لماذا راهن ترامب على محمد باقر قاليباف رغم تشدده المعلن
في خضم التصعيد غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى برزت مفارقة سياسية لافتة حين تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن شخصية إيرانية رفيعة يمكن التفاهم معها دون أن يسميها لكن التسريبات الإسرائيلية سارعت إلى كشف الاسم والإشارة بوضوح إلى محمد باقر قاليباف وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة المرحلة المقبلة ومن يمكن أن يقودها داخل بنية النظام الإيراني
المفارقة أن إسرائيل نفسها رغم كشفها اسم قاليباف أبدت دهشة من سرعة التقدم الذي تحدث عنه ترامب ما يشير إلى فجوة محتملة في التنسيق أو اختلاف في تقدير المساروهذا القلق عكس خشية إسرائيلية تقليدية من أي تفاهم أميركي– إيراني لا يأخذ مصالحها الأمنية بالكامل في الاعتبار، خصوصًا إذا تم عبر قنوات غير تقليدية أو شخصيات غير متوقعة
على مدى السنوات الماضية لم يكن قاليباف يوما في صدارة المشهد الإيراني لكنه ظل حاضرا في مفاصل القوة والنفوذ ومع الضربات التي طالت قيادات الصف الأول وفي مقدمتهم علي خامنئي واغتيال شخصيات بارزة مثل علي لاريجاني وجد نفسه يتقدم تدريجيا إلى موقع متقدم داخل هرم السلطة حتى بات يوصف في بعض التقديرات بالرجل القوي القادر على التأثير في مسارات وتطورات الحرب والسياسة معا
ينتمي قاليباف إلى الجيل الذي تشكل في فترة الحرب الإيرانية العراقية حيث صعد داخل الحرس الثوري وتدرج في مناصب عسكرية وأمنية حساسة قبل أن ينتقل إلى العمل التنفيذي ثم السياسي كما قاد الشرطة الإيرانية وتولى بلدية طهران لسنوات طويلة قبل أن يصل إلى رئاسة البرلمان عام 2020 وهو ما منحه موقعا يجمع بين الشرعية السياسية والنفوذ الأمني في آن واحد
هذا المسار المتدرج والمركب جعل منه شخصية براغماتية في نظر بعض دوائر القرار في الولايات المتحدة حيث لا ينظر إليه كأيديولوجي صلب بقدر ما يعتبر رجل إدارة قادر على عقد الصفقات وفرضها مستفيدا من شبكة علاقاته الواسعة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية وهو عامل حاسم في تركيبة نظام معقد مثل النظام الإيراني
في العلن يبدو قاليباف أحد أكثر المسؤولين الإيرانيين تشددًا تصريحاته حول مضيق هرمز وتهديداته بشأن استهداف المصالح الأميركية وتأكيده أن معادلة العين بالعين دخلت حيز التنفيذ تعكس صورة صقورية واضحة كما سخر من التصريحات الأميركية حول تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية وردّ على تهديدات ترامب باستهداف منشآت الطاقة بالتلويح بانفلات كامل في الرد الإيراني لكن في السياسة الإيرانية لا يُقرأ الخطاب دائمًا بمعناه الحرفي فالتشدد العلني غالبًا ما يكون غطاءً لمرونة تفاوضية تُدار عبر قنوات غير مباشرة وهو ما يفسر التناقض الظاهري بين نبرة قاليباف الحادة والتقارير التي تتحدث عن كونه قناة محتملة للتفاهم
في هذا السياق يبدو رهان دونالد ترامب على قاليباف أقرب إلى خيار تكتيكي يهدف إلى إيجاد شريك قادر على إدارة مرحلة انتقالية أو التمهيد لتفاهمات تخفف من كلفة المواجهة دون مخاوف الانزلاق إلى حرب شاملة خصوصا وأن واشنطن باتت تبحث عن مخرج يحفظ مصالحها ويجنبها صراعا مفتوحا طويل الأمد ذات كلفة باهضة وتضحيات كبيرة
في الواقع قد لا يخلو من التعقيد والعقبات حيث تنفي طهران بشكل قاطع وجود أي مفاوضات مباشرة معها في حين يؤكد قاليباف نفسه أن الحديث عن تواصل مع واشنطن ليس سوى محاولة للتأثير على الأسواق العالمية وتهدئة المخاوف والضغط السياسي في حين تشير الوقائع إلى وجود قنوات اتصال غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين مثل تركيا وقطر وسلطنة عُمان وباكستان وهو نمط معتاد في إدارة الصراع بين الطرفين مع أن بنية النظام الإيراني نفسها تطرح معضلة بانه لا يمكن لشخصية واحدة أن تدير ملفا بهذا الحجم بمعزل عن مؤسسات الرئيسية مثل المجلس الأعلى للأمن القومي ومكتب المرشد ما يعني أن قاليباف حتى لو كان فاعلا رئيسيا فإنه ليس بالضرورة صاحب القرار النهائي او الخيار الانسب
العديد من المراقبين والمتابعين يرون إن صعود محمد باقر قاليباف في هذه اللحظة يعكس تحولا أعمق داخل إيران حيث تتقدم الشخصيات ذات الخلفية الأمنية والتنفيذية إلى الواجهة خاصة في أوقات الأزمات وهو ما يجعله خيارا قابلا للاختبار دوليا حتى وإن لم يكن الخيار الحاسم داخليا وان الرهان على قاليباف لا ينبع من كونه معتدلًا بل من كونه قابلًا للاستخدام السياسي ضمن معادلة معقدة حيث يُنظر إليه كشخصية براغماتية تمتلك خبرة تنفيذية ما يجعله أكثر قابلية لإبرام صفقات مقارنة بشخصيات أيديولوجية صلبة بالإضافة الى انه يمتلك نفوذًا حقيقيًا داخل الأجهزة الأمنية بحكم تاريخه كقائد للشرطة وارتباطه بالحرس الثوري ما يمنحه قدرة محتملة على تنفيذ أي تفاهم والاهم انه يتصدر المشهد في لحظة فراغ نسبي ما يجعله خيارًا عمليًا في مرحلة انتقالية غير مستقرة حيث تبحث واشنطن عن مخرج من التصعيد دون الانزلاق إلى حرب شاملة وقاليباف قد يمثل شريك الضرورة في هذا المسار
رغم كل ما سبق، يبقى السؤال الجوهري: هل قاليباف هو فعلًا صانع القرار أم مجرد واجهة محتملة في الواقع أن بنية النظام الإيراني لا تسمح لشخص واحد بإدارة ملفات بهذا الحجم، حيث تبقى الكلمة النهائية ضمن مؤسسات مثل المجلس الأعلى للأمن القومي ومكتب المرشد لكن هذا لا ينفي أن قاليباف قد يكون جزءًا أساسيًا من هندسة المرحلة حتى لو لم يكن مهندسها الوحيد
ما يجب فهمه بشكل دقيق انه في لحظات التحولات الكبرى لا تصعد الشخصيات فقط لقوتها الذاتية، بل لمدى توافقها مع احتياجات اللحظة وفي حالة قاليباف يبدو أنه يجمع بين ميزتين نادرتين القدرة على التحدث بلغة التصعيد والاستعداد إن لزم للعب دور في التهدئة لهذا قد لا يكون السؤال لماذا تراهن عليه واشنطن بل لماذا يبدو حتى الآن الخيار الأكثر قابلية للاختبار في لعبة دولية تبحث عن مخرج من حرب مفتوحة دون أن تعلن ذلك صراحة
ختاما : يتساءل الكثيرون هل يمكن أن يكون محمد باقر قاليباف عند حسن ظن ترامب وعند رهانه أم أن حسابات واشنطن تبالغ في تقييم قدراته على المناورة داخل نظام بنيته معقدة في تسلسل القرارات بمرجعيات وهياكل بيروقراطية مثل النظام الإيراني والحقيقية التي يجب ان لا تغيب عن رهان الامريكان ان الرجل رغم ما يمتلكه من نفوذ وخبرة يظل جزءا من منظومة تحكمها مراكز قرار متعددة لا تسمح عادة لشخص واحد بحسم ملفات كبرى بمفرده كما أن خطابه المتشدد والمتكرر يعكس التزاما عميقا بثوابت النظام ما قد يحد من هامش براغماتيته في لحظة تتطلب تنازلات صعبة ومع ذلك فإن تاريخ العلاقة بين واشنطن وطهران يظهر أن الشخصيات الأكثر تشددا في العلن قد تكون أحيانا الأكثر قدرة على تمرير التفاهمات في الخفاء وهو ما يجعل الإجابة على هذا السؤال مفتوحة على احتمالات متباينة بين نجاح الرهان أو سقوطه على صخرة تعقيدات الداخل الإيراني





