بقلم/ نجوى حسين
خمسة عشر عامًا مرت، والمواطن الليبي يقف في حيرة قاتلة أمام سؤال يتردد في كل بيت: إلى أين نساق؟ خمسة عشر عامًا من التراجع المستمر، تحوّل فيها الوطن الغني بنفطه وموقعه إلى ساحة مفتوحة للأزمات المركبة، وصار اليومي الليبي عبارة عن مكابدة مستمرة للظفر بأبسط مقومات الحياة الآدمية.
لم تعد المعاناة مجرد عناوين في نشرات الأخبار، بل أصبحت واقعًا حيًا يكتوي بناره الجميع. انظر إلى أسواقنا اليوم؛ ارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية ينهك كاهل رب الأسرة الذي يجد نفسه عاجزًا أمام متطلبات أطفاله، في ظل انخفاض متواصل للقوة الشرائية للدينار الليبي وتهاويه أمام العملات الأجنبية. وفي المقابل، ظهرت طبقة من تجار الأزمات يستغلون قوت الشعب دون رادع أو رقيب، مستفيدين من غياب المؤسسات الضابطة والرادعة.
ولعل الأشد إيلامًا في هذا المشهد هو ما آلت إليه أوضاع حرائر ليبيا، اللاتي وجدن أنفسهن تحت وطأة العوز يطرقن أبواب المنصات الرقمية للتسول طلبًا لثمن دواء أو مأوى يستر عوائلهن. ألم يكن هذا الوطن كفيلًا بأن يصون كرامة أبنائه وبناته؟ أين ذهبت ثروات البلد ليتكفف أبناؤه الآخرون؟
أما القطاع الصحي، فقد أضحى حكاية أخرى من حكايات الوجع؛ مستشفيات عامة تخلو من أبسط المستلزمات الطبية والأدوية، مما يدفع المواطن رغمًا عنه إلى القطاع الخاص الذي بات يتكسب من آلام المرضى ويستنزف مدخراتهم دون رحمة. وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطن من طوابير السيولة أمام المصارف، تتجدد الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين، في مفارقة عجيبة لبلد يطفو على بحيرة من النفط والغاز، ليبقى سؤال الوقود مطروحًا دون إجابة شفافة توضح أسباب هذا الخلل الهيكلي.
تأتي أزمة الكهرباء لتزيد الطين بلة؛ ساعات طويلة من الانقطاع المتواصل تحوّل الصيف إلى جحيم، والشركاء في الوطن إلى صمت، وكأن المواطن يتجرع الظلام كقدر محتوم، وسط تساؤلات ملحة عن الأسباب الحقيقية لعدم معالجة هذه الأزمة جذريًا رغم الإنفاق المالي الهائل على هذا القطاع خلال السنوات الماضية.
وهنا تبرز المساءلة الواجبة لكل أولئك الذين تصدروا المشهد السياسي والتنفيذي، وعلى رأسهم مجلس النواب والمؤسسات المتعاقبة؛ هل يعيش هؤلاء المسؤولون نفس المعاناة التي يكابدها المواطن يوميًا؟ هل يتجرعون انقطاع الكهرباء وغياب السيولة وتردي الخدمات الطبية؟ لقد وضع الشعب أمانة إدارة البلاد في أيدي مؤسساته المنتخبة والمتعاقبة، فهل كان هذا الخراب الخدمي والاقتصادي هو الجزاء المفترض؟
إن حل أزمة الكهرباء وغيرها من الأزمات المستعصية لا يتطلب معجزات، بل يتطلب إرادة سياسية حكيمة.
The post ليبيا إلى أين؟ appeared first on الموقف الليبي.




