هذه الاستعادة المستمرة للماضي تجعل الشخصيات تعيش نوعا من الحوار الداخلي بين ما كانت عليه حياتها في الوطن وما أصبحت عليه في المنفى. ومن خلال هذا تتشكل ملامح الشخصيات وأسئلتها حول الهوية والانتماء والواقع أيضا.
بطولة المكان
العالم الذي كتبت عنه هو باريس، فما المعلومات التي اعتمدت عليها لتحاكي الواقع سواء للمكان أو الشخصيات؟
كنت حريصة على أن يكون المكان حيا في الرواية، بل يشارك في البطولة، لذلك اعتمدت على أكثر من مصدر: الذاكرة الشخصية، والقراءة، والإنصات إلى حكايات الأصدقاء الذين عاشوا تجربة الهجرة في باريس. كما أنني حاولت أن أتعامل مع المدينة ليس بوصفها مجرد خلفية للأحداث، بل كعنصر فاعل في تشكيل الشخصيات. الأحياء، المقاهي، المترو، واللقاءات العابرة، كلها تفاصيل تصنع الإحساس بالحياة اليومية.

أما الشخصيات فهي في الغالب مركبة، قد تستعير شيئا من الواقع، لكنها في النهاية تتحول داخل العمل الروائي إلى كائنات متخيلة تماما، لها مصائرها الخاصة.
ما دور الفن في الرواية كونه جزءا أساسا من حياة الشخصيات؟
لم يكن مجرد خلفية لحياة الشخصيات، بل كان أحد المفاتيح لفهمها. معظم الشخصيات تنتمي إلى عالم الإبداع: الرسم، الموسيقى، أو الكتابة، وهي تحاول من خلال الفن أن تحافظ على شيء من هويتها في فضاء المنفى. بالنسبة إليهم يصبح الفن لغة بديلة عندما تضيق اللغة اليومية عن التعبير، وطريقة لمقاومة الشعور بالاقتلاع أو العزلة. في الرواية يظهر الفن كمساحة للحرية، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة الشخصيات وأسئلتها الوجودية. فالإبداع هنا ليس ترفا، بل محاولة للحفاظ على التوازن الداخلي في حياة يطبعها القلق والحنين، لكن حتى الفن أحيانا يخذل أصحابه. أبو الطيب تمنى أن يكون مطربا شعبيا، ونايا أرادت أن تكون مدربة رقص. هكذا تبدو العلاقة مع الفن إشكالية في كثير من المواقف.

للواقع زوايا مختلفة
صدر لك في عام 2024 كتاب "ذاكرة الوصال"، الذي يتضمن نوعا من السيرة الذاتية في علاقتك مع الأماكن والأشياء واستعادة ذاكرة مضت، ما الذي دفعك نحو هذه الكتابة؟
أحيانا يشعر الكاتب أن الرواية لا تكفي لاستيعاب بعض الأسئلة الشخصية العميقة. في "ذاكرة الوصال" أردت أن أكتب عن علاقتي بالأماكن والأشياء الصغيرة التي تشكل حياتنا اليومية، لكنها في الوقت نفسه تحمل طبقات من الذاكرة.









