كيف تقوم دولة القانون في سوريا؟
المصدر: موقع 963+ | Source: موقع 963+في الحالة السورية الراهنة، يبدو مشروع دولة القانون أقرب إلى مسار طويل ومعقد يتشكل ببطء داخل بيئة سياسية وأمنية ومؤسساتية غير مستقرة، أكثر منه هدفاً قابلاً للتحقق السريع. فالسياق العام لا يمكن فصله عن إرث دولة متفككة، ومرحلة انتقالية لم تُحسم بعد على المستوى الدستوري والمؤسساتي، إلى جانب بيئة إقليمية ودولية ما تزال تتعامل مع سوريا كملف نفوذ وصراع مصالح لا كدولة مكتملة السيادة. هذا التداخل يجعل بناء دولة القانون ليس مجرد عملية تشريعية أو إدارية، بل معادلة سياسية تتقاطع فيها السلطة مع الشرعية مع القدرة على فرض القاعدة القانونية بشكل موحد على كامل الجغرافيا السورية.
من الناحية النظرية، تقوم دولة القانون على مبدأ بسيط لكنه عميق: خضوع الجميع، بما في ذلك السلطة نفسها، للقانون، وضمان استقلال القضاء، وتكافؤ الحقوق دون تمييز على أساس الولاء السياسي أو الطائفي أو الأمني. كما تقوم على وجود مؤسسات تعمل وفق قواعد مستقرة لا وفق استثناءات دائمة أو قرارات ظرفية.
لكن هذا النموذج يصطدم في الحالة السورية بواقع انتقالي لم يستقر بعد، حيث ما يزال القانون نفسه قيد إعادة التشكل، في ظل غياب توافق سياسي ودستوري نهائي على شكل الدولة ووظائفها وحدود سلطاتها.
السيادة بين الاعتراف القانوني وتفتت الممارسة
رغم تعقيد الواقع الداخلي، فإن سوريا، من منظور القانون الدولي، لا تعاني من أزمة “وجود دولة”، بل من أزمة “ممارسة دولة”. هذا ما يوضحه المحامي الدولي خالد الشولي، الذي يؤكد في تصريحات لـ”963+” أن سوريا لا يمكن وصفها بدولة ناشئة، بل هي دولة قائمة وذات شخصية قانونية دولية مكتملة، وأن التغيرات التي طرأت لا تمس وجودها القانوني، بل طبيعة السلطة داخلها.
غير أن هذا الاعتراف القانوني لا ينعكس بالكامل على الأرض. فوفقاً لتحليل الشولي، ما جرى خلال السنوات الماضية هو انتقال من دولة ذات سلطة مركزية قوية إلى دولة تمارس سيادتها بشكل مجزأ. ويعني ذلك أن الدولة ما تزال موجودة قانونياً، لكنها لا تملك احتكاراً كاملاً للقرار أو القوة أو تطبيق القانون على كامل الإقليم.
ويشرح الشولي هذا المفهوم عبر الإشارة إلى أن السيادة في القانون الدولي تقوم على عناصر أساسية، أهمها: احتكار استخدام القوة، السيطرة على الإقليم، الاستقلال السياسي، وإدارة الموارد والمؤسسات دون تدخل خارجي. لكن في الحالة السورية، هذه العناصر مجتمعة تعاني من اختلالات واضحة، بسبب وجود قوى مسلحة متعددة، وترتيبات أمنية موازية، وتدخلات خارجية مباشرة وغير مباشرة.
كما يلفت إلى نقطة أكثر عمقاً تتعلق بتطور مفهوم السيادة نفسه، إذ لم تعد في القانون الدولي الحديث تعني الاستقلال المطلق، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالالتزام بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وهذا يعني أن استعادة السيادة السورية لا يمكن أن تكون أمنية أو جغرافية فقط، بل قانونية ومؤسساتية أيضاً.
الانقسام السياسي وغياب العقد الدستوري
إذا كانت السيادة تمثل الإطار الخارجي للدولة، فإن العقد الدستوري يمثل بنيتها الداخلية. وهنا يظهر أحد أكبر تعقيدات الحالة السورية: غياب دستور مستقر يعكس توازناً سياسياً واجتماعياً جديداً.
يرى الباحث في مركز عمران للدراسات الإستراتيجية في دمشق أيمن الدسوقي في تصريحات لـ”963+” أن الدول الخارجة من نزاعات طويلة تمر عادة بمرحلة انتقالية معقدة تتطلب وقتاً للوصول إلى عقد اجتماعي جديد، لكن ما يميز الحالة السورية هو أن هذه المرحلة لم تُستكمل بعد، بسبب استمرار الانقسام السياسي والاجتماعي وتعدد مراكز القوة.
وهذا الانقسام لا يعكس فقط اختلافاً سياسياً، بل تفككاً أعمق في البنية المجتمعية نفسها. فسنوات الحرب أدت إلى نشوء شرعيات متعددة: شرعيات أمر واقع، وشرعيات أمنية، وشرعيات ثورية، دون وجود مرجعية دستورية جامعة تحسم هذه التعددية.
ويضيف الدسوقي أن غياب أدوات تنظيم الحياة السياسية، مثل قانون الأحزاب والانتخابات، أدى إلى فراغ في المجال العام، ما سمح بتصاعد الاستقطاب بدل تنظيمه. وبدلاً من أن يتحول الانتقال السياسي إلى عملية إعادة بناء، أصبح في كثير من الأحيان مساحة لإعادة إنتاج الانقسام.
ويؤكد أن المدخل الحقيقي لدولة القانون يبدأ من دستور تشاركي، لا بوصفه وثيقة قانونية فقط، بل بوصفه عقداً اجتماعياً جديداً يعيد تعريف الدولة والمجتمع معاً. كما يشير إلى أن الثقة بين السوريين وبين الدولة ليست نتيجة هذا الدستور، بل شرط سابق له، لأن أي نص قانوني دون ثقة مجتمعية سيبقى هشاً وغير مستقر.
القضاء بين النصوص والهيمنة المؤسسية
في قلب أي دولة قانون يقف القضاء باعتباره الضامن الأخير لسيادة القانون، لكن هذا الدور في الحالة السورية يواجه تحدياً بنيوياً عميقاً.
المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني يوضح لـ”963+” أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب النصوص القانونية، بل في غياب الاستقلال المؤسسي للقضاء، نتيجة تاريخ طويل من هيمنة السلطة التنفيذية على التعيينات والترقيات والمساءلة القضائية.
هذا الوضع أدى إلى خلق فجوة بين القانون كمبدأ نظري وبين تطبيقه كممارسة يومية، حيث لم يعد القضاء سلطة مستقلة بالكامل، بل جزءاً من توازنات السلطة السياسية.
ويشير الكيلاني إلى أن إصلاح هذا الواقع يتطلب إعادة بناء شاملة للجهاز القضائي تبدأ من مجلس القضاء الأعلى، بحيث يتحول إلى هيئة مستقلة فعلياً، مع ضمان دور حقيقي للقضاة في اختيار ممثليهم، وتوفير حماية وظيفية تمنع العزل التعسفي.
كما يلفت إلى أهمية إنشاء قضاء دستوري مستقل، قادر على مراقبة دستورية القوانين وضمان عدم تعارضها مع الحقوق الأساسية، وهو ما يشكل حجر أساس في أي نظام قانوني حديث.
لكن الإشكال الأعمق، بحسب الكيلاني، هو تعدد المرجعيات القانونية في المرحلة الانتقالية، حيث تتعايش قوانين قديمة مع تشريعات جديدة وسلطات أمر واقع، ما يخلق حالة من عدم اليقين القانوني ويضعف مبدأ المساواة أمام القانون.
ولهذا، فإن الحل لا يكمن في الإلغاء الشامل، بل في إعادة تنظيم تدريجية للمنظومة القانونية ضمن هرمية دستورية واضحة، تخضع فيها جميع القوانين للمراجعة والتدقيق وفق معايير الحقوق الأساسية.
المؤسسات والفساد وتآكل الثقة العامة
إلى جانب الأزمة السياسية والقانونية، تواجه الدولة السورية تحدياً مؤسسياً واقتصادياً لا يقل أهمية، يتمثل في ضعف المؤسسات وتغلغل الفساد.
فالمؤسسات، نتيجة سنوات الحرب والتفكك الإداري، تعاني من ضعف في الكفاءة والاستقلالية، ما يجعل تطبيق القانون غير متساوٍ بين المناطق والقطاعات. هذا التفاوت يضعف فكرة الدولة الموحدة ويعزز الشعور بعدم العدالة.
أما الفساد، فقد تجاوز كونه سلوكاً فردياً ليصبح جزءاً من البنية الاقتصادية والإدارية، حيث تتداخل المصالح الخاصة مع السلطة العامة، ما يؤدي إلى تآكل الثقة بين المواطن والدولة، ويضعف قدرة القانون على العمل كمرجعية محايدة.
العدالة الانتقالية كاختبار للشرعية الجديدة
تشكل العدالة الانتقالية أحد أكثر الملفات حساسية في الحالة السورية، لأنها لا تتعلق بالماضي فقط، بل بتأسيس المستقبل. فهي محاولة لمعالجة إرث الانتهاكات وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
لكن نجاح هذا المسار ليس مضموناً، إذ يواجه تحديات تتعلق بخطر تسييس العدالة، وضعف الاستقلال المؤسسي، وتعدد الروايات المتضاربة حول سنوات الحرب.
وفي حال لم تتم إدارة هذا الملف بشفافية واستقلالية، فإنه قد يتحول من أداة مصالحة إلى عامل إضافي لتعميق الانقسام.
وأبرز التحديات التي تعيق بناء دولة القانون في سوريا في أربع دوائر مترابطة: “تعدد مراكز القوة والانقسام السياسي والجغرافي، التدخلات الخارجية التي تؤثر على وحدة القرار السيادي، هشاشة المؤسسات وضعف استقلالها الفعلي، الفساد البنيوي وتداخل السلطة مع الاقتصاد”.
وهذه العوامل لا تعمل بشكل منفصل، بل تتغذى على بعضها، ما يجعل أي إصلاح جزئي غير كافٍ دون معالجة بنية الدولة ككل.
وفي المحصلة، يتضح أن دولة القانون في سوريا ليست مشروعاً تقنياً يمكن إنجازه عبر إصلاحات قانونية أو إدارية محدودة، بل هي عملية إعادة تأسيس شاملة للدولة على مستويات السيادة والدستور والمؤسسات. فوفق رؤية الشولي، السيادة قائمة قانونياً لكنها منقوصة عملياً. وبحسب الدسوقي، العقد الدستوري لم يكتمل بعد والثقة هي شرط البناء. ووفق الكيلاني، القضاء والمرجعية القانونية تحتاج إلى إعادة هيكلة عميقة لضمان الاستقلال واليقين القانوني.
وبين هذه المستويات الثلاثة، يظهر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في كتابة القانون، بل في تحويله إلى سلطة فعلية عليا وموحدة وملزمة، قادرة على تجاوز الانقسام، وإعادة تعريف الدولة السورية بوصفها دولة قانون لا دولة استثناء.
The post كيف تقوم دولة القانون في سوريا؟ appeared first on 963+.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة موقع 963+. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by موقع 963+. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

