لماذا يخاف نظام طهران من السلام أكثر من الحرب؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
على مدى عقود، اعتاد العالم النظر إلى الأزمة الإيرانية من زاوية واحدة: الصراع بين طهران وخصومها الخارجيين. مرة عبر الملف النووي، ومرة عبر العقوبات الاقتصادية، ومرة عبر التهديدات العسكرية. لكن التطورات الأخيرة تكشف حقيقة مختلفة: الخطر الأكبر الذي يواجهه النظام الإيراني لا يأتي من الحرب، بل من السلام. قد يبدو الأمر متناقضًا للوهلة الأولى، لكن تجربة العقود الماضية تفسر ذلك بوضوح. فكلما اشتدت الأزمات الخارجية، وجد نظام ولاية الفقيه فرصة لتعبئة أنصاره، وتشديد القبضة الأمنية، وتبرير القمع الداخلي تحت شعار "مواجهة الأعداء". أما في أوقات الهدوء النسبي، فتعود الأنظار إلى الأسئلة التي يخشاها النظام أكثر من أي شيء آخر: لماذا يعيش الإيرانيون تحت خط الفقر بالرغم من الثروات الهائلة؟ أين ذهبت عائدات النفط؟ ولماذا أُنفقت مليارات الدولارات على الميليشيات والحروب الخارجية فيما تعاني المدن الإيرانية من أزمات المياه والكهرباء والبطالة؟ لهذا السبب لم تنجح سياسة المساومة التي انتهجتها الحكومات الغربية طوال سنوات في تغيير سلوك النظام. فقد حصلت طهران في مراحل مختلفة على فرص اقتصادية وسياسية واسعة، لكنها استخدمتها لتعزيز أجهزتها الأمنية وتوسيع نفوذها الإقليمي، لا لمعالجة أزمات المجتمع الإيراني. وفي المقابل، أثبتت الحروب والضربات العسكرية أيضًا محدودية تأثيرها. فالحرب قد تُضعف قدرات النظام أو تفرض عليه ضغوطًا إضافية، لكنها لا تخلق بديلًا سياسيًا، ولا تؤدي تلقائيًا إلى التغيير المنشود. ولهذا فإن المنطقة وجدت نفسها مرارًا أمام النتيجة ذاتها: لا المساومة غيّرت النظام، ولا الحرب أسقطته. لكن العامل الذي تجاهلته معظم التحليلات كان دائمًا موجودًا داخل إيران نفسها. فخلال السنوات الأخيرة شهدت البلاد موجات متلاحقة من الاحتجاجات والإضرابات والانتفاضات الشعبية. كما ازدادت وتيرة الإعدامات والاعتقالات بصورة تعكس حجم القلق الذي يعيشه النظام من الداخل أكثر مما تعكس ثقته بنفسه. ومن هنا تبرز أهمية المعادلة التي طرحتها المقاومة الإيرانية منذ اليوم الأول للحرب الأخيرة تحت شعار "السلام والحرية". فالمقصود ليس مجرد وقف إطلاق النار أو تخفيف التوتر، بل التأكيد أن السلام الحقيقي والدائم يبدأ عندما يتمكن الشعب الإيراني من تقرير مصيره بنفسه، بعيدًا عن القمع والحروب وتصدير الأزمات. إنَّ ما يخشاه النظام اليوم ليس فقط العقوبات أو الضغوط الدولية، بل احتمال التقاء هذه الضغوط مع غضب اجتماعي متراكم ومعارضة منظمة تمتلك مشروعًا سياسيًا بديلًا. عندها تتحول الأزمة الخارجية إلى فرصة للتغيير الداخلي، وهذا هو السيناريو الذي يقلق طهران أكثر من أي تهديد آخر. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تنجح المفاوضات أم تفشل؟ بل: هل يستطيع النظام الاستمرار في الهروب من أزمته الداخلية؟ فالتاريخ القريب يشير إلى أن مستقبل إيران لن يُحسم في واشنطن أو بكين أو موسكو، بل في شوارع إيران ومدنها، وعلى يد شعب يسعى إلى الحرية، ومقاومة منظمة تؤمن بأن البديل ليس الحرب ولا المساومة، بل جمهورية ديمقراطية تعيش بسلام مع شعبها وجيرانها.


