قد يفاجئك طفلك في مكان عام بالإشارة إلى شخص يستخدم كرسيا متحركا أو طرفا صناعيا، ثم يسأل بصوت يسمعه الجميع: "ماذا حدث له؟". وربما يكون رد فعلك الأول أن تطلب منه الصمت، تجنبا لإحراج الشخص أو الإساءة إليه. لكن إسكات الطفل لا يعلّمه الاحترام بالضرورة، بل قد يجعله يربط الإعاقة بالخجل والخوف من السؤال.
ففضول الأطفال تجاه الاختلاف طبيعي، وطريقة تعامل الوالدين معه هي التي تحدد ما سيتعلمونه منه: هل يرون الإعاقة سببا للشفقة أو السخرية، أم يفهمونها باعتبارها جزءا من التنوع البشري؟ ومن هنا يمكن أن يتحول السؤال المحرج إلى فرصة لتعليم الطفل كيف يسأل بأدب، ويتحدث بلا أحكام مسبقة، ويرى الإنسان قبل إعاقته.
يميل الأطفال بطبيعتهم إلى ملاحظة الاختلافات من حولهم وطرح الأسئلة لفهم العالم، لذلك فإن انتباه الطفل إلى كرسي متحرك أو طرف صناعي أو طريقة مختلفة في الحركة لا يعني بالضرورة أنه يسخر أو يقصد الإساءة، بل قد يكون تعبيرًا عن فضول طبيعي.
وهنا يصبح رد الوالدين فرصة لتشكيل نظرته إلى الإعاقة؛ فالتوبيخ بعبارات مثل "اصمت" أو "لا تنظر" قد يعلمه أن الاختلاف أمر محرج ينبغي تجاهله، بينما يتيح الحوار الهادئ، بلغة تناسب عمره، فهمًا أكثر تقبلًا للاختلاف.
ويمكن لأحد الوالدين أن يوضح مثلًا: "يستخدم بعض الأشخاص الكرسي المتحرك لأنه يساعدهم على التنقل، ولا يمنعهم ذلك من ممارسة كثير من الأنشطة". هكذا يحصل الطفل على المعلومة التي يبحث عنها، ويتعلم احترام الاختلاف دون تحويل الشخص ذي الإعاقة إلى موضع للشفقة أو التحديق.
أسئلة بريئة تحتاج إلى إجابات هادئة
قد يبدو إسكات الطفل أسرع طريقة لإنهاء موقف محرج، لكنه لا يجيب عن السؤال الذي دفعه إلى الكلام، وقد يدفعه لاحقا إلى البحث عن إجابة من أقرانه أو بناء تصورات خاطئة من ملاحظاته المحدودة.
وعندما يرتبط الحديث عن الإعاقة بالخجل أو المنع، قد يتعلم الطفل أن الاختلاف أمر ينبغي تجاهله أو الخوف منه، بدلا من إدراك أنه أحد أشكال التنوع بين البشر. لذلك لا يعني تعليم الاحترام أن نتظاهر بعدم ملاحظة الاختلاف، بل أن نعلم الطفل كيف يتحدث عنه دون تنمر أو تقليل أو شفقة زائدة.
ليس كل اختلاف يمكن رؤيته
لا ينبغي أن يقتصر تعليم الطفل تقبّل الإعاقة على ما يراه بعينيه؛ فهناك إعاقات وصعوبات غير مرئية لا تظهر في مظهر الشخص، لكنها قد تؤثر في تعلمه أو تواصله أو تركيزه، مثل عسر القراءة والتلعثم والتوحد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
وقد يسيء الطفل تفسير سلوك زميله، فيظنه كسولا لأنه يقرأ ببطء، أو مشاغبا لأنه لا يستطيع الجلوس بهدوء، أو غريبا لأنه يتواصل بطريقة مختلفة. لذلك، من المهم أن يتعلم أن الناس لا يتعلمون أو يتواصلون بالطريقة نفسها، وأن اختلاف السلوك لا يعني بالضرورة سوء التصرف.
ويمكن للوالدين تعليمه عدم السخرية من طريقة كلام الآخرين أو مقاطعتهم، وألا يربط صعوبات التعلم بقلة الذكاء، مع احترام خصوصيتهم وعدم محاولة تصنيفهم.
لا يتعلم الأطفال احترام الآخرين من النصائح وحدها، بل من مراقبة سلوك الكبار وطريقة حديثهم عن الاختلاف، فإذا وصف الوالدان الشخص ذا الإعاقة بأنه "مسكين" أو "عاجز"، فقد يربط الطفل الإعاقة تلقائيا بالشفقة وقلة القدرة.
أما حين يتحدثان عنه باعتباره إنسانا لديه أسرة وعمل واهتمامات ومواهب، فسيتعلم الطفل أن يرى الشخص قبل إعاقته، وأن يدرك أن الإعاقة جزء من حياته وليست هويته كاملة.
لذلك، ينبغي للوالدين اختيار كلماتهم بعناية، وتجنب السخرية أو الأوصاف التي تختزل الإنسان في إعاقته، إلى جانب تقديم كتب وقصص وشخصيات متنوعة تُظهر الأشخاص ذوي الإعاقة في أدوار حياتية طبيعية، لا باعتبارهم ضحايا أو أبطالا استثنائيين فقط.
كيف يصبح طفلك داعما؟
وتظهر أهمية هذا التعليم في المدرسة والملعب، حيث قد يلتقي الطفل بزميل يتعلم أو يتواصل أو يتصرف بطريقة مختلفة. فإذا كان الزميل يتلعثم، فعليه أن يمنحه الوقت لإكمال حديثه دون مقاطعة أو سخرية، وإذا كان لديه عسر قراءة، فعليه ألا يربط بطء قراءته بقلة الذكاء.
أما الطفل الذي يواجه صعوبة في التركيز، فلا ينبغي المسارعة إلى وصفه بـ"المشاغب"، ويمكن توضيح أن بعض الأطفال، ومن بينهم بعض ذوي التوحد، قد يتفاعلون أو يتواصلون بصورة مختلفة، أو يحتاجون إلى الهدوء أكثر من غيرهم.
ومن المفيد توجيه الطفل إلى ملاحظة نقاط القوة لدى زملائه، بدلًا من التركيز على صعوباتهم فقط. وتبقى القاعدة الأهم: لا تحتاج إلى معرفة تشخيص الشخص كي تحترمه.
الهدف من الحديث مع الأطفال عن الإعاقة ليس إثارة الشفقة، بل تعليمهم أن اختلاف القدرات وطرق التعلم والتواصل لا ينتقص من قيمة الإنسان أو حقوقه. وينبغي أن يتعلم الطفل ألا يفترض أن الشخص ذا الإعاقة يحتاج إلى المساعدة، بل يسأله أولا احتراما لاستقلاله.
فالتقبّل لا يعني الاعتقاد بأن الجميع متشابهون، وإنما احترام الاختلاف، ظاهرا كان أو خفيا؛ وأن يسأل الطفل ليفهم لا ليسخر، ويساعد حين تكون المساعدة مطلوبة، ويرى الإنسان قبل إعاقته.
المصدر: الجزيرة