ليبيا في مهبِّ الأزمةعقْد من الحوارات المؤجلة وصراع بلا حسم
رغم تعدد المبادرات السياسية وتكثيف الجهود الدولية، لا يزال المشهد الليبي غارقًا في دوامة معقَّدة من الانقسام والتجاذبات، حيث تتقاطع مصالح القوى المحلية مع حسابات الأطراف الإقليمية والدولية، فتتعطل فرص الحل الحقيقي.. وعلى امتداد سنوات، تعاقبت جولات الحوار والاتفاقات المؤقتة، لكنها لم تتجاوز في جوهرها كونها أدوات لإدارة الأزمة لا إنهائها، ما أبقى الدولة في حالة انتقال دائم بلا أفق واضح للاستقرار.
في هذا السياق، برز دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا كوسيط رئيسي يقود المسارات السياسية، مستندًا إلى قرارات مجلس الأمن الدولي، غير أن هذه الجهود كثيرًا ما اصطدمت بواقع الانقسام الداخلي وتباين الأجندات الخارجية.. وبين تعثُّر السياسة وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والأمنية، يجد المواطن الليبي نفسه في مواجهة يومية مع أزمات المعيشة وغياب الخدمات، في ظل مشهد ضبابي تتراجع فيه الثقة، وتتآكل فيه فرص الخروج من الأزمة.
متابعات ـ الموقف الليبي
على امتداد أكثر من عقد، ظلَّ المشهد الليبي أسير حلقة مفرغة من الحوارات السياسية والمبادرات الدولية، دون أن تُفضي أيٌّ منها إلى تسوية نهائية تُنهي الانقسام وتؤسس لدولة مستقرة، فبين مؤتمرات تعقد هنا وهناك، وبيانات تُعلن بحذر، واتفاقات تُوقَّع تحت ضغط اللحظة، بقيت النتيجة واحدة: إعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة، وتكريس واقعٍ هشٍّ يتعايش فيه الانقسام السياسي مع تدهور اقتصادي وأمني متسارع.
أولًا: مسار سياسي متعثر.. من التوافق إلى تقاسم النفوذ
منذ البدايات الأولى للأزمة، طُرحت فكرة الحوار كخيار وحيد لتجاوز الانقسام، انعقدت جولات تفاوضية في عواصم عدة، وتشكّلت لجان ومسارات سياسية تحت عناوين مختلفة، من “التوافق الوطني” إلى “الحوار الشامل”، غير أن هذه المسارات غالبًا ما انتهت إلى حلول مؤقتة، تقوم في جوهرها على تقاسم السلطة بين أطراف رئيسية، دون معالجة جذور الأزمة.
فبدل بناء مؤسسات موحدة قائمة على قاعدة دستورية صلبة، تحولت معظم الاتفاقات إلى صفقات سياسية تُرضي أطرافًا بعينها، وتُقصي أخرى، ما أوجد شعورًا واسعًا بعدم العدالة، وعمّق الانقسام بدل تجاوزه. كما ساهم غياب آليات تنفيذ واضحة، وانعدام الثقة بين الأطراف، في إفشال العديد من هذه المبادرات أو إبقائها حبرًا على ورق.
ثانيًا: تدخل دولي.. بين الوساطة وإدارة الصراع
لا يمكن فهم تعقيدات الأزمة الليبية دون التوقف عند الدور الدولي، الذي ظل حاضرًا بقوة في مختلف مراحلها، فقد اضطلعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بمهمة رعاية الحوار السياسي، وإطلاق مبادرات متعددة تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء، غير أن أداء البعثة ظل محل جدل واسع داخل ليبيا، حيث يتهمها منتقدون بالانشغال بالمسارات الشكلية أكثر من إنتاج حلول عملية قابلة للتنفيذ.
في السياق ذاته، شكّلت قرارات مجلس الأمن الدولي الإطار القانوني للتدخل الدولي، سواء من خلال فرض مسارات سياسية، أو دعم ترتيبات أمنية معينة. لكن هذه القرارات، وفق آراء عديدة، ساهمت في بعض الأحيان في تثبيت واقع الانقسام، عبر الاعتراف بأجسام متنازعة ومنحها شرعية مؤقتة دون معالجة جذور النزاع.
أما على مستوى القوى الإقليمية والدولية، فقد تحوَّلت ليبيا إلى ساحة تنافس نفوذ، حيث تدعم أطراف خارجية قوى محلية مختلفة، ما زاد من تعقيد المشهد، وجعل الحل الداخلي مرهونًا بتفاهمات خارجية تتجاوز الإرادة الوطنية.
ثالثًا: مبادرات متجددة.. نفس المآلات
في كل مرحلة، تظهر مبادرات جديدة تحمل وعودًا بكسر الجمود، لكنها غالبًا ما تنتهي إلى نفس المآلات، آخر هذه المبادرات، التي طُرحت مؤخرًا، أثارت جدلًا واسعًا بين الأطراف الليبية، بين من يرى فيها فرصة لإعادة إطلاق العملية السياسية، ومن يعتبرها محاولة جديدة لإعادة تدوير الأزمة.
وقد تزامن ذلك مع تحركات دبلوماسية مكثفة، شملت لقاءات لسفراء دول كبرى، في محاولة لبلورة موقف دولي موحَّد. غير أن التباينات بين هذه الدول، واختلاف أولوياتها، جعلا من الصعب الوصول إلى رؤية مشتركة، ما انعكس بدوره على تعثر المبادرات المطروحة.
رابعًا: اقتصاد مأزوم.. المواطن يدفع الثمن
بينما تنشغل النخب السياسية بصراعاتها، يواجه المواطن الليبي واقعًا اقتصاديًّا صعبًا. فقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في القدرة الشرائية، نتيجة ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة الدينار، إلى جانب تأخر صرف المرتبات في بعض الأحيان.
كما يعاني السوق من اضطرابات مستمرة، تتجلى في نقص بعض السلع، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتذبذب توفر الوقود، رغم الإمكانيات النفطية الكبيرة التي تمتلكها البلاد. ويعكس هذا الوضع خللًا عميقًا في إدارة الموارد، وغياب سياسات اقتصادية فعالة قادرة على تحقيق الاستقرار.
الأخطر من ذلك، أن الاقتصاد الليبي أصبح رهينة للانقسام السياسي، حيث تتعدد مراكز القرار المالي، وتتضارب السياسات، ما يفتح الباب أمام الفساد وسوء الإدارة، ويقوّض فرص الإصلاح.
خامسًا: أمن هش.. سلاح خارج الدولة
الوضع الأمني في ليبيا يظل أحد أبرز التحديات، حيث تنتشر الجماعات المسلحة التي تسيطر على مدن المنطقة الغربية، وتتنافس فيما بينها على النفوذ والموارد، وقد أدى هذا الواقع إلى اندلاع اشتباكات متكررة، تهدد حياة المدنيين، وتعوق أي جهود لبناء دولة مستقرة.
كما أسهم انتشار السلاح في تفاقم ظواهر خطيرة، مثل التهريب، وتجارة المخدرات، والهجرة غير النظامية، التي تحولت إلى مصدر دخل لبعض الجماعات المسلحة، وفي ظل غياب مؤسسة أمنية موحدة، تبقى الدولة عاجزة عن فرض سيطرتها الكاملة على أراضيها.
سادسًا: مؤسسات منقسمة.. دولة بلا مركز
الانقسام السياسي انعكس بشكل مباشر على مؤسسات الدولة، التي أصبحت تعاني ازدواجية في العديد من القطاعات، بما في ذلك المؤسسات السيادية، هذا الانقسام أدى إلى شلل إداري، وضعف في الأداء، وتضارب في القرارات.
في قطاع الصحة، تعاني المستشفيات نقص الإمكانيات، وضعف الخدمات، ما يدفع الكثير من المواطنين إلى البحث عن العلاج في الخارج. أما قطاع التعليم، فقد تراجع مستواه بشكل ملحوظ، نتيجة الإضرابات، وضعف التمويل، وغياب الاستقرار.
كما تعاني البنية التحتية إهمالًا كبيرًا، في ظل غياب خطط تنموية واضحة، ما ينعكس سلبًا على جودة الحياة، ويزيد من معاناة المواطنين.
سابعًا: الشارع الغائب.. صمت تحت الضغط
رغم حجم المعاناة، يبدو الشارع الليبي في حالة من الصمت النسبي، مقارنة بما شهده في فترات سابقة. ويُعزى ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها الانشغال بتأمين لقمة العيش، والخوف من الانزلاق إلى الفوضى، إضافة إلى فقدان الثقة في جدوى الحراك السياسي.
هذا الغياب يُضعف الضغط الشعبي على الأطراف السياسية، ويمنحها مساحة أكبر للمماطلة، ما يطيل أمد الأزمة، ويؤجل أي حل حقيقي.
ثامنًا: بوادر محدودة.. هل تكفي؟
في مقابل هذا المشهد القاتم، تبرز بعض المؤشرات الإيجابية، مثل الحديث عن توحيد الميزانية، ومحاولات إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية من خلال توحيدها، غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تزال محدودة، ولم تنجح حتى الآن في إحداث تغيير ملموس على الأرض.
يبقى السؤال المطروح: هل يمكن لهذه المبادرات الجزئية أن تمهِّد لحل شامل، أم أنها ستبقى مجرد إجراءات مؤقتة ضمن مسار طويل من إدارة الأزمة؟
خاتمة: بين الجمود والانفجار
في المحصلة، تبدو ليبيا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن تنجح الأطراف الليبية، بدعم دولي متوازن، في تجاوز خلافاتها، وبناء مشروع وطني جامع يُعيد للدولة هيبتها، أو يستمر الوضع الحالي، بما يحمله من مخاطر الانفجار في أي لحظة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحلول الجزئية، والاتفاقات المؤقتة، لا يمكن أن تُنهي أزمة بهذا التعقيد، وحده التوافق الحقيقي، القائم على إرادة وطنية صادقة، يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، تُطوى فيها صفحة الصراع، وتبدأ رحلة بناء الدولة.
____________
The post ليبيا في مهبِّ الأزمةعقْد من الحوارات المؤجلة وصراع بلا حسم appeared first on الموقف الليبي.





