فالشاعر إذن، في تجاربه ووعوده، من أكثر الأشخاص تطلعا إلى المستقبل واضطلاعا بصنعه، نظرا إلى أنه من أكثرهم إحساسا بالماضي، ورهافة إزاء الحاضر. وإذا كان المستقبل نتائج أو احتمالات تشير إليها معطيات الماضي والحاضر، فليس أقوى من الشاعر على الحدس بتلك الاحتمالات، وعلى تجسيد الحدوس في صياغات لغوية تحتفي بجماليات الإيحاء والتصوير.
هكذا تكون حياة الشاعر كالوعد الذي يتلألأ في ثنايا الوقت، متساوقا من الماضي إلى الحاضر نحو المستقبل.
الوعود... الوعود... وفي معنى الوعد، هناك الأمل بكل أبعاده. والتفاؤل في هذه الحياة ليس سوى الثقة بما يمكن أن تأتي به الأيام من وعود. والشاعر، في حياته وتجاربه وكتاباته، واعد وموعود. وأجمل ما يختبره الشاعر، ويتوق إليه دائما، هو العيش داخل الوعد. وهذا ما يتحقق للشاعر أثناء الكتابة.
إن أعمق ما يعيشه الشاعر، وأكثره متعة، هو بعدما تأتيه العبارات الأولى وقبل أن ينتهي إلى العبارات الأخيرة. هكذا في كل قصيدة أو عمل كتابي. والزمن الذي يمر بين الابتداء بالكتابة والانتهاء منها هو، كما ألمحنا سابقا، زمن منشود يسعى الشاعر إلى اقتناصه خلال حياته اليومية، ويعد نفسه بالفوز به كل حين.
فالشاعر يكون واعدا للآخرين بقدر ما ينجح في تحقيق وعوده لنفسه. والآن، هل أجبت عن السؤال الذي جعلته عنوانا لهذه المقالة؟ لا أظن. بل أظن أن الإجابة الشافية التي يمكن الإقناع بها ليست ممكنة، بل لا يمكنها إلا أن تكون متعددة، بعدد الذين يحبون الإجابة أو يتصدون لها. كيف يتجدد الشاعر؟ سؤال لا تكون الإجابة عنه إلا ذاتية، أي نابعة من تجربة شخصية. هذا إذا افترضنا أن الشعراء هم المعنيون بالإجابة دون غيرهم.
الإجابة عن هذا السؤال ذاتية كالشعر نفسه. فكما أن الكتابة الشعرية تنبثق من الذات في اتجاهها إلى الآخرين، رابطة على نحو تلقائي بين الخاص والعام، كذلك الإجابة عن السؤال الذي طرحناه، تنبثق لدى كل شاعر من تجربته الخاصة في الكتابة، لتحاول أن تقدم نموذجا من نماذج التجدد الذي يسعى إليه الشاعر، ويقلقه على الدوام.





