*لبنان بين وقف النار المشروط وسؤال الدولة: من يمسك بزمام القرار؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في لبنان لا يكفي أن يُعلن وقف النار من واشنطن، لأن النار الحقيقية لا تنطفئ إلا حين يتفق الداخل على من يملك قرار الحرب والسلم. فالمشكلة ليست في نص تفاوضي جديد، ولا في بيان أميركي يتحدث عن مناطق تجريبية وانتشار للجيش اللبناني جنوب الليطاني، بل في بنية لبنانية معقدة يتداخل فيها الطائفي بالسياسي، والميداني بالإقليمي، والدولة بالسلاح الخارج عن الدولة.
ما خرج من واشنطن بشأن لبنان لا يبدو اتفاقاً نهائياً، بل محاولة أميركية لإدارة الصراع وإعادة ترتيب المشهد تحت عنوان وقف إطلاق النار. فالصيغة المطروحة لا تكتفي بوقف العمليات بين إسرائيل وحزب الله، بل تذهب إلى ما هو أعمق: تثبيت الجيش اللبناني في الجنوب، إبعاد حزب الله عن جنوب الليطاني، إنشاء مناطق تجريبية تخضع لسيطرة الدولة، وفتح مسار تفاوضي مباشر بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية.
في الظاهر، تبدو المعادلة واضحة: وقف النار مقابل وقف حزب الله عملياته وانسحاب عناصره من جنوب الليطاني. لكن في العمق، السؤال أكبر من الجنوب نفسه: من يملك زمام القرار في لبنان؟ الدولة أم الحزب؟ الجيش أم السلاح الموازي؟ الحكومة أم التوازنات الطائفية التي صاغت النظام منذ عقود؟
لبنان ليس دولة عادية في لحظة حرب عادية. إنه نظام قائم على توازن طائفي دقيق: رئاسة الجمهورية في الموقع المسيحي الماروني، رئاسة الحكومة في الموقع السني، رئاسة البرلمان في الموقع الشيعي، والزعامة الدرزية حاضرة غالباً كبيضة قبان في لحظات الانقسام. وفي مثل هذا النظام، لا تتحرك القرارات الكبرى بمنطق المؤسسات فقط، بل بمنطق التوازن بين الطوائف والزعامات والامتدادات الخارجية.
لهذا فإن ملف سلاح حزب الله لا يمكن قراءته كقضية أمنية مجردة. فالحزب لا يمثل فقط قوة عسكرية في الجنوب، بل يمثل جزءاً أساسياً من الوزن السياسي الشيعي، وله حضور اجتماعي وخدماتي وعقائدي، وارتباط إقليمي واضح بإيران. لذلك، فإن الحديث عن نزع سلاحه أو إبعاده عن الحدود يمسّ ميزان القوة الداخلي، وليس فقط معادلة الأمن على الحدود مع إسرائيل.
في المقابل، لا تستطيع الدولة اللبنانية أن تبقى إلى ما لا نهاية دولة منقوصة السيادة. فلا معنى كاملاً للسيادة إذا بقي قرار الحرب والسلم موزعاً بين الحكومة وحزب مسلح. ولا يمكن للبنان أن يطالب العالم باحترام حدوده بينما يعجز داخلياً عن احتكار القرار العسكري. هنا تقع المفارقة الصعبة: سلاح حزب الله نشأ في سياق مقاومة الاحتلال، لكنه تحول مع الزمن إلى سؤال كبير حول شكل الدولة نفسها
ميزان السيطرة في لبنان اليوم واضح لكنه معقد. الدولة تملك الشرعية القانونية والدبلوماسية. حزب الله يملك فائض القوة الميدانية في الجنوب وداخل بيئته. إسرائيل تملك ضغط النار والقدرة على تحويل الجنوب إلى ساحة استنزاف. أما الولايات المتحدة فتملك ضغط التسوية والتمويل والغطاء السياسي. وبين هذه القوى كلها، يتحرك الجيش اللبناني في مساحة ضيقة: هو المؤسسة الوطنية الأكثر قبولاً، لكنه لا يستطيع أن يفرض معادلة كبرى من دون توافق داخلي ودعم خارجي لا يحوله إلى أداة في يد أحد
الطرح الأميركي حول "المناطق التجريبية” يكشف أن واشنطن لا تراهن على حل شامل دفعة واحدة، بل على اختبار نموذج ميداني محدود: منطقة معينة، انتشار للجيش، غياب لقوى غير حكومية، مراقبة أميركية، ثم توسيع التجربة إذا نجحت. غير أن نجاح هذا النموذج لا يرتبط فقط بعدد الجنود اللبنانيين أو بالدعم الأميركي، بل بمدى قبول البيئة المحلية، وبوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وبوجود ضمانات تمنع تحويل الانتشار اللبناني إلى غطاء أمني لإسرائيل.
أما إسرائيل، فتحاول أن تترجم الضغط العسكري إلى مكسب سياسي. فهي لا تريد وقف النار فقط، بل تريد تفكيك البنية العسكرية لحزب الله ومنع تجددها. هذا مطلب مفهوم من زاوية الأمن الإسرائيلي، لكنه من الزاوية اللبنانية يبدو شرطاً كبيراً إذا فُرض تحت النار ومن دون انسحاب واضح واحترام كامل للسيادة اللبنانية. فالدولة لا تُبنى حين يُطلب منها تنفيذ شروط الخصم، بل حين تستعيد قرارها ضمن توافق وطني لا يُشعر أي طائفة بأنها مستهدفة.
وهنا تبرز خطورة البعد الطائفي. أي محاولة لنزع سلاح حزب الله بالقوة أو عبر ضغط خارجي مباشر قد تُقرأ داخل البيئة الشيعية كاستهداف سياسي وطائفي، لا كاستعادة للدولة. وفي المقابل، أي استمرار للسلاح خارج الدولة سيُبقي بقية اللبنانيين أسرى خوف دائم من أن قرار الحرب لا يمر عبر مؤسساتهم. بين هذين الخوفين يعيش لبنان أزمته: خوف طائفة من أن تُكسر، وخوف دولة من أن تبقى معلقة.
لذلك، فإن الحل الواقعي لا يبدأ بنزع مفاجئ للسلاح، ولا بترك السلاح كما هو. يبدأ بوقف شامل للنار، وانسحاب إسرائيلي واضح، وانتشار تدريجي للجيش اللبناني، ثم حوار وطني جدي حول استراتيجية دفاعية تجعل أي قوة عسكرية جزءاً من قرار الدولة لا بديلاً عنها. من دون ذلك، سيبقى وقف النار مجرد هدنة فوق أرض ملتهبة.
الخلاصة أن واشنطن تحاول صناعة معادلة جديدة: جيش لبناني في الجنوب، حزب الله بعيد عن الحدود، إيران خارج القرار اللبناني، وإسرائيل مطمئنة أمنياً. لكن لبنان لا يُدار بالمعادلات الخارجية وحدها. من يمسك بالأرض يمسك بجزء من القرار، ومن يمسك بالسلاح يفرض شروطه، ومن يمسك بالشرعية وحدها من دون قوة يبقى عاجزاً عن تحويل الدولة إلى واقع.
لبنان اليوم أمام سؤال مصيري: هل يكون دولة واحدة بقرار واحد وسلاح واحد، أم يبقى ساحتين؛ ساحة رسمية تتفاوض، وساحة ميدانية تقاتل؟ هذا هو الامتحان الحقيقي لما جرى في واشنطن. فوقف النار قد يوقف الرصاص، لكنه لا يصنع دولة ما لم يتفق اللبنانيون أولاً على أن السيادة لا تتجزأ، وأن السلاح لا يحمي الوطن إذا صار أكبر من الدولة.

