لبنان أمام “منطقة عازلة” جديدة
دخل الصراع في جنوب لبنان منعطفاً هو الأخطر منذ عقود، ففي التاسع والعشرين من مارس 2026، حسمت الحكومة الإسرائيلية خيارها بتوسيع العمليات البرية، ليعقب ذلك إعلان صريح من وزير الدفاع يسرائيل كاتس حول ملامح “الواقع الجديد”، وهو إنشاء منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني وهدم القرى الحدودية بالكامل وتهجير أهلها، ومنع عودة مئات آلاف النازحين البنانيين إلى ديارهم.
هذا المشهد، الذي استدعى فيه كاتس نموذج “رفح وبيت حانون” في قطاع غزة، يشير إلى أننا أمام محاولة لإعادة رسم خارطة المنطقة، بضوء أخضر من واشنطن كما يشاع، بهدف تقويض أذرع إيران الإقليمية، كما تقول إسرائيل.
وما تعنيه إسرائيل بـ”المنطقة العازلة”، هو اقتطاع عمق يصل لعدة كيلومترات من جنوب لبنان لضمان عدم وصول صواريخ حزب الله أو مقاتليه إلى شمال إسرائيل.
لكن، هنا يبرز ما يسمى بـ “فخ الاستنزاف”، أي الانجرار إلى حرب طويلة الأمد تحاول فيها قوة أصغر، مثل حزب الله، إلى “استنزاف” موارد وقوات الخصم الأقوى، وهو، في الحالة اللبنانية، إسرائيل، عبر هجمات خاطفة وكمائن مستمرة.
ويحذر العميد إحتياط في الجيش الإسرائيلي، إيران أورتال في حديث مع “الحرة” من هذا الفخ، فالبقاء داخل الأراضي اللبنانية لحماية “المنطقة العازلة” يجعل الجنود الإسرائيليين أهدافا ثابتة وسهلة للصيد اليومي، ما يحول “الانتصار التكتيكي” إلى “هزيمة استراتيجية” مع مرور الوقت، وتراكم في الخسائر البشرية.
من وجهة نظر أورتال، فإن التفوق الميداني الإسرائيلي حاليا لا شك فيه، خاصة مع اكتشاف “هشاشة” غير متوقعة في بنية حزب الله، حسب قوله.
يصف أورتال مقاتلي “نخبة الرضوان” في حزب الله بأنهم “آخر الموهيكان”، أي إنهم آخر بقايا الحزب، الذين اكتسبوا خبرتهم في سوريا في عهد الأسد تحت حماية الطيران الروسي، لكنهم اليوم يواجهون آلة عسكرية مختلفة تماما جعلت معنوياتهم تنهار، يقول.
ويقر أورتال بصعوبة الحسم، فالقتال يتركز داخل “حصون برية” هي في الحقيقة مساجد وبيوت قرويين وبلديات، في وقت ينشغل فيه سلاح الجو الإسرائيلي بـ “الهدف الأكبر” وهو البرنامج النووي الإيراني، ما يجعل الدعم الجوي للقوات البرية في لبنان محدوداً جداً.
على الجانب الآخر، انتقد العميد متقاعد في الجيش اللبناني يعرب صخر الدولة اللبنانية بصراحة، معتبراً أن المشكلة ليست في قوة إسرائيل بل في “غياب الدولة اللبنانية”.
يوضح صخر خلال حديثه مع “الحرة”: أن لبنان الذي تبلغ مساحته التاريخية 10452 كم²، قد “تقلص” فعلياً ليصبح 10000 كم² فقط بعد اقتطاع المنطقة العازلة.
ويرى صخر أن هذه الجغرافيا المفقودة قد تتحول إلى “منطقة صناعية”، ما يعني ضياع السيادة اللبنانية عليها للأبد.
ورغم أن الولايات المتحدة قدمت دعما ماليا للجيش اللبناني يقرب من نحو 230 مليون دولار في أكتوبر 2025، يؤكد صخر أن هذا الدعم يظل بلا قيمة ما لم يتم “تطهير” المؤسسات من نفوذ الميليشيات والفساد. والحل في نظره لا يخرج عن دائرة “الفصل السابع”، أي تدخل دولي حازم بقوة السلاح لفرض سلطة الدولة اللبنانية وإعادة بيروت إلى حضنها العربي برعاية سعودية-أميركية.
يلتقي العميدان أورتال وصخر في نقطة جوهرية، وهي أن” السلطة اللبنانية الحالية عاجزة عن الحل”.





