إنها حراجة اللحظة التي تجتمع فيها كل المفارقات وكل المآسي مرة واحدة، في بلد يعيش أزمة أو نكبة مزدوجة، واحدة على حدوده الجنوبية امتدادا إلى البقاع وبيروت، وأخرى في داخله حيث تنتشر لغة الحرب الأهلية في الهواء وتخنق أي أمل في أن يكون لبنان بلدا ممكنا ودولة ممكنة. والنكبة الفعلية ليست في أن لبنان يعيش فصولا جديدة من الحرب الأهلية الباردة، أقسى وأخطر، من كل ما سبقها، بل في أن لبنان لم يعد يمتلك الأدوات للخروج من دائرة الحرب الأهلية ومن لغتها ومن عصبياتها وسياساتها، تلك الأدوات التي كان أحمد بيضون أحد منظريها.
فكل ما يدور حولنا في لبنان هو نتاج الحرب الأهلية وهو استعادتها ومنطقها وتاريخها؛ إنها بيروت الحرب اليومية، كما غناها مارسيل خليفة، الحرب اليومية التي قام نظام اقتصادي واجتماعي وأخلاقي في ظلها، فأصبح اللبنانيون مراتب بحسب قبولهم أو لا بهذا النظام، وبحسب درجة تأقلمهم معه، في لغته وعاداته وأذواقه ومعاييره.

أما الآن وفي ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان، فإن نظام الحرب الأهلية يتجوهر، من حيث إن هذه الحرب وارتداداتها الداخلية تنعش هذا النظام وتحييه بوصفه نظام استعصاء أولا وأخيرا، وبوصفه نظاما يقوم على تعميم اللامعقول واللاسياسي بالمعنى الوطني للكلمة، ولذلك لا يعود مستغربا أن من يدعو إلى رفض الحرب الأهلية وإلى نبذ الفتنة، هو نفسه من يدفع باتجاههما وهو في الأصل عراب نظام الحرب الأهلية بوصفه القوة المهيمنة منذ عام 1990، إذ أضحت عبارة "السلم الأهلي" التي راجت في التسعينات زمن الوصاية السورية على لبنان مرادفا لنقيضها تماما، من حيث ترسّخ نظام الوصاية على تعميق الشقاق الأهلي الداخلي.
الآن يتهم رئيس الحكومة نواف سلام بأنه صهيوني، وتلصق صوره في الطرقات لتمر السيارات فوقها، وتدوسها أقدام المتظاهرين الغاضبين، في امتداد لمنطق "السلم الأهلي" نفسه مضافا إليه، شعبويا، منطق رفض التفاوض مع إسرائيل، إلا إذا صدر عن رئيس حكومة موال لـ"حزب الله"، كما كانت عليه الحال مع رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي الذي أبرم خلال ولايته اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024؛ أو كما حصل خلال إبرام اتفاقية الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل في العام 2022، وهي اتفاقية صفق لها "حزب الله" طويلا.
لكن المفارقة أنه وفي لحظة هتاف المتظاهرين ضد نواف سلام ونعته بالخائن- أي ضد جميع اللبنانيين الذين لا يؤيدون خيارات "حزب الله" وهم الغالبية- كان رئيس مجلس النواب نبيه بري، أحد ركني "الثنائي الشيعي" الذي يمثل المتظاهرين سياسيا، يلتقي به في مقره في بيروت، لبحث مسألة التفاوض مع إسرائيل لوقف إطلاق النار. كما أنه وبالتزامن مع إطلاق المتظاهرين الشتائم بحق رئيس الحكومة، كان الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم يلقي خطابا لم يرفض فيه التفاوض مع إسرائيل للتوصل إلى وقف لإطلاق النار. وهذا قبل أن يصدر عن هذا الثنائي بيان يدعو فيه أنصاره إلى الكف عن تنظيم مظاهرات جوالة في شوارع العاصمة، بعدما انتشر الجيش فيها، في إشارة واضحة إلى عدم التهاون بأي مسّ بأمنها، حتى لو قمع بالقوة، وبغطاء من رئيس البرلمان، إن لم يكن من "حزب الله" نفسه.












