كيف تستفيد المقاومة اللبنانية من التناقض الإسرائيلي–التركي في سوريا ؟
كتب باسم الموسوي
أهم استفادة يمكن أن تحققها المقاومة اللبنانية من التوتر المتصاعد بين إسرائيل وتركيا في سوريا ليست فتح جبهة إضافية ولا محاولة تحويل الخلاف الإسرائيلي–التركي إلى تحالف عسكري معها. المكسب الحقيقي أعمق: تفكيك قدرة إسرائيل على تقديم صراعها مع لبنان باعتباره مشكلة لبنانية–إسرائيلية معزولة، وإظهار أن العقيدة الإسرائيلية الجديدة أصبحت مشكلة إقليمية تمس سيادة دول المنطقة وحدودها جميعاً.
فإسرائيل تستخدم في سوريا المنطق نفسه الذي تستخدمه في لبنان. تقول إنها لا تستطيع الاكتفاء بحدودها السياسية، وإن أمنها يقتضي التدخل داخل أراضي الآخرين لمنع تشكل قدرات قد تصبح خطراً مستقبلاً. وفي لبنان يظهر ذلك عبر المناطق العازلة والوجود العسكري وراء الحدود؛ وفي سوريا ظهر في ضرب قاعدة عسكرية لمنع انتشار تركي محتمل. دراسة عوفر شيلح نفسها تصف هذا التحول بوصفه انتقالاً إلى مناطق عازلة ذات وجود إسرائيلي في غزة ولبنان وسوريا، وتحذر من اقترانها بفكرة أن «الاستيطان يوفر الأمن»، بما قد يحول المنطقة العازلة لاحقاً إلى مجال استيطاني يتوسع باستمرار.
وهنا تحصل المقاومة اللبنانية على أول مكسب استراتيجي مهم: إعادة تعريف القضية من «سلاح حزب الله» إلى «من يحمي وحدة الأراضي اللبنانية؟».
إسرائيل تريد أن يبقى النقاش الدولي محصوراً بالسؤال: كيف يُنزع سلاح المقاومة؟ لكن العقيدة التي تكشفها ممارستها في سوريا تجعل السؤال المقابل أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث بعد نزع القوة التي تمنع إسرائيل من تحويل الجنوب إلى منطقة أمنية دائمة؟ ومن يضمن ألا تتحول «المنطقة العازلة» إلى احتلال طويل الأمد، ثم إلى واقع مدني أو استيطاني جديد؟

هذه النقطة شديدة الأهمية لأن شيلح لا يتحدث عن احتمال نظري بعيد، بل يصف منطقاً دائرياً: منطقة عازلة، ثم وجود عسكري، ثم احتمال استيطان تحت شعار أن الاستيطان يوفر الأمن، ثم حاجة الجيش إلى حماية المستوطنين، ثم توسع إضافي للمجال الأمني.
ومن هنا تستطيع المقاومة أن تنقل خطابها من الدفاع عن وجودها هي إلى الدفاع عن نهائية الحدود اللبنانية. أي أن القضية لا تعود: «نحن نريد الاحتفاظ بالسلاح»، بل: «هناك عقيدة إسرائيلية معلنة عملياً تعتبر الحدود الدولية غير كافية لأمن إسرائيل، وتريد إنشاء مجال أمني داخل أراضي لبنان».
هذا فارق سياسي كبير.
المكسب الثاني يأتي من التناقض بين إسرائيل وتركيا. تركيا ليست جزءاً من محور المقاومة، ولديها خلافات عميقة معه في ملفات عديدة، لكن اعتراضها على الضربات الإسرائيلية في سوريا يقوم على مبدأ مفيد للبنان: رفض أن تمنح إسرائيل نفسها حق تحديد ما تستطيع دولة ذات سيادة فعله داخل أراضيها.
أي إن لبنان يستطيع أن يلتقي مع تركيا وغيرها، من دون تحالف سياسي شامل، عند مبدأ محدد: لا يحق لإسرائيل أن تقيم نظام وصاية أمنية فوق الدول المحيطة بها.
وهذا يتيح للمقاومة والدولة اللبنانية معاً توسيع البيئة الدبلوماسية لمواجهة الاحتلال. فبدلاً من أن يبدو لبنان وحيداً في الاعتراض على «المناطق الأمنية»، يمكن وضع المسألة داخل سياق أوسع يشمل لبنان وسوريا وربما دولاً أخرى: إسرائيل تحاول تحويل مفهوم أمنها القومي إلى حق في التدخل الوقائي داخل أراضي الجيران.
المكسب الثالث هو تضييق هامش الحركة الإسرائيلية بسبب تعدد التناقضات. إسرائيل التي تريد إبقاء قوات داخل لبنان، والتحرك بحرية في سوريا، ومواصلة الحرب في غزة، ومواجهة إيران، ومنع تركيا من توسيع حضورها السوري، تحتاج إلى موارد سياسية وعسكرية ودبلوماسية ضخمة. وهذا بالضبط أحد اعتراضات شيلح على «السوبر-إسبرطة»: جيش يعمل باستمرار على جبهات متعددة، وحدود أمنية تتسع، واحتياط يُستنزف، واقتصاد يتحمل كلفة حرب طويلة.
من وجهة النظر اللبنانية، كل تناقض جديد يفرض على إسرائيل حساباً إضافياً.
لكن هنا يجب التفريق بين الاستفادة من التناقض وبين محاولة إشعال التناقض. فمصلحة لبنان ليست في حرب إسرائيلية–تركية؛ مثل هذه الحرب قد تحول سوريا وشرق المتوسط إلى فضاء أكثر خطورة على لبنان نفسه. المصلحة هي في أن تصبح إسرائيل أقل قدرة على فرض إرادتها على كل ساحة بصورة منفردة.
أما المكسب الرابع فيتصل بالولايات المتحدة. الرد الأميركي المنتقد للضربة الإسرائيلية في سوريا يكشف أن المصالح الأميركية والإسرائيلية ليست متطابقة دائماً. وهذا مهم جداً للبنان.
ففي دراسة شيلح نفسها يظهر نقد واضح لفكرة أن إسرائيل تستطيع الاستمرار في العمل العسكري بلا سقف، حتى عندما تتعارض عملياتها مع أهداف واشنطن. وهو يذهب إلى أن حملة جنوب لبنان بعد اندلاع حرب إيران ساهمت في تعميق الخلاف مع الولايات المتحدة لأنها تعارضت، وفق تحليله، مع المسار الذي كانت واشنطن تسعى إليه.
وهذا يعني أن السياسة اللبنانية الذكية لا ينبغي أن تتعامل مع واشنطن باعتبارها كتلة واحدة متطابقة دائماً مع القرار الإسرائيلي. يوجد مجال لتحويل الاحتلال الإسرائيلي والمناطق العازلة إلى عبء على السياسة الأميركية نفسها: كيف تستطيع واشنطن المطالبة بسيادة الدولة اللبنانية، ثم تقبل بوجود إسرائيلي دائم داخل أرضها؟
كلما اتسع الخلاف الإسرائيلي مع تركيا وسوريا ودول أخرى على مسألة السيادة، أصبح هذا التناقض الأميركي أصعب في الإخفاء.
ثم هناك المكسب الخامس، وربما الأكثر أهمية على المدى الطويل: منع الفصل بين الأرض والسلاح.
النقاش السياسي كثيراً ما يبدأ من السلاح، ثم يناقش الاحتلال كمسألة لاحقة. بينما التطورات الإسرائيلية الجديدة تسمح بعكس السؤال: ما هي طبيعة المشروع الإسرائيلي على الأرض أولاً؟ وهل الانسحاب الإسرائيلي كامل ونهائي؟ وهل الحدود اللبنانية نهائية؟ وهل عودة السكان إلى قراهم وأراضيهم مضمونة؟ وهل هناك ضمان يمنع تحويل الشريط الحدودي إلى منطقة عازلة ثم إلى واقع استيطاني؟
عندئذ يصبح مستقبل سلاح المقاومة جزءاً من تسوية قضية الاحتلال والسيادة، لا شرطاً مسبقاً يعطى لإسرائيل بينما تبقي لنفسها حرية العمل العسكري والاحتلال.
وهذا ربما هو أهم ما تستطيع المقاومة استخلاصه من التطورات السورية: إسرائيل نفسها تقدم دليلاً على أن المشكلة لا تبدأ بالسلاح الموجود داخل الدولة المجاورة. ففي سوريا ضربت وجوداً تركياً كان لم يكتمل بعد، وفي منطقها الجديد يكفي احتمال ظهور قدرة مستقبلية كي تتدخل.
أي إن إزالة قدرة ما لا تعني بالضرورة انتهاء المطالب الإسرائيلية؛ فقد تنتقل إسرائيل بعد ذلك إلى المطالبة بمنع قدرة أخرى، ثم انتشار آخر، ثم نوع من السلاح، ثم نشاط اقتصادي أو عمراني قرب الحدود.
بكلام آخر، العقيدة الإسرائيلية الجديدة لا تضع نقطة واضحة تقول عندها: أصبحنا آمنين وسنعود إلى حدودنا. وهذا بالضبط ما يجعل مسألة ضمان السيادة ووحدة الأراضي اللبنانية سابقة منطقياً على أي نقاش آخر.
لذلك فإن أفضل استفادة لبنانية من التناقض الإسرائيلي–التركي ليست عسكرية بالدرجة الأولى، بل سياسية واستراتيجية: تحويل الاحتلال من ملف هامشي إلى مركز النقاش، تدويل خطر المناطق العازلة والاستيطان، بناء أوسع توافق إقليمي ممكن حول نهائية الحدود وسيادة الدول، استثمار الخلافات بين واشنطن وتل أبيب عندما تتجاوز إسرائيل حدوداً يرى الأميركيون أنها تضر بالاستقرار، وربط أي ترتيبات مستقبلية في الجنوب بضمان واضح لانسحاب إسرائيل ومنع أي منطقة عازلة أو وجود استيطاني.
وبهذا تنتقل المقاومة من موقع الدفاع عن نفسها إلى موقع أكثر قوة سياسياً: الدفاع عن فكرة لبنان نفسه بوصفه أرضاً واحدة لا يملك الاحتلال حق اقتطاع شريط منها تحت اسم الأمن، ثم تحويل الأمن المؤقت إلى حدود جديدة بحكم الأمر الواقع.
فالصراع الذي يظهر اليوم في سوريا يوضح للبنان حقيقة أساسية: الخلاف مع إسرائيل لم يعد فقط حول من يحمل السلاح، بل حول من يملك الأرض، ومن يرسم الحدود، ومن يقرر أين تنتهي سيادة لبنان وأين يبدأ «الأمن الإسرائيلي». وهذا هو الميدان السياسي الذي يمكن للمقاومة أن تجعل فيه العقيدة الإسرائيلية الجديدة حجة ضد الاحتلال بدلاً من أن تكون ذريعة له.
The post كيف تستفيد المقاومة اللبنانية من التناقض الإسرائيلي–التركي في سوريا ؟ appeared first on Beirut News Center.




