عرفت أنني أحتاج أكثر من اللغة لأفهم الصين. الـ "نيهاو" (مرحبا) المعقدة لفظياً في لبنان وجدتها في الصين سلسة وانسيابية. قالت صديقتي QI: "لا تقلق، لن تتوه. الصين قارة، لكنها متطورة وشعبها لطيف. إن سقطت الإبرة في بحر بشري فستجدها". قلت: "شييه شييه" (شكراً). كانت QI قد علمتني التعبير للتو. بقيت ببالي المقاربة. "الإبرة" أجدها في بحر الصين البشري العظيم؟!
في طريقي متجولاً في شوارع بكين بعيون صحافي فضولي، شغوف بالاستكشاف، فاجأني مظهر شابة صينية. لأول مرة أرى ما أراه. فستان طويل مزين، تاج ملون بالأزهار على الرأس، ووجه يختفي خلف كريمات الحماية من أشعة الشمس الحارقة. للحظة ظننتها "روبوت"! لشدة ما سمعت عن الصين أصبحت يقظاً من أنني سأتعامل مع روبوتات أكثر من البشر. غريبة أفكارنا أحياناً ومخيلتنا.

لا معالم تعبيرية على وجه الفتاة. معيار الجمال هو البياض. كلما كانت البشرة بيضاء كانت الفتاة أجمل. هذا معيار وازن. الفتاة بيضاء كالثلج، ووجهها جميل جداً، تتحرك نحوي عابرة الرصيف إلى الرصيف المقابل. سريعاً التقطت الهاتف. صورة تلو أخرى سريعاً كي أوثّق ما ظننته "الحدث". صور وجدتها مبهرة. أرسلتها لـ QI في لبنان. "انظري! أستحق جائزة! لو كنت أتقصّد هكذا زاوية ما وفقت بمثلها". أرسلت Qi ضحكة طويلة. "ستجد الكثير بعد... لكن الصورة رائعة جداً، لو أنني لا أعرفك كنت سأقول إنها AI".
الصدفة أبرع المهندسين. احتفظت بالصورة وانبهرت بما تلاها. توقف الزمن. اقتربت الفتاة الصينية مني. طلبت مستخدمة AI translator: "هل أستطيع أن التقط صورة معك؟!". قلت: "نيهاو"... وأشرت إلى نفسي. صورة معي؟ حسناً.
مدهش هذا اللطف البريء بالطلب. شكلي أجنبي في بلاد الصين العظيمة. التقطت الصورة. "شييه شييه". شكرتني ومضت. بقيت غير مستوعب. قالت QI: "الفتيات يرتدين الزي التقليدي وهن يطلبن الصور غالباً… على اعتبار أنها تسويق لثقافتهن. ستجد الكثير. انتظر وسترى (…)"!

في حديقة عامة، وما أكثر الحدائق العامة الخلابة، الغنية باللوتس والطيور والأشكال والألوان، بدأت تظهر أمامي لوحات بشرية: أطفال بأزياء تقليدية، شابات، سيدات، أعمار مختلفة، وجمال استثنائي، واحترام ورقي يغلب أي شيء. للحظة شعرت بنفسي "نجم النجوم". الكل يريد أن يلتقط صورة معي. أمهات يطلبن صورة لي مع أطفالهن، ومعهن… بالتأكيد، القصة ليست على علاقة بي وحدي، تتكرر مع كثر… فأن تكون أجنبياً، غريباً، مختلفاً في الصين… هذا وحده مدعاة لتلقى الاهتمام، حدّ إمكان طلبك لبن العصفور وستجد من يأتيك به. لا مبالغة. اسألوا من زار الصين قبلاً، وستعرفون ذلك من مصدر ثان. الرجال هنا مختلفون قليلاً. ما يميزهم بالمظهر أنهم متى شعروا بالحر رفعوا "ال تي شيرت" إلى مستوى الصدر وتركوا البطن مكشوفاً للهواء. باعتقادهم هذا يخفف الشعور باللهب.
مستكملاً جولتي، بقيت تتردد في مخيلتي بعض الأمور والأسئلة عن الصين. سمعت قبلاً – مثلاً - أنك إن سألت أحداً عن أيّ مكان في الصين… فيمكن أن يركن دراجته مباشرة ويذهب معك بنفسه ويرشدك إلى وجهتك ويعود. لم أصدق. ليس هناك في العالم بمثل هذا اللطف. كنت أقول لنفسي، لكن هذا ما جرى معي بالتحديد في مدينة شيان. الكثير من الترحيب، الكثير من الابتسامات الترحيبية، الكثير من الودّ. لا تمييز بالدين ولا بالشكل ولا بشيء. ستعشر أنك في بيتك. هذا شعوري. واكتملت القصة في قاعة الدورات التدريبية.
هنا، في القاعة الممتلئة صحافيين ورواد أعمال عرباً، قال المحاضر: "لا لصوص في الصين". كان يتحدث عن التطور التقني. لا شيء سيضيع. أغلى ما معك إن تركته في أي مكان… فلن يلمسه أحد. ستجده في مكانه… وفي أقصى الحالات سنجده لك (…)". نظرنا باستغراب. هذه حقيقة… إنما نحن قادمون من بلاد قد تتخذ فيها اللصوصية شكلاً مرموقاً بورجوازياً… لكن المهم الآن، نحن في الصين.
"لا لصوص في الصين"، كرّر المتحدث عبارته. ضحك وقال: "هنا مليار و400 مليون نسمة وأكثر من خمسة مليارات كاميرا متطورة حديثة. قال بثقة، لكن مهلاً: "هنا الشعب لا يتصرف من منطلق الخوف إنما هذا أسلوب حياة. لا يتعاطى أحد بشؤون غيره. الكلّ يهتمّ بشؤونه، بصحته، بعمله، برياضته. تماماً كما الفطور السادسة صباحاً، والغداء الـ12 ظهراً، والعشاء الـ 6 مساء… بمثل هذا الانتظام يسير الصيني، محترماً بلاده وتاريخه.

مدهشة هذه المقاربات وهذا الانضباط. بطبيعتنا نشكك… إنما لأكن واضحاً وصريحاً، هذا ما لمسته، وتأكدت منه.
الساعة تشير إلى التاسعة ليلاً. لا أحد في الطرقات. الكلّ في منزله ينام، أو يكاد، استعداداً لليوم التالي. السهر عدو الصحة. النوم عادة بعد ثلاث ساعات من العشاء الخفيف. أنا على دراجتي الهوائية سعيد بأنني استأجرتها شهراً كاملاً بأقلّ من خمسة دولارات. أتجول بأمان… أستخدم التطبيقات الصينية واكتشف. فكيف تعمل هذه التطبيقات؟ وما قصتها؟ تصبحون على خير… للقصة بقية.



