لماذا لا يجوز وصف الدجاج بـ"خنزير الطيور"؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
بين الإثارة الإعلامية والدقة العلمية: لماذا لا يجوز وصف الدجاج بـ"خنزير الطيور"؟
بقلم: المهندس الزراعي محمد عبدالله الطوالبة/ خبير زراعي
لفت انتباهي خبر متداول يحمل عنوان: "بورصة الدجاج في الأردن: دينار وعشر قروش سعر كغم خنزير الطيور المبرد". ورغم أن الخبر يركز ظاهرياً على الأسعار، إلا أن القضية الأهم لا تتمثل في قيمة المنتج أو تقلبات السوق، وإنما في طبيعة المصطلحات المستخدمة وطريقة تقديم المعلومة للرأي العام.
فمصطلح "خنزير الطيور" ليس مصطلحاً علمياً أو بيطرياً أو غذائياً معترفاً به، ولا يجد له أساساً في المراجع العلمية أو التصنيفات الزراعية أو الأدبيات المتخصصة في علوم الدواجن. لذلك فإن استخدامه في العناوين الإعلامية يمثل توصيفاً غير دقيق قد يساهم في جذب الانتباه وتحقيق انتشار واسع، لكنه في المقابل يترك آثاراً سلبية على صورة قطاع إنتاجي وطني وعلى ثقة المستهلك بالمنتج المحلي. فالإعلام المهني لا يُقاس بقدرته على صناعة الإثارة، بل بمدى التزامه بالدقة والموضوعية واحترام الحقائق العلمية عند تناول القضايا الاقتصادية والغذائية التي تمس حياة المواطنين والأمن الغذائي الوطني.
وتُعد صناعة الدواجن والإنتاج الحيواني من القطاعات العلمية المتخصصة التي يقودها المهندسون الزراعيون في مجالات التخطيط والإدارة والإنتاج والتطوير، فيما يشكل الأطباء البيطريون شريكاً أساسياً في الحفاظ على صحة القطعان وتطبيق برامج الوقاية والتحصين وضمان سلامة الغذاء. وقد أسهم التكامل بين التخصصين في تطوير قطاع دواجن أردني متقدم يتمتع بكفاءة إنتاجية عالية، ويسهم في تعزيز الأمن الغذائي الوطني وتوفير مصدر بروتين آمن وعالي القيمة الغذائية للمستهلك الأردني رغم مختلف التحديات الاقتصادية والفنية.
ومن هنا، فإن إطلاق أوصاف غير علمية أو مصطلحات شعبوية على قطاع بهذه الأهمية لا يسيء إلى المنتج فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى التقليل من قيمة المعرفة العلمية والخبرة المهنية المتراكمة التي بناها المهندسون الزراعيون والأطباء البيطريون والباحثون والعاملون في هذا القطاع على مدى عقود. فالقضايا الفنية يجب أن تناقش بلغة العلم والبيانات والأدلة، لا بلغة الإثارة الإعلامية أو المصطلحات التي لا تستند إلى أي أساس علمي أو مهني.
إن قطاع الدواجن في الأردن ليس مجرد سلعة تخضع لتقلبات العرض والطلب اليومية، بل يعد أحد الركائز الأساسية لمنظومة الأمن الغذائي الوطني. ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة لعام 2024، بلغ إنتاج المملكة من لحوم الدجاج نحو 302 ألف طن، فيما حقق القطاع نسبة اكتفاء ذاتي بلغت 83.1%. كما بلغت الصادرات نحو 18.9 ألف طن، في حين بلغت الواردات حوالي 80.2 ألف طن، وهي مؤشرات تعكس المكانة الاستراتيجية التي يحتلها هذا القطاع في توفير الغذاء وتعزيز الأمن الغذائي الاستراتيجي للمملكة وتقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز استقرار الإمدادات الغذائية.
ولا تقتصر أهمية القطاع على الجانب الإنتاجي فحسب، بل تمتد إلى دوره الاقتصادي والتنموي، إذ يمثل استثمارات وطنية تتجاوز 2.4 مليار دينار أردني، ويوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في المزارع والفقاسات ومصانع الأعلاف والمسالخ والخدمات البيطرية وعمليات النقل والتوزيع وسلاسل التوريد والإمداد المختلفة، مما يجعله أحد أهم القطاعات الزراعية والإنتاجية في المملكة، وأحد النماذج الوطنية الناجحة في تحقيق مستويات مرتفعة من الاكتفاء الذاتي في سلعة غذائية أساسية.
ومن الضروري أيضاً التوضيح أنه لا توجد في الأردن بورصة دواجن رسمية بالمعنى الاقتصادي والمؤسسي المتعارف عليه. وبالتالي فإن أي سعر يتم تداوله في منفذ بيع معين، أو ضمن عرض ترويجي، أو لكمية محددة، لا يمكن اعتباره مؤشراً عاماً يعكس واقع السوق المحلي أو أداء القطاع بأكمله. فالأسواق تتأثر بعوامل عديدة، منها العرض والطلب، والموقع الجغرافي، وتكاليف النقل والتخزين، وسياسات التسويق، والخصومات التجارية، وهو ما يجعل تعميم سعر منفرد على القطاع بأكمله أمراً يفتقر إلى الدقة الاقتصادية والمهنية.
ولا خلاف على أن متابعة الأسعار ونقد السياسات التسويقية أو الاقتصادية حق مشروع للإعلام وللمستهلك، بل إنه يمثل جزءاً من الرقابة المجتمعية المطلوبة. غير أن هذا الحق يجب أن يُمارس في إطار من المسؤولية المهنية، من خلال الاعتماد على المصطلحات العلمية والبيانات الدقيقة، والرجوع إلى المختصين والخبراء وأصحاب الاختصاص والجهات الرسمية، بعيداً عن العناوين المثيرة التي قد تجذب الانتباه على حساب الحقيقة وتؤدي إلى تشويه صورة قطاع إنتاجي يمثل جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الغذائي الوطني.
كما أن من واجب وسائل الإعلام، عند تناول القضايا الزراعية والغذائية المتخصصة، أن تمنح المساحة الكافية لأصحاب الاختصاص من المهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين والباحثين والخبراء الاقتصاديين، وأن تستند إلى المصادر الرسمية والبيانات الموثقة بدلاً من اللجوء إلى أوصاف شعبوية أو مصطلحات صادمة لا تضيف قيمة معرفية للقارئ، ولا تسهم في فهم الواقع بصورة موضوعية، وقد تسيء إلى منتج وطني أساسي يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي للمملكة.
وفي النهاية، فإن الدفاع عن قطاع الدواجن ليس دفاعاً عن شركة أو مزرعة أو تاجر بعينه، وإنما هو دفاع عن قطاع وطني استراتيجي يمثل أحد أبرز إنجازات الأردن في مجال الإنتاج الغذائي وتحقيق مستويات متقدمة من الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي. ومن هنا، فإن الدقة في استخدام المصطلحات ليست مسألة لغوية فحسب، بل هي مسؤولية علمية ومهنية ووطنية تسهم في حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز الثقة بقطاع يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي الأردني، ويقف خلفه آلاف المنتجين والعاملين والخبراء والمهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين الذين ساهموا في بنائه وتطويره عبر عقود من العمل والعلم والاستثمار.





