ولكن مورفي يعيدنا إلى المربع الأول. ذلك لأنه في رسومه يعود بطريقة معقدة إلى أصول فوتوغرافية. لا يفعل ذلك بأسلوب أندي وارهول الذي استنسخ الصور الفوتوغرافيه بتقنية الطباعة الحريرية ليكون ذلك مفتتحا لفن "البوب آرت" بنسخته الأميركية بل بطريقة لا تبهرنا إلا لأنها تعيدنا إلى التفكير في الصورة ذهنيا. لا يفكر هذا الفنان في ما يمكن أن تهبه الصورة بقدر ما يفكر في ما أخطأت في اصطياده، فيغذي عالمه بما لم يتمكن الآخرون من رؤيته.

عن طريق النقص نصل إلى الاكتمال
عند النظر إلى لوحات كيرين مورفي، لا يحتاج المتلقي إلى استحضار ما أخفاه الرسام من المشهد الذي يبدو مستقرا في منطقة تقع بين التشخيص والتجريد. كل شيء يبدو مرئيا على الرغم من أن مورفي لم يشعر بالحاجة إلى كثير من الخطوط لكي يتأكد من أن الأشكال سترى مثلما يريد. وهو بذلك إنما يصل إلى هدفه في الاكتمال من طريق النقص الذي يحث المتلقي على استلهام خبرته البصرية متمتعا باقتراحات خياله المفتوحة على احتمالات لا نهائية.
يرسم مورفي بعد تأمل طويل في ما يمكن أن يبقى من الصورة لكي تكون قادرة على التأثير بمعزل عما تجسده. ولأنه في هذا المعرض بالذات ركز على الوجوه البشرية، سواء كانت مستلهمة من الحياة العادية أو من التماثيل التي رآها في المتاحف، فإنه سعى إلى أن يهبها الدرجة نفسها من الحياة، وهي درجة تتعادل فيها قوتا الحضور والغياب. فلا يبدو الكائن الحي أكثر حياة من التمثال. ذلك ما يشير إلى أن الفنان وهو يتأمل الصور التي سبقت عملية الرسم والتي ستكون أساسا لبناء لوحاته، لا يسعى إلى ترويض كائناته إلا من طريق دفعها إلى حافات التوتر، هناك حيث تتصادم الصور في ثقافة متحركة تكتسب من خلالها قوة الحذف طاقة خلق مريحة للبصر.

تريحنا فكرة جمال يسعى إلى كماله من خلال النقص الذي تتعرض له الكائنات حين الرسم. ذلك يعفينا من السؤال عن حجم ما نحتاجه من الوضوح ومن الغموض. ولن تكون المسافة بينهما ضرورية لقياس درجة علاقتنا بما نرى، وهو بالنسبة لهذا الرسام ما نعيشه ونحن نرى لوحاته، ونشعر بلذة أن يفكر المرء في ما يرى بالقوة نفسها التي تدعونا فيها المرئيات إلى التفكير. تلك خلاصة جمالية يستدرجنا إليها مورفي مطمئنا إلى انها ستكون دليلنا للتعرف الى ما يخفيه. ليس ضروربا أن تكون تلك الخلاصة وسيلة للتعريف أو القبض على معنى محدد. في غيبوته الجوفاء يوحي الرسام الإيرلندي بكل ما في فقدان التوازن الناتج من التشبع البصري المفرط من آثار للتجربة العابرة. يحمل العديد من الأعمال حساسية سرد الرحلات، إلا أنها ليست سجلات خطية، بل تبدو كلقطات مشوشة توقفت على حافة الفهم.
نسيان الصورة من أجل رؤية خفاياها
ولكن كيف يعالج كيرين مورفي العلاقة الحساسة والملتبسة بين مصادره الفنية التي هي عبارة عن صور فوتوغرافية وبين اللوحة باعتبارها صنيعا جماليا مستقلا وخالصا؟ أتوقع أن تقف مقاومة الصورة من خلال عدم الاستسلام لمغرياتها في مقدمة شروط الفنان للبدء في مغامرة استخراج الأبعاد الذهنية من الصورة التي يسعى إلى تحريرها من تبعيتها للعين المباشرة.






