لغز “الطائرة المجهولة” في جزيرة يمنية على باب المندب
قال المتحدث باسم قوات العمالقة اليمنية، أصيل السقلدي، في تصريح خاص بـ“الحرة”، إن ما جرى رصده في سماء جزيرة ميون عند مدخل البحر الأحمر كان “مسيّرة استطلاع حوثية”، وذلك في أحدث رواية تصدر بعد أيام من التضارب بشأن ما عُرف إعلاميا بـ”الطائرة المجهولة” في باب المندب.
هذا التوضيح جاء بعد جدل بدأ مع تداول رواية مختلفة تحدثت عن “محاولة إنزال” في الجزيرة، قبل أن تتراجع الجهات التي تناقلت تلك المعلومات أو تداولتها.
وبدأت القصة بمنشور تداوله صحفيون ووسائل إعلام يمنية، منسوب إلى السفير اليمني في بريطانيا، ياسين سعيد نعمان، يصف فيه ما ورد في التقارير بأنه تطور “بالغ الخطورة” نظرا إلى حساسية موقع الجزيرة عند مدخل باب المندب.
لكن تبين لاحقا أن السفير كان يتفاعل مع ما نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، التي تحدثت حينها عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة في مدرج ميون، قبل أن تتصدى لها القوات المرابطة وتمنعها من الاقتراب، ، نقلا عما قالت الصحيفة إنها مصادر عسكرية يمنية.

لاحقا، نشرت الصحيفة نفيا لصحة المعلومات، كما حذف السفير نعمان منشوره، بعد أن وصله نفي من الجهات المسؤولة، حسب قوله.
ويبدو أن تأخر النفي الرسمي، إلى جانب تضارب التصريحات، يعكس وضعا أمنيا بالغ التعقيد داخل الجزيرة.
وبحسب مصدر مطلع تحدث لـ”الحرة” طالبا عدم الكشف عن هويته، تنتشر في جزيرة ميون حاليا قوة تتبع ألوية العمالقة، وأخرى تتبع كتيبة اللواء الثالث من الحزام الأمني وهي قوة كانت تتبع المجلس الانتقالي الجنوبي، قبل أن يُعاد تقديمها مؤخرا تحت اسم “الأمن الوطني”.
وتوجد في الجزيرة، أيضا، قوة محلية من أبنائها بقيادة الشيخ صالح خزور.
ويعكس هذا التعدد في القوى في الجزيرة، وفق المصدر، تعددا في مراكز النفوذ والسيطرة، وهو ما يفسر جزئيا تضارب الروايات بشأن ما حدث، بحسب قوله.
وكان العميد عبد الجبار الزحزوح، مدير عام خفر السواحل في قطاع البحر الأحمر، أول من نفى صحة التقارير، عبر قناة “الجمهورية” التابعة لطارق صالح، إذ أكد أن ما أثير “عارٍ تماما عن الصحة”. وبعد ذلك، صدر نفي مماثل من وزارة الإعلام اليمنية.
وتكتسب قوات طارق صالح أهمية خاصة في هذا السياق، إذ سبق أن أشادت بها القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” بعد اعتراضها شحنة أسلحة إيرانية في البحر الأحمر، وهي تتقاسم منذ سنوات مع قوات العمالقة مهمة تأمين الساحل الغربي لهذا الممر البحري الحيوي.
ورغم صدور النفي الرسمي، فإن الرواية الرسمية لم تكن قاطعة. فقد قال رئيس مصلحة خفر السواحل، اللواء الركن خالد القملي، إن ما جرى كان “مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة”، واصفا الأمر بأنه إجراء روتيني، لكنه نفى في الوقت نفسه صحة الحديث عن محاولة إنزال.
ولم يكن هذا الجدل كله ليأخذ هذا الحجم لولا الأهمية الاستثنائية للجزيرة نفسها.
تقع جزيرة ميون، أو بريم، في قلب مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وهي جزيرة بركانية صغيرة، لكنها تشطر المضيق إلى قناتين، ما يمنحها موقعا فريدا لمراقبة حركة السفن وخطوط الإمداد والطاقة.
وينقسم المضيق إلى قناتين تفصل بينهما الجزيرة: قناة شرقية ضيقة تعرف بباب الإسكندر، لا يتجاوز عرضها نحو ثلاثة كيلومترات ويبلغ عمقها قرابة 30 مترا، وقناة غربية أوسع وأعمق، يصل عرضها إلى نحو 25 كيلومترا ويتجاوز عمقها 300 متر، وهي المسار الرئيسي لعبور السفن وناقلات النفط.
ويُعد باب المندب أحد أهم شرايين التجارة العالمية، إذ يمر عبره ما بين 12 و15 في المئة من حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، فضلا عن كونه ممرا حيويا لنقل النفط من الخليج إلى الأسواق العالمية.
ولا تقتصر أهمية ميون على التجارة والطاقة، بل تمتد إلى الحسابات الأمنية الإقليمية. فبحسب تقارير إعلامية، تعتبر إسرائيل الجزيرة جزءا من منظومة الأمن القومي الإسرائيلي، إذ إن أي نفوذ عليها يتيح مراقبة خطوط الملاحة في البحر الأحمر وصولا إلى بحر العرب والقرن الأفريقي، بما في ذلك المسار البحري المؤدي إلى ميناء إيلات، الذي تأثر بشكل مباشر بهجمات الحوثيين في البحر الأحمر خلال السنوات القليلة الماضية.
وعادت الجزيرة إلى الواجهة منذ سنوات بعد رصد مدرج ومنشآت عسكرية عليها عبر صور الأقمار الصناعية، في مؤشر على تحولها من نقطة جغرافية صغيرة إلى منصة عسكرية محتملة يمكن أن تدعم عمليات مراقبة أو انتشار جوي في واحدة من أكثر مناطق الملاحة حساسية في العالم.
جغرافيا، يبلغ عرض مضيق باب المندب نحو 30 كيلومترا، بينما تضيق بعض ممراته إلى بضعة كيلومترات فقط، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على حركة الملاحة وكلفة التأمين البحري. كما يرتبط المضيق بشبكة الملاحة الممتدة من مضيق هرمز إلى قناة السويس، وصولا إلى موانئ مثل إيلات.
وفي هذا السياق، لا تبدو فرضية التصعيد بعيدة. إذ يتزايد القلق من أن يتحول باب المندب إلى ساحة ضغط إضافية إذا تصاعدت المواجهة مع إيران، خصوصا في ظل قدرة الحوثيين على استهداف الملاحة وتهديد طرق التجارة، بما قد يفتح ما يشبه “مضيقا آخر” موازيا لهرمز.





