... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
164494 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8121 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

لبنان: دولة مؤجَّلة أم سيادة معلَّقة؟

العالم
النهار العربي
2026/04/13 - 06:53 501 مشاهدة

 

الأب صلاح أبوجوده اليسوعي

أستاذ في جامعة القديس يوسف

 

"تُعلّمنا القيامة أنّ الحجر لا يبقى، وإنّ ما يبدو مستحيلاً يمكن أن يتغيّر. إنّ القيامة الوطنيّة تبدأ من الداخل، من إنسان يقرّر أن يقوم، أن يتمسّك بالحقيقة، أن يعمل من أجل الخير العام" (نواف سلام).

 

هل تُختزل الأزمة الحاليّة حقًّا في مسألة حصر السلاح بيد الدولة وترسيخ سيادتها؟ وهل يكون التوصّل إلى هذَين الهدفَين قد أنهى بالفعل زمن الدولة الواهنة والمضطربة وأطلق زمن الدولة القويّة المستقرة؟ وهل تعكس الخطابات والمجادلات الإعلاميّة الجارية فعلًا نقاشًا موضوعيًّا ومسؤولًا يهدف إلى بناء دولة فاعلة، أم أنها مجرد لعبة خداع متبادل بشعارات سامية، تعكس عداء الخصوم بعضهم لبعض، وسعيهم إلى إخضاع الآخر وتعزيز المصالح الفئويّة الطائفيّة؟ لنبدأ بنظرة إلى الوضع الراهن.

 

في المخيال الاجتماعيّ اللبنانيّ، يتفاقم القلق الناجم عن استمرار الاشتباكات العسكريّة بين الجيش الإسرائيليّ وحزب الله، بشأن اليوم التالي لتلك المواجهات، وهذا أمر مبرّر تمامًا. فنتائج تلك المواجهات على المستويَين الاجتماعيّ-الاقتصاديّ والإنسانيّ تتضخّم يومًا بعد يوم. فالخسائر الماديّة تُقدّر بمليارات الدولارات، وثمّة قطاعات حيويّة لحقها تدمير شبه كامل أو كامل، مثل الزراعة في الجنوب. ويواكب هذا التدهور البنيويّ أزمة نزوح قاسية، إذ يُقدَّر عدد النازحين بمليون شخص، ما يزيد من هشاشة مجتمع يعيش أكثر من 70 بالمائة من أفراده دون خطّ الفقر، فضلاً عن بعض الاحتكاكات الاجتماعيّة-الطائفيّة في بعض مناطق الاستقبال، لا سيّما وأنّ غالبيّة النازحين هم من الطائفة الشيعيّة. ويزداد الوضع سوءًا إذ يتّضح أنّ عودة قسم غير قليل من النازحين إلى بيوتهم سيكون مستحيلاً في وقت قريب، بالنظر إلى حجم الدمار الذي لحق بممتلكاتهم أو أيضًا بسبب احتمال فرض الجيش الإسرائيليّ منطقة عازلة بشكل دائم، ما يمثّل تهديدًا لوحدة الأراضي اللبنانيّة، ويزيد من حالة اللااستقرار، ويعيق مشاريع إعادة الإعمار، ويعيد إحياء الجدال بشأن ضرورة المقاومة بل والحقّ في الحفاظ عليها.

 

على الصعيد السياسيّ، يؤدّي استمرار المواجهات العسكريّة في الجنوب إلى تفاقم الانقسام الطائفيّ والمؤسساتيّ على نحوٍ يُبرز أزمة سيادة الدولة التي تبدو في موقع المراقب العاجز. غير أنّ هذا الموقف الذي يؤول إلى تآكل سلطة الدولة المركزيّة تدريجيًّا، يدلّ على مأزق كبير لا يمكن الخروج منه في الإطار اللبنانيّ إلاّ من خلال تسويات، لا تعالج مسألة تآكل الدولة على نحوٍ سليم. فالدولة تبدو عالقة، من جهة، بين عدم قدرتها على تنفيذ قرار حصريّة السلاح بيد قواها الشرعيّة، في وقت لا يبدو فيه الجيش اللبنانيّ قادرًا على تنفيذ هذا القرار بالقوّة، لا بسبب افتقاره إلى العتاد فحسب، بل لعدم رغبته في الدخول بمواجهة داخليّة عواقبها ستكون كارثيّة؛ ومن جهة ثانية، إصرار حزب الله على التمسّك بسلاحه وسط اتّهامات الدولة بعدم إلزام الجيش اللبنانيّ بالدفاع عن الأراضي اللبنانيّة. وممّا لا شكّ فيه أن تفاقم هذا المأزق سيؤدّي إلى تراجع الحوكمة الوطنيّة تراجعًا متسارعًا، وإضعاف العقد الاجتماعيّ، وتحويل الساحة المحليّة أكثر وأكثر إلى حلبة صراعات خارجيّة.

 

ويأتي موضوع التفاوض مع إسرائيل بصفته مخرجًا من الحرب الدائرة ليزيد من تعقيدات المشهد السياسيّ. فمن جهة، تبدو الحكومة مصمّمة على الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركيّة، في حين أنّ حزب الله يريد ربط المسار اللبنانيّ بالمسار الإيرانيّ. ومن ثمّ، فإنّ موضوعَي الحوار الرئيسيَّين كما يُشاع، أي نزع سلاح حزب الله واعتراف لبنان بدولة إسرائيل، سيضعان الوضع الداخليّ على مفترق طرق، فإمّا التوصّل إلى تسوية على الطريقة اللبنانيّة التي تُلخَّص عادة بصيغة مماثلة لصيغة اللاغالب واللامغلوب، وهي صيغة لا تحسم المواضيع الخلافيّة بل تلتفّ عليها، أو بتقاسم جديد للمناصب الأساسيّة السياسيّة والأمنيّة على أساس طائفيّ كأثمان تُسدَّد لقبول التسوية، وإمّا تأزيم يمكن تفاقمه أن يهدّد السلم الأهليّ. وفي هذه الحالة الأخيرة، سيكون موقف الجيش اللبنانيّ حرجًا للغاية بالنظر إلى التوازنات السياسيّة الداخليّة وموازين القوى القائمة.

 

في ضوء ما تقدّم، تبدو الساحة السياسيّة اللبنانيّة منقسمة ظاهريًّا حول مسألة وجوديّة أساسيّة تتمثّل في وجود الدولة نفسها بصفتها كيانًا سياديًّا يحتكر شرعيًّا استخدام العنف، بالمعنى الذي حدّده ماكس فيبر، ويُقرِّر سياسته الخارجية وفقًا للمصلحة الوطنيّة. ذلك بأنّ حزب الله، وإن كان لا يرفض فكرة الدولة، فهو يرسم معالمها ودورها وفق معايير تبتعد عن هذا التصوّر التقليديّ، ولا سيّما من خلال إضفاء الشرعيّة على ازدواجيّة أمنيّة وولاءات عابرة الحدود. وتولّد حالةُ الشدّ هذه غموضًا بنيويًّا بحيث أنّ الدولة يُطالب بها ويُلتفّ عليها في الوقت نفسه. وباختصار، يبدو الانقسام الحاليّ معياريّ الطابع، بين مشروع دولة يقوم على حصريّة السيادة والسلاح وتقرير المصلحة الوطنيّة، ورؤية مختلفة تُخضع هذه الأمور لاعتبارات طائفيّة وجيوسياسيّة تمثّل امتدادًا لخيار أيديولوجيّ.

 

مهما يكن من أمر، فإنّ الوضع المأزوم، كما في كلّ أزمة وجوديّة من تاريخ لبنان الذي يتميّز بتعاقب شبه متواصل لمثل هذه الأزمات، يجعل أن يُحصر النقاش والجدال والبحث عن حلول في اللحظة الراهنة. لذا، فإنّ حسن إدارة هذه اللحظة المصيريّة بغية تفادي الأسوأ هو الذي يشغل الأوساط النافذة داخليًّا، وهذا يعني عمليًّا، كما سلف القول، البحث عن تسوية على الطريقة اللبنانيّة. غير أنّ هذه الحلول مؤقّتة ولا تسمح بمعالجة أسس الخلاف الوطنيّ. وبالتالي، يبقى المجتمع اللبنانيّ أسير تكرار دوريّ لانقساماته.

 

إنّ مشكلة لبنان ثقافته السياسيّة الميثاقيّة قبل كلّ شيء. فالميثاق يُرسي أسس دولة قائمة على توازنات طائفيّة لا يمكن أن تكون دائمة، لأنّ العوامل الداخليّة والخارجيّة التي تؤثِّر بالتوازنات متغيّرة على نحوٍ دائم. وفي ظلّ غياب سياسة تهدف إلى تجاوز هذه التوازنات لخلق وحدة وطنيّة حقيقيّة، يبقى العمل السياسيّ صراعًا على الامتيازات، ومطبوعًا بالخوف المتبادل، ومسهّلاً التأثّر بالتيّارات الفكريّة والسياسيّة الخارجيّة تبعًا لما ينسجم مع مصالح هذا الفريق أو ذاك أو ما يمثّل انسجامًا مع ثقافة كلّ طائفة أو امتداداتها التاريخيّة. إضافة إلى ما تُنتجه طبيعة هذا العمل السياسيّ من زبائنيّة وفساد وعداوات. وفي الواقع، فإنّ هذه الخلفيّة تجعل الشعارات التي تُرفع من قبل هذا الفريق أو ذاك تبدو مجرّد مناورات أو لعبة مكائد متبادلة، بغية تعزيز فرص القضاء على الخصم أو على أقلّه اكتساب امتيازات على حساب الفريق الآخر.

 

وبكلام آخر، يُعيق الميثاق الوطنيّ بناء دولة ديموقراطيّة معاصرة، لأنّه يمنع نشوء شعور وطنيّ موحّد، هذا الشعور الذي يمثّل شرطًا أساسيًّا لتنمية ثقافة الانتماء الكامل إلى الدولة، ولتطوير مفهوم الخير العامّ في شقَّيه الماديّ والروحيّ. أمّا الخروج من هذا المأزق فيقتضي بلورة خطاب قادر أن يُحرّر المجتمع اللبنانيّ من هذه المنظومة الطائفيّة، ويفتح آفاقًا ثقافيّة سياسيّة جديدة، تقوم على المواطن الحرّ وعلى وعي جماعيّ بمساوئ الطائفيّة باعتبارها عائقًا بنيويًّا في وجه تحقيق السيادة الوطنيّة الحقّة والتماسك الوطنيّ وترسيخ أسس الدولة المعاصرة.

 

من الناحية البرغماتيّة، يتمنّى غالبيّة اللبنانيّين أن يتمّ التوصّل إلى تسوية أو حلّ وسطيّ يُجنِّب البلاد مواجهات داخليّة ستكون كارثيّة على الجميع أو يُفادي تفاقم الأزمة السياسيّة على نحوٍ يشلّ البلاد بتزايد ويفتحها على المجهول. ولكن يمكن التمنّي، في الوقت عينه، أن تؤلِّف كلمات رئيس الحكومة المذكورة في مستهلّ هذا المقال أساسًا لخطاب وطنيّ جديد يُعبِّر عن قطيعة مع لبنان الميثاقيّ، ويفتح الطريق أمام انعتاق اللبنانيّ من هيمنة الطائفيّة، ويؤسّس للبنان جديد يتوق إليه اللبنانيّون جميعًا.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤