🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
407996 مقال 248 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2892 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

لماذا اتحدوا هم وتفرّقنا نحن؟

العالم
jo24
2026/05/23 - 16:41 503 مشاهدة

 
قبل أيام، كان لي حديث طويل مع مجموعة من الأصدقاء، حديث بدأ عابرًا ثم تحوّل إلى نقاش عميق ومؤلم حول منطقتنا، حدودها، انقساماتها، وهزائمها المتكررة. وفي وسط الكلام، حضر سؤال قاسٍ لا يمكن الهروب منه: لماذا استطاعت أوروبا، بعد حروبها وكوارثها، أن تتجه نحو الوحدة، بينما ظللنا نحن أسرى خرائط التفتيت والصراع؟

تحدثنا عن أوروبا التي خرجت من حربين عالميتين محطّمة، مدنها رماد، وشعوبها مثقلة بالدم والذاكرة السوداء. ومع ذلك، لم تبقَ أسيرة الانتقام إلى الأبد. فهمت، ولو متأخرة، أن استمرار العداء يعني انتحارًا جماعيًا. ومن هنا جاءت فكرة الاتحاد، والسوق المشتركة، والعملة الواحدة، وحرية التنقل، والتعاون السياسي والاقتصادي. أوروبا لم تتوحد لأنها طاهرة أو بريئة، بل لأنها تعلّمت أن المصالح الكبرى تحتاج عقلًا باردًا لا شعارات حارقة.

وفي المقابل، كانت منطقتنا ضحية خرائط رُسمت في غرف مغلقة، ومن أشهرها سايكس بيكو، تلك الاتفاقية التي لم تكن مجرد خطوط على ورق، بل كانت بداية مرحلة طويلة من التقسيم والنفوذ والسيطرة. قُسمت الأرض وكأنها غنيمة حرب، وتقرر مصير شعوب كاملة دون أن يُسأل أصحاب الأرض عن رأيهم. هنا لا يمكن تبرئة الغرب من مسؤوليته التاريخية؛ فقد تعامل مع منطقتنا كمساحة نفوذ، ومخزن ثروات، وساحة صراع، لا كأمم لها حق في السيادة والكرامة.

لكن النقد الحقيقي لا يكتمل إذا اكتفينا بلعن الخارج. نعم، الغرب تآمر وتقاسم ونهب ودعم أنظمة وخذل شعوبًا، لكن ماذا فعلنا نحن بعد ذلك؟ هل حوّلنا الاستقلال إلى مشروع نهضة؟ هل بنينا دولة القانون؟ هل جعلنا المواطن أعلى من الطائفة، والوطن أكبر من القبيلة، والمؤسسة أقوى من الفرد؟ أم أننا ورثنا حدود سايكس بيكو، ثم صنعنا داخلها حدودًا أصغر وأشد قسوة: حدود المذهب، والعشيرة، والحزب، والمصلحة الضيقة؟

المأساة أن الغرب عرف كيف يحمي مصالحه، ونحن لم نعرف كيف نحمي أوطاننا. هم اختلفوا ثم جلسوا إلى الطاولة، ونحن نجلس إلى الطاولة ثم نختلف أكثر. هم حوّلوا الدم إلى درس، ونحن حوّلنا الجرح إلى خطاب. هم بنوا مؤسسات، ونحن بنينا زعامات. هم جعلوا الحدود أقل حضورًا في حياة المواطن، ونحن جعلنا الحدود تسكن داخل القلوب والعقول.

ليس المطلوب أن نصفق لأوروبا، ولا أن نجلد أنفسنا بلا رحمة. المطلوب أن نرى الحقيقة كما هي: الغرب ليس بريئًا، ونحن لسنا أبرياء من استمرار ضعفنا. الخارج قد يرسم الخريطة، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنعنا من بناء مدرسة محترمة، وقضاء عادل، واقتصاد منتج، ومواطنة لا تفرق بين الناس على أساس الأصل أو الدين أو الطائفة.

سايكس بيكو كانت جريمة سياسية بحق منطقتنا، لكن استمرار العجز بعد أكثر من قرن لم يعد كله مسؤولية سايكس ولا بيكو. هناك مسؤولية محلية، مسؤولية أنظمة، ومسؤولية نخب، ومسؤولية شعوب قبلت أحيانًا بالصمت، أو انشغلت بالانقسام، أو صدّقت أن المؤامرة تفسر كل شيء وتعفي الجميع من الحساب.

في حديثي مع الأصدقاء، شعرت أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا قسّمونا؟ بل: لماذا بقينا قابلين للتقسيم؟ ليس السؤال: لماذا اتحدوا هم؟ بل: لماذا فشلنا نحن في أن نختلف دون أن نتحارب؟

الأمم لا تنهض بالبكاء على خرائط الماضي، بل بصناعة وعي جديد. ولا تتحرر الشعوب بمجرد فضح المؤامرات، بل عندما تبني إنسانًا حرًا، ودولة عادلة، ومجتمعًا يؤمن أن الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف، وأن الكرامة لا تُستورد من الخارج، بل تُصنع في الداخل.

لهذا، فإن المقارنة بين أوروبا ومنطقتنا موجعة، لكنها ضرورية. لأنها تضعنا أمام المرآة بلا مجاملة: هم تعلّموا من حروبهم كيف يتحدون، ونحن ما زلنا نتعلم من هزائمنا كيف نبرر الانقسام.

وهنا تبدأ الحقيقة المؤلمة: ليست كل مصائبنا من صنع الآخرين، وليست كل براءتنا حقيقية.

 

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤