ليبيا وتداعيات حرب الخليج
بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
لا شك أن الليبيين، عبر التاريخ، يتفاعلون مع الأحداث العالمية بما يعكس وعيهم واهتمامهم بالقضايا الكبرى. وقد كان النظام السياسي قبل كارثة فبراير قريبًا من هذا الشعور العام، باعتباره امتدادًا تاريخيًّا لا يقتصر على فترة إدارة الفاتح للشأن السياسي، بل يعود إلى العهد الملكي.
ويسجل التاريخ اهتمام الليبيين بهذه القضايا، خاصة أن الحرب العالمية الثانية دارت على أراضيهم، رغم وجود الإدارة البريطانية والقواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية. ولم يمنع ذلك الليبيين من معارضة هذا الوجود، إذ لم تفلح تلك الأنظمة في ثنيهم عن المطالبة بجلاء هذه القواعد. وقد اعتبر الليبيون -آنذاك- أن السلطة كانت متخاذلة، لا سيما بعد مشاركة تلك القواعد في العدوان الثلاثي على مصر، واستهداف ثورة 23 يوليو بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر.
ومن هذا المنطلق، كان الليبيون من أقرب الشعوب العربية دعمًا للقضية الفلسطينية، سواء بالسلاح أو المال، حيث سجلوا حضورًا مبكرًا في الجهاد في فلسطين عام 1948. ولا يزال أحفاد المجاهدين يعتزون بتضحيات آبائهم، ويرفعون رمزية عمر المختار في المحافل التي تعكس المواقف الليبية الداعمة لتحرير فلسطين.
كما امتد هذا الدور ليشمل دعم الثورة الجزائرية، حيث فُتحت البلاد وإمكاناتها لمساندتها بقيادة أحمد بن بلة، وتحولت طرابلس إلى مركز رئيسي لدعمها حتى الاستقلال. وقد تجسد ذلك في التزام قومي شكَّل مرجعية للموقف السياسي والعاطفي لدى الليبيين.
وخلال العدوان الأطلسي على ليبيا عام 2011، انحاز بعض الليبيين إلى التدخل الخارجي، ولا يزالون يدفعون ثمن ذلك في ظل حالة من التدهور والانقسام.
ورغم هذه الظروف، يتابع الليبيون ما يجري في الخليج، ويربطونه بتصعيد تقوده الولايات المتحدة وحليفها الإسرائيلي تجاه إيران. وقبل ذلك، كانت أنظارهم متجهة إلى غزة، تضامنًا مع الشعب الفلسطيني.
ومهما كان موقف السلطة المنقسمة، فإن فئة واسعة من الليبيين ترفض هذه التدخلات، وترى أنها جزء من مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي يُنسب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويستهدف إعادة تشكيل المنطقة.
وتنعكس هذه التطورات مباشرة على ليبيا، في ظل هشاشة وضعها الداخلي واعتمادها على الخارج. فقد تأثرت المسارات السياسية بالتوازنات الإقليمية، ما أدى إلى تراجع الاهتمام الدولي وتجميد بعض المبادرات.
كما برزت آثار اقتصادية واضحة، من ارتفاع الأسعار وتأخر الواردات، إلى تراجع قيمة الدينار. ومع تراجع فاعلية الأمم المتحدة، تتزايد المخاوف بشأن قدرتها على إحداث اختراق في الأزمة الليبية.
وفي المحصلة، يظل الموقف الليبي مزيجًا من الانتماء القومي ورفض التدخلات الخارجية، في مقابل واقع داخلي معقد يجعل البلاد أكثر تأثرًا بما يجري في محيطها.
The post ليبيا وتداعيات حرب الخليج appeared first on الموقف الليبي.





