لماذا تعتمد الديكتاتوريات على "ضعيفي الأداء"؟ أمثلة من العهد النازي
سياسةألمانيالماذا تعتمد الديكتاتوريات على "ضعيفي الأداء المهني"؟جميليا برانغه دي أوليفيرا2026/6/20٢٠ يونيو ٢٠٢٦لم يكن القتلة في نظام هتلر وحوشًا، بل كانوا رجالًا عاديين تمامًا - هذا ما كانت قد لاحظته الباحثة السياسية حنا أرندت. والآن تمكن باحثان من إثبات هذه الفرضية، لكن ما علاقة "ضعف الأداء المهني" بالأمر؟ https://p.dw.com/p/5FBeaالمتهمون في قضية فرق العمليات الخاصة في عام 1948صورة من: dpa/picture allianceإعلانلا يشاهد الندم في عيني فالديمار كلينغيلهوفر. إذ يظهر في صورة من محاكمة فرق العمليات الخاصة النازية قائدُ كتيبة العاصفة التابعة لقوات الأمن الخاصة (إس إس) وهو يحدق بهدوء في الكاميرا بنظرة ثابتة. وقميصه المخطط مُزرَّر حتى الأعلى، ويكشف شعره المُصفف بعناية إلى الخلف عن صلع جانبي. وجبينه العريض مُقطّب، لكن لا تظهر عليه أية مشاعر. ويرفع أمام الكاميرا لافتة كتب عليها اسمه: كلينغيلهوفر، فالديمار. وهذه الصورة لا بد أنَّها التُقطت خلال المحاكمة في عام 1947 أو 1948، قبل وقت قصير من صدور حكم الإعدام بحق كلينغيلهوفر في نورينبرغ عام 1948 بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية والانتماء إلى منظمة إجرامية. نورينبرغ من مغني أوبرا إلى قاتل نازي لقد كان كلينغيلهوفر في الأصل مغني أوبرا حتى توليه في عام 1935 رئاسة قسم الشؤون الثقافية في جهاز الأمن (SD)، التابع لقائد قوات الأمن الخاصة (إس إس). وكان جهاز الأمن (SD) جهاز مخابرات مركزيًا في ألمانيا النازية يخضع مباشرة لرئاسة راينهارد هايدريش، وبالتالي بشكل غير مباشر لهاينريش هيملر، أي رئيس هايدريش. وهناك تولى كلينغيلهوفر مثلًا تحليل مدى فعالية الدعاية النازية. مغني الأوبرا وقائد قائدُ كتيبة العاصفة التابعة لقوات الأمن الخاصة (إس إس) فالديمار كلينغيلهوفر أثناء محاكمته في قضية فرق العمليات الخاصة وفي عام 1941 وصل كلينغيلهوفر، الذي كان يتقن اللغة الروسية، إلى فرقة العمليات الخاصة "ب" وبدأ عمله فيها بحسب قوله كمترجم. وفرق العمليات الخاصة هي وحدات خاصة بقيادة هاينريش هيملر، كانت مسؤولة عن إبادة السكان اليهود في أوروبا الشرقية خلال المحرقة. وترقى كلينغيلهوفر هناك إلى رتبة قائد كتيبة العاصفة - وهي واحدة من أعلى الرتب - ضمن "كتيبة موسكو المتقدمة"، وقد أصدر في هذا المنصب أو نفَّذ بنفسه أوامر إعدامات لا تعد ولا تحصى. والسؤال: ما الذي دفع مغني الأوبرا كلينغيلهوفر إلى ترك المسرح أولًا، ثم وظيفته المكتبية المريحة، ليقتل بتكليف من هتلر؟ "رجال عاديون" وموالون غيّروا مسارهم المهني والجواب ببساطة: "ضغط مهني عادي للغاية"، كما قال في حوار مع DW كريستيان غليسل، خبير العلوم السياسية في مركز الأمن الدولي التابع لكلية هيرتي في برلين، ومؤلف مشارك في كتاب "صنع مسيرة مهنية في الديكتاتورية". وحتى الآن كان العديد من الباحثين يفترضون أنَّ القناعة الأيديولوجية يجب أن تكون قد لعبت دورًا أكثر أهمية. ومثلًا لقد جادل الباحث دانيال غولدهاغن في كتابه "جلادو هتلر المتطوعون" بأنَّ معاداة السامية البحتة هي التي حوّلت رجال هتلر إلى قتلة. خبير العلوم السياسية كريستيان غليسلصورة من: Anna-Lena Hönig وجادلت الكاتبة اليهودية حنا أرندت برأي مختلف قبل ثلاثين عامًا من غولدهاغن، وذلك عندما راقبت مجرم الحرب أدولف أيخمان أثناء محاكمته في القدس. وقد قالت في حوار مع الكاتب يواخيم فيست في عام 1964: "لا أعتقد أنَّه كانت لديه رغبات شديدة لممارسة السلطة. لقد كان موظفًا عاديًا. ولا أعتقد أنَّ الأيديولوجيا لعبت دورًا كبيرًا". تدني الأداء كدافع وجد الخبير كريستيان غليسل وزميله الباحث آدم شاربف أدلة تجريبية تدعم ملاحظة حنا أرندت في بيانات آلاف من ضباط الجيش الأرجنتيني. فقد لاحظا وجود نمط متكرر في سجلات البيانات الخاصة بجميع المعلومات المتعلقة بالترقيات ورتب التخرُّج والتقاعد للعسكريين منذ عام 1870: كلما كان أداء الضابط أسوأ يزداد خطر فصله من الخدمة، ويزداد بالتالي احتمال انضمام الضابط الفاشل إلى الشرطة السرية. لاحظ غلاسيل وشاربف أنَّ صفوف الشرطة السرية كانت تعجّ خلال فترة الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين بمن يعرفون باسم "ضعيفي الأداء". وقد استطاعوا من خلال التعذيب والقتل والخطف لصالح النظام إثبات جدارتهم والترقي في الرتب. حنة أرندت كانت مقتنعة منذ البداية بأنَّ الأسباب التافهة كانت أكثر أهمية من الأيديولوجيا بالنسبة للقتلة في نظام هتلرصورة من: akg-images/Fototeca Gilardi/epd ويوضح غليسل أنَّهم "غالبًا ما يكونون أشخاصًا يرفضهم النظام أو لا يستطيعون التقدّم أكثر. وعندئذ يلجأ هؤلاء الأشخاص إلى أساليب متطرفة ويظهرون ولاءهم للنظام من خلال قيامهم بالأعمال القذرة، التي لا يريد أحد آخر القيام بها". ليست الأيديولوجيا بل ضغط العمل لقد بدأ كل شيء بتعليق عابر. فقد التقى المؤلف المشارك شاربف خلال زيارة له إلى الأرجنتين بشخص أخبره أنَّ أفراد الشرطة السرية جميعهم "أغبياء". وفي البداية اعتقد شاربف أنَّ هذا التعليق كان بقصد الإهانة. ولكن ما قيل له ظل عالقًا في ذهنه، وكلما طال حديثه مع غليسل حول ذلك، ازداد شكه: ماذا لو كان المقصود بكل ذلك حرفيًا؟. يقول غليسل: "في الواقع هذا لغز. لماذا يجب على ديكتاتور يعتمد على حسن عمل شرطته السرية أن يلجأ إلى أشخاص أغبياء؟". ولكن لقد اكتشف الباحثان بعد تحليلهما البيانات الأرجنتينية أنَّ هناك شيئًا صحيحا في هذا التعليق. فقد أظهرت سجلات الترقيات العسكرية أنَّ الجيش الأرجنتيني كان دائمًا جهازًا قائمًا على الجدارة. "هذا يعني أنَّ من يظهر إداءً جيدًا يترقى في مسيرته المهنية، ومن لا يقدم أداءً جيدًا يتم طرده عاجلًا أم آجلًا"، كما يوضح غليسل. في عام 1976 تم إسقاط الرئيسة الأرجنتينية إيزابيل بيرون وعزلها من منصبها في انقلاب عسكري وحل محلها مجلس عسكريصورة من: United Archives/kpa Keystone/IMAGO لقد كانت الشرطة السرية في الدكتاتورية العسكرية الأرجنتينية بمثابة طريق مختصر على سلم الترقي الوظيفي بالنسبة لذوي الأداء الضعيف: فالضباط الذين كان أداؤهم سيئًا استطاعوا إنقاذ مسيرتهم المهنية من خلال هذا المسار البديل. وهؤلاء الضباط كانوا يعملون بضع سنين في الشرطة السرية لتتم مكافأتم في وقت لاحق بوظائف ذات رواتب أفضل في وحدات عسكرية أخرى. ومع زيادة الضغط أكثر، كان يزداد احتمال استعدادهم إلى ممارسة التعذيب والقتل من أجل إنقاذ مسيرتهم المهنية. الجدارة - هل هي خطر يهدد للديمقراطية؟ وبالنسبة لغليسل هذا أثر جانبي للأنظمة التي تنتج رابحين وخاسرين - وكذلك نظام الجدارة. ويقول إنَّ "الخاسرين يمثلون موردًا بشريًا بإمكان الحاكم السلطوي استغلاله لمصلحته". ويضيف غليسل أنَّ نظام الجدارة لا يحمي من تقويض الهياكل الديمقراطية ولا من الحكم السلطوي. بل على العكس من ذلك: حيث تظهر أبحاث غليسل وزميله شاربف أنَّ الأنظمة القائمة على الأداء يمكن أن تدفع أشخاصًا عاديين إلى ارتكاب جرائم خطيرة. يقول غليسل: "الأمر الخبيث هنا أنَّ الأداء يمثّل حافزًا. فعندما يدرك المرء أنَّه متأخر، يبذل جهدًا إضافيًا". لم تقتصر أبحاث الباحثين غليسل وشاربف على الأرجنتين فقط، بل شملت أيضًا بعض الأمثلة من ألمانيا النازية وغامبيا والاتحاد السوفيتي. وهكذا عثرا على مغني الأوبرا فالديمار كلينغيلهوفر. هاينريش هيملر ورينهارد هيدريش كانا مسؤولين إلى حد كبير عن الهولوكوستصورة من: AP وفي حالة ألمانيا النازية بالرغم من عدم وجود سجلات بيانات شاملة يمكن مقارنتها بسجلات البيانات الأرجنتينية، ولكن توجد سير ذاتية متفرقة، استطاع غليسل وشاربف من خلالها معرفة من كانوا "الرجال العاديون" في ألمانيا النازية. غليسل: "غالبًا ما كانوا من الذين غيروا مسارهم المهني" يقول غليسل وشاربف إنَّهم غالبًا ما كانوا أشخاصًا لا توجد لديهم خبرة في العمل الشرطي، ولذلك كان يجب عليهم إثبات جدارتهم أكثر. وهذا بالتحديد ما استغله عن قصد مسؤولون نازيون مثل هايدريش وهيملر. وكلينغلهوفر لم يكن الوحيد الذي غيّر مساره المهني من بين أصحاب الرتب العليا في فرق العمليات الخاصة. فقد كان يوجد من بينهم محامون وأساتذة جامعيون ومؤرخون فنيون وأطباء أسنان، وحتى قسيس؛ هو إرنست بيبرشتاين، الذي كان من أوائل القساوسة الذين انضموا إلى الحزب النازي. لقد ترقى في مسيرته المهنية حتى وصل إلى وزارة الشؤون الكنيسية في الرايخ، بينما كان في الوقت نفسه يتجسس لصالح جهاز الأمن (SD). ولكن في مرحلة ما أصبحت وزارة الشؤون الكنيسية في الرايخ غير راضية عن عمله، ولذلك بدأ مسيرته المهنية في جهاز الأمن (SD) وقوات الأمن الخاصة (SS). وفي عام 1942 أصبح قائد قيادة العمليات السادسة في فرقة العمليات الخاصة "ج" في كييف، حيث أمر بقتل آلاف اليهود. إرنست بيبرشتاين كان قسيسًا قبل أن يصبح قائدًا لفرقة عمليات خاصة الترقية "غير مضمونة على الإطلاق" على الأرجح أنَّ ضغط المسيرة المهنية لعب أيضًا دورًا في قوات الأمن الخاصة (SS) وجهاز الأمن (SD). ويُقال إنَّ هايدريش وهيملر قد خلقا عن عمد مناخًا تنافسيًا. وهكذا فقد كانا يريدان "إجراء انتقاء دقيق من وقت لآخر وتقليص الصفوف حتى يبذل الباقون جهدًا أكبر، لأنَّهم يدركون أنَّ ترقيتهم غير مضمونة على الإطلاق"، كما قال هيملر. لقد قال هايدريش عن فرق العمليات الخاصة إنَّها "فرصة لإثبات الذات والتميز". ومع ذلك سيكون من الخطأ تجاهل دور الأيديولوجيا بشكل تام. فقد كانت فرق العمليات الخاصة في قوات الأمن الخاصة (SS) وجهاز الأمن (SD) مدرَّبة أيديولوجيًا، وتم اختيار قادة مثل بيبرشتاين وكلينغيلهوفر شخصيًا من قبل هايدريش وهيملر. وكلينغيلهوفر نفسه انضم في عام 1920 إلى "اتحاد الشباب الألمان" المعادي للسامية، وقد كتب حتى قبل انضمامه إلى جهاز الأمن (SD) كتابًا حول "تأثير اليهود والماسونيين على التطورات السياسية في روسيا". الجلسة الافتتاحية في قضية فرق العمليات الخاصة في نورنبرغ عام 1947صورة من: dpa/picture alliance التعلم من التاريخ يسعى الباحث غليسل من خلال بحثه هذا إلى التحذير، وذلك لأنَّ حتى الأنظمة التي تبدو مستقرة كالديمقراطيات تُنتج رابحين وخاسرين؛ وبالتالي سيبقى هناك دائمًا أشخاص موالون يغيّرون مسارهم المهني ويدون الترقي مهنيًا، وهم مستعدون من أجل ذلك أيضًَا لارتكاب جرائم. وكذلك لا تخلو الأنظمة الديمقراطية اليوم من الموالين الذين يغيّرون مسارهم المهني. ولنأخذ مثلًا وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، الذي كان في السابق مذيعًا في قناة فوكس نيوز. أو ضابط الشرطة البرازيلي السابق مارسيلو خافيير دا سيلفا، الذي تم تعيينه في عهد الرئيس السابق جايير بولسونارو رئيسًا للوكالة المسؤولة عن شؤون السكان الأصليين (FUNAI)، وكان معروفًا بمعارضته حقوق السكان الأصليين. يقول غليسل: "من لا يتعلم من التاريخ يظل التاريخ يلاحقه". ولكن تاريخ فالديمار كلينغيلهوفر لم يلاحقه. فبعد أن حكم عليه بالإعدام في عام 1948 خلال محاكمات نورنبرغ، تم تخفيف العقوبة في عام 1951 إلى السجن المؤبد. وفي عام 1956 تم تخفيض مدة سجنه من جديد وأُُفرج عنه بشروط، ثم عمل كموظف في مدينة فيلينغن بولاية بادن-فورتمبيرغ، حيث توفي عن عمر ناهز 76 عامًا. أعده للعربية: رائد الباش (ع.ج.م) جميليا برانغه دي أوليفيرا محررة تركز على عملها الصحفي على قضايا المرأة والثقافة والسياسة العامة وشؤون البرازيل.ملاحظاتك!ملاحظاتكم!إعلانالمصدر: DW عربية | Source: DW عربية
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة DW عربية. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by DW عربية. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.




