لصوص الشدائد!
حينما تتواري القيم ويتوحش الجشع
في كل مرة تطل فيها أزمة برأسها على مجتمع ما، سواء كانت نكسة اقتصادية، كارثة طبيعية، أو اضطرابات جيوسياسية كما نشهده اليوم في منطقة الشرق الأوسط، يبرز صنف من البشر يمكن تسميتهم “بتجار الفواجع” أو “لصوص الأزمات”. هؤلاء لا يسرقون الممتلكات تحت جنح الظلام، بل يسرقون الأقوات والفرص والسكينة تحت ضوء النهار، مستغلين حاجة الناس وضعفهم في أحلك الظروف.
انتهازية الظرفية وتمدد اللصوصية
تتسم هذه اللصوصية بكونها انتهازية بامتياز؛ فهي لا تضرب إلا عندما يكون المجتمع في حالة انكشاف. ولم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على بائع صغير في زاوية الشارع، بل تمددت لتشمل كافة القطاعات الاستهلاكية والخدماتية:
قطاع الطاقة والوقود: حيث يُتخذ من اضطراب المناخ السياسي ذريعة لرفع الأسعار بشكل فوري ومبالغ فيه، حتى قبل أن تصل تداعيات الأزمة الفعلية إلى الأسواق.
قطاع النقل: الذي يتحول إلى كابوس للمواطن، حيث تُستغل ندرة الوقود أو تزايد الطلب لفرض تسعيرات عشوائية ترهق كاهل العامل والطالب.
الخدمات الأساسية: التي تصبح فجأة عملة نادرة تخضع لقانون “المزايدة” بدلاً من قانون الخدمة العامة.
القانون بين “الإلزام” وغياب “الزجر”
إن القاعدة الذهبية تقول: “لا يكون القانون قانوناً إلا إذا كان ملزماً ومراقباً”. فالنصوص التشريعية التي تمنع الاحتكار وتحدد سقف الأسعار تظل مجرد حبر على ورق ما لم تتبعها “عين حمراء” من السلطات الرقابية.
وفي هذا السياق، تبرز المفارقة العجيبة في دور جمعيات حماية المستهلك. فبينما نجدها “تعد بعدد النجوم في السماء” من حيث الكم، إلا أن حضورها الميداني يظل باهتاً وشبه غائب. هذه الجمعيات غالباً ما تكتفي بـ:
تدبيج التقارير الموسمية التي تُكتب بلغة إنشائية لا تقدم ولا تؤخر.
شعار “العام زين” والوقوف عند حدود المجاملة وتجميل الواقع، بدلاً من النزول إلى الشارع وفضح المتلاعبين والدفاع الشرس عن جيب المواطن.
آليات الاستغلال: المضاربة والاحتكار
يتفنن لصوص الأزمات في ابتكار أساليب لامتصاص دماء المستهلكين. فعند ندرة مادة معينة (كالزيت أو الدقيق أو حتى الأدوية)، يسارع هؤلاء إلى تخزينها واحتكارها لخلق حالة من الذعر ترفع السعر إلى مستويات قياسية.
ما يحدث حالياً مع أزمات الشرق الأوسط يقدم مثالاً حياً؛ حيث يستغل “تجار الأزمات” أي تذبذب في سلاسل الإمداد لرفع أسعار الخدمات والنقل بشكل جنوني، مبررين ذلك بظروف خارجة عن إرادتهم، بينما الحقيقة هي رغبة جامحة في مراكمة الأرباح على حساب آلام المحتاجين.
صمت السلطات وصرخة الشارع
أمام هذا التغول، غالباً ما تندلع احتجاجات شعبية عارمة، تعبيراً عن الضيق والاختناق. لكن المثير للاستغراب هو تمسك بعض الجهات السلطوية بالصمت المطبق، وعدم التدخل الحازم لإقرار العقوبات الزجرية في حق المخالفين.
هذا التراخي يمنح لصوص الأزمات “ضوءاً أخضر” غير مباشر لمواصلة المضاربة ورفع أسعار الخدمات. فاللص لا يخاف من “النص القانوني” بقدر ما يخاف من “تطبيق القانون”، وغياب المحاسبة الفورية يحول الأسواق إلى غابة، القوي فيها يأكل قوت الضعيف تحت مسمى “قانون السوق”.
وكخاتمة، إن محاربة لصوص الشدائد ليست مسؤولية الفرد وحده، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من إرادة سياسية حازمة تضرب بيد من حديد على يد المحتكرين، وتمر عبر جمعيات مدنية حقيقية لا تجامل على حساب الحق، وتنتهي بوعي استهلاكي يرفض الخضوع لابتزاز الجشعين.
The post لصوص الشدائد! appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





