كيف ينعكس التنافس الأميركي الإيراني على مستقبل سوريا؟
مع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، عادت سوريا إلى واجهة التنافس الإقليمي رغم عدم انخراطها المباشر في القتال، إذ جعلها موقعها الجغرافي وهشاشتها السياسية والاقتصادية عرضة لتداعيات الضربات والتوترات واستخدام مجالها الجوي أحياناً في العمليات العسكرية.
وتأتي هذه التطورات في مرحلة انتقالية معقدة بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع، حيث تحاول دمشق الحفاظ على الحياد وتجنب انتقال الحرب إلى أراضيها بالتزامن مع مساعي إعادة الاستقرار وإعادة بناء الاقتصاد.
ومع تداخل أدوار الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإسرائيل وإيران، تجد سوريا نفسها بين فرص إعادة التموضع السياسي ومخاطر التحول مجدداً إلى ساحة صراع بالوكالة، ما يسلط الضوء على انعكاسات التنافس الأميركي-الإيراني ودور إسرائيل على المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد.
اقرأ أيضاً: الحكومة السورية بعد عامها الأول: بين رواية الإصلاح المؤسسي وتشكيك في الأساس الدستوري
تحولات التوازنات الإقليمية
تقول هبة القدسي، الكاتبة الصحفية والمحللة السياسية لـ”963+”: إنه لا بد من الإشارة إلى أنه في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وصعود أحمد الشرع رئيساً انتقالياً لسوريا، شهدت الساحة السورية تحولاً جذرياً في توازنات القوى الإقليمية والدولية.
وبحسب القدسي: تشير التقديرات إلى أن سوريا لم تعد تشكّل المعقل الاستراتيجي لإيران كما في السابق، بل تحولت إلى دولة انتقالية تسعى للانفصال عن محور المقاومة بدعم تركي وسعودي وانفتاح أميركي متزايد، ما خفّف حدة التنافس الأميركي ـ الإيراني داخلها دون أن يلغيه. فقد انهار الجسر البري الذي كان يربط طهران بـ”حزب الله” بعد سقوط نظام الأسد وتراجع قوة الحزب، وتقلص الوجود الإيراني إلى مجموعات محدودة غير قادرة على تنفيذ عمليات كبيرة، في ظل إجراءات حكومية لإغلاق طرق التهريب واعتقال عناصر مرتبطة بطهران.
ورغم ذلك، ما تزال سوريا، وفق القدسي، ساحة مواجهة غير مباشرة عبر شظايا صواريخ إيرانية وهجمات محدودة لميليشيات موالية لطهران ضد قواعد أميركية، بالتزامن مع خفض واشنطن وجودها العسكري إلى نحو ألف جندي مع الإبقاء على قدرات مراقبة ودعم اقتصادي وسياسي للحكومة الجديدة، ضمن استراتيجية تفويض الاستقرار لحلفائها الإقليميين، ما يخلق توازناً جديداً يميل ضد إيران لكنه يثير مخاطر فراغ أمني محتمل.
في المقابل، تعتقد أن أدوات إيران باتت أضعف بكثير مما كانت عليه قبل عام 2024، إذ تعتمد أساساً على بقايا الوكلاء المحليين، مثل بعض الميليشيات السورية الموالية لها، إضافة إلى محاولات التهريب عبر الحدود العراقية أو اللبنانية، واستخدام أساليب الحرب غير المتكافئة مثل الهجمات المحدودة أو الحملات الإعلامية. وتعتبر أن هذا الوضع جعل الوجود الإيراني في سوريا يمثل “تهديداً محتملاً” أكثر منه “محوراً رئيسياً” في المرحلة الحالية.
اقرأ أيضاً: وعود كبرى وواقع صعب.. بعد عام: تعديل وشيك في حكومة “التغيير والبناء”
دور إسرائيل
وترى القدسي أن إسرائيل تلعب دوراً محورياً في المعادلة الأمنية السورية، مستفيدة من ضعف الدولة السورية لتنفيذ مئات الغارات الجوية منذ ديسمبر/كانون الأول 2024. وتوضح أن الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على مبدأ “منع التموضع الإيراني”، والمعروفة باسم “المعركة بين الحروب”، استمرت حتى بعد سقوط الأسد، وشملت ضرب مواقع عسكرية سورية قديمة وأي أثر محتمل للوجود الإيراني.
كما تشير إلى أنه خلال الحرب ضد إيران استخدمت إسرائيل الأجواء السورية بوصفها “منطقة اعتراض” للصواريخ الإيرانية، وهو ما أدى إلى سقوط شظايا داخل الأراضي السورية من دون رد مباشر من الحكومة السورية.
وتعتقد القدسي أن هذه الضربات تعيد تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة، حيث تحولت سوريا – بحسب تحليلها – من “أرض معركة” إلى “منطقة عازلة” تسمح لإسرائيل بالتحرك نسبياً، مقابل التزام الحكومة السورية بعدم السماح بعودة إيران.
وتضيف أن الرئيس أحمد الشرع انتقد ما وصفه بـ”الطموحات التوسعية” الإسرائيلية، لكنه امتنع عن الرد العسكري، وهو ما يعكس – وفق رأيها – توازناً هشاً يعتمد على تنسيق غير مباشر عبر واشنطن.
وتتابع بالإشارة إلى أن التنافس الأميركي–الإيراني يتقاطع مع أدوار قوى إقليمية ودولية أخرى، مثل روسيا التي ما زالت تحتفظ بقاعدتي قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، وتسعى في الوقت نفسه إلى إقامة علاقات براغماتية مع الحكومة السورية الجديدة، إضافة إلى تركيا التي تسيطر على أجزاء من شمال سوريا وتدعم الحكومة الجديدة سياسياً وعسكرياً.
وتفسر القدسي أن روسيا، التي كانت داعماً رئيسياً لنظام الأسد في السابق، بدأت تفقد جزءاً من نفوذها تدريجياً، لكنها تحاول الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والعسكرية من خلال علاقاتها مع الشرع. في المقابل، ترى أن تركيا تستفيد من الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الإيراني لتعزيز حضورها في شمال سوريا ومواجهة القوى الكردية.
وتعتقد أن هذا التشابك بين القوى الإقليمية يعقّد المشهد السوري، حيث تحول التنافس السابق بين تركيا وروسيا وإيران إلى نوع من التوازن غير المستقر. لكنها تشير إلى أن الحكومة السورية الحالية تميل سياسياً نحو أنقرة وواشنطن، وهو ما يقلل من تعقيدات شبكة الوكلاء السابقة، لكنه يثير في المقابل توترات مع بعض المكونات الكردية والأقليات.
وفي تقديرها، فإن انعكاسات هذا التنافس الإقليمي والدولي تعزز إلى حد ما شرعية الحكومة السورية الجديدة، التي تستخدم – بحسب قولها – ورقة “الانفصال عن إيران” لتعزيز الانفتاح الدولي، وهو ما ظهر في الزيارات السياسية إلى واشنطن ورفع بعض القيود الاقتصادية جزئياً.
لكنها ترى أن الوضع الأمني ما زال هشاً، إذ قد تؤدي التوترات الحدودية مع العراق ولبنان إلى تصعيد محتمل، إضافة إلى مخاطر العنف الطائفي وتهديدات بقايا تنظيم داعش أو بعض الميليشيات المسلحة.
اقتصادياً، تعزو القدسي بطء عملية إعادة الإعمار إلى عدة عوامل، من بينها ارتفاع أسعار النفط عالمياً نتيجة الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، واضطراب حركة التجارة، واستمرار بعض العقوبات، فضلاً عن صعوبة جذب الاستثمارات في ظل حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
وتشير إلى أن سوريا تحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة الإعمار، لكن الفراغ الأمني والتوترات الإقليمية قد تعرقل هذه الجهود، الأمر الذي قد يهدد، بحسب رأيها، بحدوث انهيار اقتصادي أو عودة الاحتجاجات الشعبية.
وتعتقد القدسي أن التنافس الأميركي ـ الإيراني في سوريا قد يبدو اليوم أقل مباشرة مما كان في السابق، لكنه لا يزال عاملاً حاسماً في تشكيل مستقبل البلاد. وترى أن الحكومة الانتقالية نجحت نسبياً في تحويل سوريا إلى ما يشبه “الحاجز المحايد”، إلا أن تحقيق الاستقرار يتطلب تسوية شاملة لقضايا الأقليات، وضمانات أمنية واضحة، ودعماً اقتصادياً غربياً واسعاً.
وتحذر من أنه من دون هذه العناصر قد تعود سوريا إلى دائرة الصراعات، ما قد يحوّل الفرصة التاريخية التي أعقبت سقوط الأسد إلى أزمة جديدة. وتعتقد أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت دمشق قادرة على الانتقال من “ساحة مواجهة” إلى “مركز استقرار”.
اقرأ أيضاً: عدالة انتقالية ودستور: أسس إعادة إعمار الدولة السورية
سوريا بين ضغوط التنافس الدولي وإعادة التموضع
ويقول حسين الأسعد، الباحث السياسي في الشأن الإقليمي والمقيم في بغداد، لـ”963+”: إن الحرب الدائرة حالياً ليست حرباً بين الولايات المتحدة وإيران فقط، بل يؤكد أن إسرائيل تشكل طرفاً أساسياً فيها أيضاً. ويضيف أن واشنطن وتل أبيب تتفقان على هدف مشترك يتمثل في مواجهة طهران، إلا أن مصالحهما “ليست متطابقة تماماً في هذه المرحلة”.
ويفسر الأسعد ذلك بالقول إن إسرائيل، على الرغم من توجيه ضرباتها باتجاه إيران، تركز في الوقت نفسه على البيئة الجغرافية المحيطة بها، وتسعى – كما يعتقد – إلى تغيير موازين القوى الإقليمية وتعزيز موقعها الأمني، وربما توسيع نفوذها الجغرافي. في المقابل، يرى أن الولايات المتحدة تنظر إلى الصراع أيضاً من زاوية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، ولا سيما ما يتعلق بأسواق الطاقة وتأثير ذلك على سياسات حلف شمال الأطلسي.
ويشير الأسعد إلى أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت مجدداً ساحة صراع إقليمي ودولي، وهو ما يجعل سوريا بطبيعة الحال تتأثر بهذا الصراع بشكل أو بآخر.
ويضيف أن التغير الذي حدث في سوريا بعد سقوط النظام السابق يصب إلى حد ما في مصلحة الولايات المتحدة، ليس لأن سوريا أصبحت تابعة لواشنطن كما يدعي البعض، بل لأنها انسحبت من محور المقاومة الذي كان يمثل أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة.
ويعتقد الأسعد أن إيران قد تحاول ممارسة نوع من الضغط على دمشق من خلال دعم بعض الأطراف داخل سوريا أو استغلال مرحلة التحول السياسي، خاصة أن الدولة السورية الجديدة ما زالت في طور إعادة بناء نظامها السياسي.
ويعلل ذلك بأن الانتقال من نظام استبدادي طويل الأمد لا يمكن أن يتم بسهولة، كما أن المجتمع السوري، لن يقبل بعودة نموذج سلطوي جديد.
ويرى الأسعد أن طهران قد تستخدم دعم بعض القوى الداخلية كوسيلة ضغط على دمشق، ليس بهدف فرض نموذج سياسي معين، بل لمنع سوريا من تبني سياسة “الحياد الإيجابي” في الصراع الإقليمي.
ويضيف أن بعض الضربات الصاروخية أو الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت شرق سوريا قد تكون “رسائل ضغط سياسية موجهة إلى صانع القرار السوري”.
وفي ما يتعلق بالدور الإسرائيلي، يوضح الأسعد أن إسرائيل تحاول التأثير في المعادلة الأمنية السورية عبر منع أي عودة للتموضع الإيراني داخل الأراضي السورية.
ويشير إلى أن تل أبيب قد تمارس ضغوطاً غير مباشرة على دمشق عبر الولايات المتحدة أو عبر مبعوثيها في المنطقة، لأن بقاء سوريا خارج المعادلة الإيرانية يمثل مصلحة استراتيجية لإسرائيل.
كما يعتقد أن إسرائيل تخشى من احتمال توصل دمشق وطهران في المستقبل إلى تفاهمات قد تسمح بعودة النفوذ الإيراني، ولو بشكل سياسي، إلى سوريا، وهو ما قد يعيد تشكيل التوازنات الأمنية في المنطقة.
ويضيف الأسعد أن التنافس الأميركي–الإيراني يتداخل أيضاً مع نفوذ قوى أخرى مثل روسيا وتركيا، اللتين تمتلكان حضوراً سياسياً وعسكرياً مؤثراً داخل سوريا. ويرجح أن تحاول إيران التنسيق مع موسكو وأنقرة لإعادة ترتيب بعض التوازنات الجيوسياسية في المنطقة، مستفيدة من المصالح المشتركة بين هذه الدول في ساحات إقليمية أخرى.
ومع ذلك، يعتقد الأسعد أن إيران ليست في موقع يسمح لها حالياً بفرض حضور قوي داخل سوريا، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها نتيجة الحرب المستمرة منذ نحو شهر. ولذلك يرجح أن تركز طهران على المناورة الديبلوماسية والسياسية أكثر من اعتمادها على أدوات القوة المباشرة.
ويرى الأسعد أن التنافس الإقليمي والدولي يعرقل فرص الاستقرار في سوريا، لأن عدداً من القوى الكبرى يحاول تمرير رسائل سياسية عبر المكونات الاجتماعية والسياسية داخل البلاد. ويشير إلى أن استخدام الورقة الإثنية أو القومية قد يمثل أحد أدوات التأثير في الداخل السوري، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على الاستقرار الأمني والاقتصادي.
كما يعتقد أن إسرائيل قد تسعى إلى إبقاء سوريا في حالة ضعف نسبي، لأن البيئة الإقليمية الضعيفة تسهّل تنفيذ مشاريعها السياسية والاستراتيجية في المنطقة.
وفي ختام تحليله، يؤكد الأسعد أن سوريا أصبحت ساحة صراع سياسي بين عدة قوى إقليمية ودولية، مشيراً إلى أن بعض الضربات التي استهدفت شرق سوريا في الأيام الماضية، وربما انطلقت من الأراضي العراقية عبر جماعات مسلحة، قد تندرج ضمن هذا السياق.
ويرى أن قدرة سوريا على تجاوز هذه المرحلة تعتمد إلى حد كبير على قدرتها على توحيد رؤيتها السياسية الداخلية، وضمان حقوق مختلف المكونات المجتمعية، وتقليل الانقسامات الداخلية. ويضيف أن تعزيز التماسك الداخلي قد يمنح دمشق قوة أكبر في مواجهة الضغوط الخارجية وصياغة قرارات سياسية أكثر استقلالية في المستقبل.
The post كيف ينعكس التنافس الأميركي الإيراني على مستقبل سوريا؟ appeared first on 963+.




