عملية نارنيا
في ليلة 12 إلى 13 يونيو/حزيران 2025، وبينما كانت مئات الطائرات الإسرائيلية تشن عملية "الأسد الصاعد" على البنية التحتية العسكرية الإيرانية ومنشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، كانت مهمة أخرى أكثر هدوءا تجري بالتوازي. وحملت الاسم الرمزي "عملية نارنيا"، وهو اسم اختير لأنه يعكس كيف نظر كثير من المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين إلى العملية على أنها شبه مستحيلة. وفي تلك الليلة، قتل عناصر إسرائيليون، في وقت واحد، تسعة من أصل عشرة من كبار العلماء النوويين الإيرانيين، بينما كانوا نياما في منازلهم. وقُتل العاشر بعد ساعات.
وبلغ العدد الإجمالي للعلماء الذين اغتيلوا خلال حرب الأيام الاثني عشر ما لا يقل عن 14، في حين يصل العدد في بعض التقديرات إلى نحو 20. وكان من بين القتلى فريدون عباسي دواني، الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، وأحد الخبراء في بادئات النيوترونات، وهي المكونات التي تطلق التفاعل النووي المتسلسل. وكان عباسي دواني قد نجا عام 2010 من محاولة اغتيال بسيارة مفخخة نفذها الموساد. كذلك قُتل محمد مهدي طهرانجي، الفيزيائي النظري ورئيس جامعة آزاد الإسلامية في إيران، وعبد الحميد منوشهر، الذي كان يرأس قسم الهندسة النووية في جامعة الشهيد بهشتي، وأحمد رضا ذو الفقاري درياني، الأستاذ البارز في الهندسة النووية والفيزياء.

ولم يكن هذا التزامن المتعمد أمرا عرضيا. فقد أوضح مسؤول إسرائيلي رفيع أن العلماء قُتلوا في الوقت نفسه لكي لا يأخذ أي منهم حذره. وكانت الاستخبارات الإسرائيلية قد حددت هذه المجموعة المؤلفة من عشرة علماء للتصفية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بعدما تعقبت عناوين منازلهم وأنماط حياتهم اليومية لأشهر. ويبدو أنهم كانوا يعتقدون أن بيوتهم آمنة، إذ إن عمليات الموساد السابقة كانت تستهدف العلماء أثناء توجههم إلى العمل. وقامت فكرة الضربات المتزامنة داخل المنازل على استغلال هذا الاطمئنان الذي كان خاطئا إلى أقصى حد.
لكن إسرائيل ذهبت أبعد من استهداف الأفراد. فقد استهدفت ضربات يونيو/حزيران 2025 أيضا الذاكرة المؤسسية للبرنامج نفسه، عبر قصف جامعة الشهيد بهشتي وجامعة الإمام الحسين، وكلتاهما متغلغلتان بعمق في المجمع النووي العسكري الإيراني. ثم قصفت أيضا مبنى ربما يكون قد ضم نسخة من الأرشيف النووي الإيراني في الطابق السفلي من مقر منظمة "SPND" في طهران، وهي جهة تضطلع جزئيا بمسؤولية البحث النووي، في ما بدا محاولة لتدمير أرشيف مادي للمعرفة المرتبطة بالأسلحة.
هذه المرة، جاء القتل على نطاق مختلف جذريا، واقترن بتحذيرات صريحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي توعدت بالموت كل عالم يستأنف العمل في مجال الأسلحة النووية، في مسعى إلى ردع استقطاب الكفاءات ومنع استدامة هذا المسار ذاتيا. وقد أكد رد إيران أن الضغط كان حقيقيا، إذ نُقل العلماء الذين نجوا إلى فيلات محصنة في طهران على امتداد الساحل الشمالي للبلاد، وانتقلت عائلاتهم معهم، واستُبدل الأساتذة الذين كانوا يدرّسون في الجامعات.







