... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
224516 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7794 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

لاهوت الأرصفة ونرجسية الطوائف: هل يسكن الله الأوقاف أم العراء؟

العالم
النهار العربي
2026/04/20 - 12:26 501 مشاهدة

المحامي رفيق اورى وليد غريزي


نحن لا ننتظر الحرب، نحن نسكنها. وبين وقف إطلاق نار هش وجولة تشريد قادمة، يعود اللبناني ليمارس هوايته القسرية: توضيب الخوف في حقيبة، والبحث عن سقف لا تمنّ به عليه طائفة. إن المشهد السريالي الذي يجلد عيوننا اليوم ليس ازدحام الشوارع، بل تلك المفارقة الأخلاقية والقانونية: مدارس رسمية تنوء بحمل النازحين، بينما القصور المذهبية، ودور العبادة الفارهة، وإمبراطوريات الأوقاف، توصد أبوابها خلف أسوار "القداسة" المزعومة. هل صار الحجر أغلى من البشر؟ وهل نسي حراس الهياكل أن "بيوت الله" هي في الأصل "بيوت العباد"؟

وقف إطلاق النار الهش يترنح، وطبول الحرب التي لم تهدأ فعلياً تنذر بجولات قد تكون أعنف. وفي كل مرة، يتكرر المشهد المذل: حقيبة فوق الظهر، طفل بين الذراعين، ونزوح تائه يبحث عن سقف.

ليس هذا فحسب، أكثر من نصف النازحين ليس لديهم مكان للعودة اليه، وان توصلنا إلى وقف إطلاق نار دائم، والذي على ما يبدو أمر بعيد المنال.

 لكن السؤال الذي يدمي القلوب قبل العيون: لماذا تضيق الأرض بما رحبت؟ ولماذا تفتح المدارس الرسمية المتهالكة أبوابها، بينما تبقى القصور الدينية، والأوقاف الشاسعة، ودور العبادة المجهزة، موصدة في وجه "عيال الله"؟

عسكر على مَن؟ سيادة الدولة فوق حصانات المذاهب

يتساءل المواطن اللبناني، والمراقب الحقوقي: ألسنا في حالة حرب؟ ألا تستدعي هذه الكارثة الإنسانية إجراءات استثنائية؟

من الناحية القانونية، ينص المرسوم الاشتراعي رقم 102 (قانون الدفاع الوطني) في لبنان على صلاحيات واسعة للجيش والسلطة التنفيذية عند إعلان "حالة الطوارئ" أو "المنطقة العسكرية". وبموجب هذا القانون، وقانون تعبئة الموارد العسكرية والمدنية يحق للسلطة العسكرية، عند إعلان حالة الطوارئ، وضع يدها مؤقتاً على العقارات والمباني العامة والخاصة (بما فيها القاعات التابعة للجمعيات والأوقاف) لتأمين المصلحة العامة وإيواء المتضررين من العمليات الحربية.

وفي فقه القانون الإداري اللبناني، هناك مبدأ "الظروف الاستثنائية" الذي يعطي الإدارة الحق في الخروج على قواعد المشروعية العادية لحماية النظام العام وتأمين استمرارية المرفق العام (وهنا المرفق هو "الأمن الاجتماعي").

استقر مجلس شورى الدولة في لبنان، اقتداءً بمجلس الدولة الفرنسي، على أن الإدارة تملك في الأزمات الكبرى (حرب، كوارث) صلاحيات تتجاوز "المشروعية العادية". فإذا كانت حياة الناس في خطر، تسقط "حرمة" الممتلكات الخاصة والوقفية لصالح "المنفعة العامة".

أليس إيواء الناس هو قمة الانتظام العام؟ إن الفقرة (ط) من مقدمة الدستور تؤكد أن "أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين"، وهذا يسقط فوراً أي "كانتون عقاري" تحت مسمى الوقف أو الجمعية الخيرية المذهبية إذا ما تعارض مع حق المواطن في سقف يحميه. إن "الوظيفة الاجتماعية للملكية" هي جوهر الفقه الدستوري الحديث، والأوقاف ليست "سفارات" لدول أجنبية داخل أرضنا؛ هي شخصيات معنوية تخضع لسيادة الجمهورية، وعليها أن تدفع "ضريبة الدم" والاحتضان في زمن الشدة.

أيضا، الفقرة (و) من مقدمة الدستور تؤكد على الملكية الخاصة، لكن الاجتهاد الدستوري الحديث يربطها بـ "الوظيفة الاجتماعية". الأوقاف ليست "دولة مستقلة"؛ هي شخصية معنوية تخضع في النهاية لسيادة الجمهورية، ومن واجب المشرّع "كبح جماح" استقلالية هذه المؤسسات عندما تتعارض مع حق الإنسان في الحياة والكرامة.
وعليه، ألا يحق للجيش اللبناني، وهو المؤسسة التي يجمع عليها الكل، أن يصادر مؤقتاً قاعات الجمعيات الذرية والخيرية، وقاعات المساجد والكنائس الفارهة، بدلاً من ترك اللبنانيين والأجانب، مسلمين ومسيحيين، ينصبون الخيم في الساحات؟

 

 سوابق تاريخية.. حين كانت دور العبادة ملاذاً
التاريخ العالمي والإقليمي يضج بأمثلة كانت فيها دور العبادة هي خط الدفاع الأول عن الإنسان. فمثلا، في الحرب العالمية الثانية، وتحديدا في بريطانيا وفرنسا، فتحت الكاتدرائيات أبوابها لتكون ملاجئ من القصف الجوي الألماني. لم يسأل الكهنة عن مذهب النازح، بل عن جوعه وخوفه.

وفي ثورة يناير في مصر في العام ٢٠١١، تحولت الكنائس والمساجد المحيطة بميدان التحرير إلى مستشفيات ميدانية ومراكز إيواء وتوزيع طعام، في تجسيد حقيقي لمبدأ "الإنسان قبل البنيان".

وفي التاريخ الإسلامي، كان المسجد النبوي في المدينة المنورة مأوى "لأهل الصفة" (وهم الفقراء والغرباء الذين لا بيت لهم)، فكيف تحولت المساجد اليوم إلى متاحف تفتح فقط لساعات الصلاة؟

 

حروبنا العشر: تاريخ من جحود الهياكل
في لبنان، مررنا بعشر حروب كبرى مع العدو الإسرائيلي (منذ العام ١٩٤٨، مراراً في السبعينيات، اجتياح العام ١٩٨٢، تصفية الحساب في العام ١٩٩٣، عناقيد الغضب في العام ١٩٩٦، حرب تموز في العام ٢٠٠٦، وصولاً إلى اليوم). وفي معظم هذه الحروب، ظلت "الجزيرة الوقفية" عصية على الاختراق الإنساني الشامل، وكأن حماية السجاد الفاخر أهم من حماية كرامة المشردين.

في كل هذه العقود، لم يسجل التاريخ اللبناني "هبّة أوقاف" شاملة. كانت "المدرسة الرسمية" هي دائماً الضحية التي يتم تعطيلها، بينما بقيت "القاعات العامة" التابعة للمرجعيات والمساجد والكنائس تفتح فقط للتعازي أو المهرجانات الخطابية التي تمجد "الزعيم" أو "الطائفة".

في كل هذه المحطات، كانت "المدرسة الرسمية" هي الضحية، يتم تعطيل العام الدراسي وتحويل الصفوف إلى غرف بئيسة، بينما بقيت "الجزر الوقفية" عصية على الاختراق.
بينما في التاريخ العالمي، نجد أن كنيسة "سانت لورينت" في باريس كانت مأوى للمطاردين، ومساجد الأندلس كانت مراكز للعلم والإيواء. وفي زمن أتاتورك، لم يكتفِ بنزع الطربوش، بل أمم الأوقاف وحوّلها إلى مؤسسات نفعية عامة، وهو ما يحتاجه لبنان اليوم: "تأميم إنساني" لممتلكات الطوائف التي تضخمت على حساب إفقار الدولة.

 

مؤسسات الطوائف.. هل حان وقت "النفضة" الشاملة؟
هذا الواقع يفتح الجرح الأكبر: سطوة المؤسسات الدينية والمذهبية التي باتت "دولة داخل الدولة". الأوقاف في لبنان تمتلك مساحات شاسعة من العقارات، وهي معفاة من الضرائب والرسوم، ومع ذلك، وقت الأزمات، تكتفي بدور المتفرج أو الموزع لبعض المساعدات الخجولة.

الم يحن الوقت لنفضة شاملة لكبح جماح هذه الإمبراطوريات المالية والعقارية؟ إن لبنان الذي ينص دستوره في المادة 95 على السعي لإلغاء "الطائفية السياسية" يجد نفسه اليوم رهينة "للطائفية العقارية والاجتماعية".

 

المقارنة مع التجربة الأتاتوركية
عندما أسس مصطفى كمال أتاتورك الدولة التركية الحديثة، قام بما سمي "العلمنة القسرية"، حيث أمم الأوقاف ووضع المؤسسات الدينية تحت سلطة الدولة المباشرة. رغم الجدل حول قسوة تلك التجربة، إلا أنها نقلت تركيا من "رجل أوروبا المريض" إلى دولة مؤسسات.

هل يمكن مقارنة زمن أتاتورك بلبنان اليوم؟ الفارق أن لبنان يعيش انهياراً شاملاً. والفرصة مؤاتية ليس لإلغاء الدين، بل لـ "علمنة الأوقاف" والمؤسسات الاجتماعية، بحيث تتبع معايير الدولة في الطوارئ، لا أهواء المجالس المذهبية والشرعية والجعفرية والروحية.

 

 علمنة لبنان.. الضرورة الوجودية
سنعطي أمثلة من التحولات العلمانية وذلك على الشكل التالي:
فرنسا (قانون العام ١٩٠٥): الذي فصل الكنيسة عن الدولة وحول الممتلكات الكنسية إلى ملكية عامة تديرها جمعيات ثقافية، مما جعل المنشآت في خدمة المجتمع ككل. وكذلك دول ما يعرف بإسكندنافيا حيث تحولت الكنائس الوطنية إلى مراكز إيواء.

 إن المادة 95 من دستورنا التي تنص على إلغاء الطائفية السياسية هي "شيك بلا رصيد" ما لم تقترن بإلغاء "الإقطاع العقاري الطائفي". الفرصة مؤاتية الآن، وسط هذا الانهيار، لنعلن أن مراكز الطوائف هي مراكز للوطن، وأن الجمعيات "الذرية" التي تدعي الخيرية يجب أن تشرع أبوابها للغرباء قبل الأقرباء.

ونكرر، إذا كان الإسرائيلي يقتحم دور العبادة ويدنسها، فإن أعظم رد وطني هو "تقديسها" عبر جعلها ملاذاً للمظلومين. إن لبنان الذي نحلم به، لبنان الذي لا يسأل فيه النازح عن مذهب المسجد الذي سيؤويه، بل يجد فيه "بيت الدولة" و"بيت الإنسان".

كفانا خياماً في الساحات، وقاعاتنا الطائفية مكيفة وفارغة. إنها لحظة الحقيقة: إما دولة مواطنة تحتضن الجميع، أو كانتونات طائفية تستثمر حتى في أوجاع النازحين.

أقربكم إلى الله أنفعكم للناس. والنافع اليوم ليس من يبني مئذنة أعلى أو كنيسة أضخم، بل من يفتح باباً لمهجر، ويمنع خيمة من أن تنصب على رصيف القهر.

على الجيش، وعلى السلطة التنفيذية، أن تتجرأ. المدارس الرسمية ليست مكسر عصا، ودور العبادة ليست "نوادي خاصة". لقد حان الوقت لننفض عن هذا الوطن غبار القرون الوسطى، ونعلن سيادة الإنسان فوق قداسة الطوائف.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤