ليبيا بين مؤتمر التأسيس أو مؤامرة التفتيت
بقلم/ د – محمد جبريل
منذ 2013، حدَّدنا البوصلة التي تنقذ سفينة الوطن من الغرق، وهي إرجاع الأمانة إلى أصحابها بإقامة مؤتمر تأسيسي يشارك فيه جميع الليبيين دون إقصاء أو تمييز. واستمررنا في الدعوة إليه، إلى أن لقيت الفكرة استحسانًا، فجرى نقاشها على مستويات محلية ودولية، وأصبحت خيارًا مقبولًا، لأن إنجاز الدستور أو الانتخابات، دون اتفاق مسبق على الثوابت، لا يحل الأزمة، بل يفاقمها.
لكن الأفكار البنَّاءة كثيرًا ما يتم تشويهها ممن لا يدركون أبعادها، (ولو بحسن نية)، أو يتم اختطافها لاستخدامها لتحقيق مكاسب ضيقة، مما قد يحوِّل الفكرة إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج الأزمة.
وانطلاقًا من خبرتنا، حدّدنا خمسة تحديات تواجه إقامة المؤتمر التأسيسي، إن لم يتم تذليلها مسبقًا، فإن المؤتمر سيفشل حتمًا:
التحدي الأول: كيف يكتسب المؤتمر شرعيته ليضمن القبول الداخلي والخارجي؟
فهل يستمدها بالإرادة الشعبية عبر حشود جماهيرية أو عرائض، أم بشرعية دولية بقرار من مجلس الأمن، أم عبر مسار انتخابي يُفرز مندوبين حقيقيين للشعب، أم بشرعية برلمانية من خلال تعديل دستوري، أم بصيغة مركَّبة تجمع أكثر من خيار؟
التحدي الثاني: مهام المؤتمر؛ وهي التوافق على الثوابت الوطنية، وشكل الدولة، ونظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لإحالتها إلى لجنة فنية لصياغتها في مشروع دستور دائم، كما يشكل إدارة مؤقتة لتوفير الخدمات، والشروع في إجراء المصالحة، وتهيئة البيئة لإجراء الانتخابات.
التحدي الثالث: ممّن يتكوَّن المؤتمر؟ وذلك بتحديد مكوّنات المشهد، وترك الحرية لها في اختيار مندوبيها دون إقصاء أو تمييز.
التحدي الرابع: كيف تُحمى اجتماعات المؤتمر؟ بما يضمن سلامة المشاركين واستقلالية قراراتهم.
التحدي الخامس: ما آليات ضمان تنفيذ مخرجات المؤتمر؟
تلك خمسة محددات لنجاح مؤتمر يلتقي فيه الليبيون ليتوافقوا على مستقبل وطنهم.
أما البديل عنه فهو شبح التفتيت الذي يهدد كيانهم؛ فتختفي ليبيا كما اختفت يوغسلافيا، أو تتفتت كما حدث في الصومال والسودان. وهذا هدف يسعى إليه من يرون في ليبيا القوية الموحَّدة تهديدًا لمشاريعهم التوسعية، ويجدون فيها فرصة لنهب ثرواتها، خاصة في ظل الحالة التي تعيشها ليبيا من نفعية، ونهب، وعمالة، وارتهان للخارج، ومراهقة سياسية لا تتحمَّل مسؤولية تاريخية.
سفينة الوطن الآن بين رواسي التأسيس وعواصف الانفصال، مما يتطلب شجاعةً ووعيًا وطنيًّا، واستعدادًا لتقديم التضحيات من أجل إنقاذ الوطن. فالوطن لا يُحمى بالاستقواء، ولا يُبنى بالإقصاء، ولا يزدهر بالأنانية، ، بل يُصان بالتوافق، ويُستعاد بإرادة أبنائه.
The post ليبيا بين مؤتمر التأسيس أو مؤامرة التفتيت appeared first on الموقف الليبي.





