#سواليف
في عام 1964، وبينما كان الرئيس الأميركي ليندون جونسون يستعد لتوسيع الحرب في فيتنام، تلقى تحذيراً من الدبلوماسي جورج بول قال فيه: “بمجرد أن تمتطي ظهر النمر، لا يمكنك اختيار المكان الذي ستنزل فيه عن ظهره.”
تحولت العبارة لاحقاً إلى مثل يُضرب للتحذير من التورط في حروب أو أزمات يصعب الخروج منها؛ إذ قد يكون الدخول إليها سهلاً، لكن تحديد نهايتها وثمن الانسحاب منها يصبح أكثر تعقيداً.
ويرى مراقبون أن هذا الوصف ينطبق على المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في ظل حرب دخلت مرحلة طويلة دون مؤشرات واضحة على نهايتها.
من المفاوضات إلى المواجهة
في السادس من فبراير/شباط الماضي، بدأت مفاوضات أميركية إيرانية في العاصمة العُمانية مسقط، وسط آمال بتخفيف التوتر المتصاعد بين البلدين منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى السلطة مطلع عام 2025.
لكن تلك الآمال تبددت في 28 فبراير/شباط، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات واسعة على إيران، استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت حيوية، وأسفرت عن مقتل عدد من القيادات السياسية والعسكرية.
شبح “الحروب الأبدية”
بعد أيام من اندلاع الحرب، حذر وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي من أن التصعيد قد يفتح جبهة جديدة ضمن سلسلة “الحروب الأبدية”، مؤكداً أن تداعيات الصراع لن تبقى محصورة في المنطقة، بل قد تمتد إلى الاقتصاد والأمن العالميين.
وبعد أشهر، حذرت صحيفة نيويورك تايمز من أن واشنطن قد تجد نفسها أمام تجربة مشابهة لحروبها الطويلة في فيتنام والعراق وأفغانستان، خصوصاً في ظل غياب استراتيجية سياسية واضحة لإنهاء الصراع.
ويرى محللون أن الإدارات الأميركية المتعاقبة وقعت مراراً في ما يسمى “وهم الحرب القصيرة”، أي الاعتقاد بأن التفوق العسكري قادر على حسم المعركة سريعاً، قبل أن تتحول المواجهات إلى نزاعات طويلة تستنزف الموارد.
سؤال لا يغيب: متى تنتهي الحرب؟
رغم التطور الكبير في وسائل الإعلام والتكنولوجيا، فإن الغموض لا يزال يحيط بمسار الحرب، إذ تتوالى التصريحات المتناقضة بين التهديدات العسكرية والحديث عن اتفاقات محتملة.
ففي أيام قليلة تتغير العناوين من:
- تهديدات أميركية بضرب إيران.
- حديث عن قرب اتفاق.
- تصعيد في مضيق هرمز.
- ارتفاع وانخفاض أسعار النفط.
لكن خلف هذا الكم الهائل من المعلومات، يبقى السؤال الأكبر: إلى أين تتجه الحرب؟ ومتى تنتهي؟
لماذا يصعب الحسم العسكري؟
يرى خبراء أن التجارب السابقة تؤكد أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لتحقيق انتصار سياسي، مشيرين إلى عدة عوامل تعقد المشهد:
- فشل الضربات الأولى في إسقاط النظام الإيراني أو شل القرار السياسي.
- استمرار قدرة إيران على الرد رغم القصف المكثف.
- انتقال المواجهة إلى استهداف الملاحة والمنشآت الحيوية.
- صعوبة تحويل التفوق العسكري الأميركي إلى تسوية سياسية.
- تحول الحرب إلى اختبار طويل للقدرة على التحمل.
ويقول خبراء إن السؤال لم يعد فقط: من يستطيع إلحاق أكبر قدر من الضرر؟ بل: من يستطيع تحمل كلفة الصراع لفترة أطول؟
ماذا تريد إيران؟
تسعى طهران، وفق قراءات سياسية، إلى منع فرض استسلام غير مشروط، والحفاظ على مؤسساتها العسكرية والسياسية، إضافة إلى رفع القيود الاقتصادية والعسكرية المفروضة عليها.
كما تريد الحفاظ على أوراق قوة تشمل برنامجها النووي والصاروخي، وضمان دور لها في ترتيبات أمن مضيق هرمز.
وتجري إيران محادثات مع سلطنة عُمان بشأن ترتيبات ملاحية في المضيق، لكنها تؤكد أن أي اتفاق بحري مرتبط بإنهاء الضغوط والعقوبات.
ماذا تريد واشنطن؟
أما الولايات المتحدة فتطرح أهدافاً متعددة، تشمل منع إيران من امتلاك سلاح نووي، تقليص قدراتها الصاروخية، حماية الملاحة في مضيق هرمز، والحد من نفوذها الإقليمي.
لكن اتساع هذه الأهداف يجعل تحقيق “نصر واضح” أكثر صعوبة؛ فالقصف قد يدمر منشآت، لكنه لا يضمن إنهاء البرامج العسكرية أو فرض تغيير سياسي.
نهاية الحرب.. اتفاق أم هدنة مؤقتة؟
تشير المعطيات إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً قد لا يكون انتصاراً عسكرياً كاملاً لأي طرف، بل اتفاقاً تدريجياً يبدأ بترتيبات أمنية في مضيق هرمز ووقف متبادل للتصعيد، ثم ينتقل إلى مفاوضات أوسع حول الملفات النووية والصاروخية والأمن الإقليمي.
لكن حتى هذا الاتفاق قد يكون مجرد هدنة مؤقتة، إذ تبقى الخلافات الأساسية قائمة بين واشنطن التي تريد قيوداً واسعة على قدرات إيران، وطهران التي تتمسك بأدوات الردع ودورها الإقليمي.
وفي النهاية، يبقى تحذير “امتطاء ظهر النمر” حاضراً؛ فالدخول في الحروب قد يكون قراراً سهلاً، لكن لحظة الخروج منها غالباً ما تكون الأكثر صعوبة وكلفة.
هذا المحتوى لا نصر حاسما ولا مخرج آمنا.. لهذا قد تطول الحرب على إيران ظهر أولاً في سواليف.

