إلى الكفاءات، بل لأنها تواصل إدارة المستقبل بعقلٍ صُمم لزمن مختلف. فكل مرحلة تاريخية تنتج أدواتها، وما يصلح لمرحلة البناء قد لا يصلح لمرحلة المنافسة، وما كان كافيًا لتحقيق الاستقرار قد يصبح غير كافٍ للحفاظ عليه.إن العقل المؤسسي، مثل الإنسان، يمكن أن يشيخ. لكنه لا يشيخ عندما تتقدم سنواته، بل عندما تتوقف قدرته على التعلم. فالمؤسسات التي تعتقد أن خبراتها الماضية تغنيها عن مراجعة نفسها، تبدأ تدريجيًا بفقدان حساسيتها تجاه المتغيرات. وحينها تصبح الإجراءات أكثر أهمية من النتائج، والمحافظة على المألوف أكثر قيمة من البحث عن الأفضل، ويصبح الدفاع عن الماضي وظيفة يومية للمؤسسة.وهنا يبدأ ما يمكن تسميته بـ"فخ النجاح". فالمؤسسة التي اعتادت النجاح تصبح أكثر خوفًا من التغيير، لأنها تخشى أن تفقد ما حققته. لكنها لا تدرك أن أكبر تهديد لنجاحها ليس التغيير، بل رفض التغيير. فالتاريخ الاقتصادي والسياسي مليء بمؤسسات ودول وشركات كانت تتصدر المشهد العالمي، ثم تراجعت لأنها دافعت عن نماذجها القديمة أكثر مما استثمرت في بناء نماذج جديدة.ولذلك، فإن الدول التي تقود العالم اليوم ليست بالضرورة تلك التي تمتلك الموارد الأكبر، وإنما تلك التي تمتلك القدرة الأكبر على مراجعة نفسها. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بما تملكه الدولة فقط، بل بسرعة تعلمها، ومرونة مؤسساتها، واستعدادها للتخلي عن الحلول التي نجحت سابقًا عندما تصبح أقل كفاءة من البدائل الجديدة.وفي الأردن، تبدو هذه القضية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالمملكة تمتلك استقرارًا سياسيًا، ورؤية واضحة للتحديث السياسي والاقتصادي والإداري، ورصيدًا مهمًا من الخبرات المؤسسية. لكن القيمة الحقيقية لأي رؤية لا تُقاس بوضوحها، بل بقدرة المؤسسات على تجديد أدواتها كلما تغيّرت البيئة التي تعمل فيها. فالتحدي لم يعد في امتلاك الرؤية، وإنما في امتلاك الشجاعة المؤسسية لتجاوز النجاحات السابقة، قبل أن تتحول إلى سقف يحدّ من نجاح المرحلة المقبلة.فالاستقرار ليس نقطة وصول، وإنما منصة انطلاق. والنجاحات الوطنية لا تُحمى بتجميدها، بل بتطويرها المستمر. أما أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة، فهو أن تتحول من الدفاع عن مصالحها إلى الدفاع عن أساليب عملها، حتى وإن تجاوزها الزمن.وهذا لا يقتصر على الإدارة العامة، بل يمتد إلى الحياة السياسية أيضًا. فالأحزاب، شأنها شأن المؤسسات، قد تقع في الفخ ذاته. فالحزب الذي يحقق نجاحًا انتخابيًا قد يعتقد أن الأدوات التي أوصلته إلى ذلك النجاح ستضمن له المستقبل. لكن السياسة، مثل الاقتصاد، تتغير باستمرار. وما ينتظره المجتمع اليوم ليس تكرار الخطاب نفسه، وإنما إنتاج أفكار جديدة، وقيادات جديدة، وسياسات قادرة على التعامل مع واقع يتغير بوتيرة غير مسبوقة. فالحزب الذي يكرر خطابه أكثر مما يجدد أفكاره، لا يحافظ على نجاحه، بل يؤجل لحظة اكتشاف أنه لم يعد يقرأ المجتمع الذي يدّعي تمثيله.إن الدولة الحديثة لا تحتاج إلى مؤسسات تحافظ على نجاحاتها فقط، بل إلى مؤسسات تمتلك الشجاعة لمراجعتها. فالمراجعة ليست اعترافًا بالفشل، وإنما دليل على النضج. أما المؤسسة التي تخشى مراجعة نفسها لأنها تخشى المساس بصورة نجاحها، فإنها تكون قد بدأت، من حيث لا تشعر، رحلة التراجع.ولهذا، فإن أخطر أشكال الجمود ليس الجمود الذي يولده الفشل، بل ذلك الذي يولده النجاح. فالفشل يدفع إلى البحث عن حلول، بينما النجاح قد يدفع إلى الاعتقاد بعدم الحاجة إليها. ومن هنا تبدأ المسافة بين الواقع كما هو، والصورة التي ما تزال المؤسسة ترسمها لنفسها.إن المستقبل لا يكافئ من يكرر نجاحه، بل من يعيد تعريفه. ولا يحترم التاريخ الدول التي اكتفت بما حققته، بل الدول التي امتلكت الجرأة لتغيير نفسها وهي في ذروة نجاحها، قبل أن يفرض عليها الآخرون قواعد جديدة للمنافسة.وفي النهاية، ليست الدول أسيرة أزماتها بقدر ما قد تصبح أسيرة نجاحاتها. فالأزمات تفرض على الدول أن تتغير، أما النجاحات فقد تقنعها بأنها لم تعد بحاجة إلى التغيير. وبين هذين المسارين تتحدد مصائر الأمم.إن التاريخ لا يعاقب الدول لأنها أخطأت، بل لأنه تجاوزها وهي ما تزال تعتقد أن أسباب نجاحها الأولى كافية لحماية مستقبلها. فالمستقبل لا يهزم الدول الضعيفة فقط، بل يهزم أيضًا الدول التي تتوقف عن التعلم وهي في ذروة نجاحها. ولذلك، فإن السؤال الذي سيحكم مكانة الأمم في العقود المقبلة لن يكون: كيف نجحنا؟ بل: هل امتلكنا الشجاعة لنراجع أسباب نجاحنا قبل أن تتحول إلى أسباب لتراجعنا؟ فالدول العظيمة ليست تلك التي تحقق الإنجاز مرة واحدة، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لتعيد اختراع نفسها قبل أن يفرض عليها الزمن ذلك.ــ الغد
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



