كيف تحولت حوادث مرورية إلى تجارة..؟
في الشوارع والطرقات، ثمة ظاهرة آخذة بالنمو والتدحرج شيئًا فشيئاً ككرة الثلج، لتشرع الأبواب أمام مصدر جديد للتكسّب «غير المشروع» تحت مظلة «الحوادث المرورية». القلق هنا لا يتعلق بالحوادث المرورية ذاتها والتي بدأت منذ اشتعال محرك السيارة الأولى، وستبقى مستمرة طالما بقيت عجلات السيارات تدور على الأسفلت، بل إلى الظاهرة الأخطر المتمثلة في استغلال وثائق التأمين للمركبات، بقصد تحقيق مكاسب مالية غير مشروعة، عبر الاتجّار بالحوادث المفتعلة، ومن خلال ممارسات مقصودة فردية أحيانًا وبالتواطؤ مع أطراف أخرى أحيانًا، بهدف الحصول على تعويضات مالية من شركات التأمين يتقاسم عوائدها شركاء الشرّ!. المشكلة الحقيقية التي تعزز من حضور ونمو هذه الآفة، اتخاذها منهجية احترافية لتحقيق مآرب أصحابها. حيث تتخذ هذه الممارسات عدة سيناريوهات مدعومة بأداء درامي احترافي. فبعض السائقين يلجأ إلى الدخول المفاجئ على مسار المركبات الأخرى بقصد التصادم مع سبق الإصرار. فيما آخرون يلجؤون إلى التوقف المفاجئ بمركباتهم لا سيما عبر الطرق السريعة دون مبرر وفي مواقف لا تستدعي ذلك ليجد السائقين خلفهم أنفسهم أمام خيار لا ثاني له وهو «الاصطدام»! مستغلين بذلك آليةَ تقييم نسبة الخطأ. وفي حالات أكثر تعقيدًا وشيطانية، يتم الترتيب لافتعال حادث مكتمل الأركان باتفاق مسبق بين عدة أطراف لتقاسم «غنائم» تعويضات التأمين، فيما الأدهى والأمر لجوء بعض المارّة إلى الاتجّار بأنفسهم والمخاطرة بأرواحهم وسلامة أبدانهم عبر إلقاء أنفسهم أمام المركبات نظير الحصول على تعويض إما من سائق المركبة نفسه أو من شركات التأمين! قد يبدو ظاهريًا أن المستفيد المباشر من هذه الممارسات مفتعلوها أفرادًا كانوا أو جماعات. وأن الخاسر الوحيد هي شركات التأمين فحسب. بيد أن واقع الأمر يؤكد أن فاتورة هذه الألاعيب وعمليات التحايل، يدفعها كل من هم خلف المقود في المجتمع، وبصورة أكبر الاقتصاد الوطني. وهنا يكمن خطر هذا الوباء. فمع تزايد المطالبات والتعويضات الناتجة عن الحوادث المفتعلة أو تلك الناجمة عن سلوكيات السائقين غير المسؤولة، فإن تكاليف التشغيل والخسائر لشركات التأمين المصدّرة للوثائق سترتفع تلقائيًا. ما يعني بالتالي ارتفاع طردي على أسعار وثائق التأمين التي يدفعها جميع السائقين، وفي مقدّمتهم أولئك الملتزمون وأصحاب سجل القيادة «النظيف»!. ووفقًا لتلك المعادلة؛ فإن المجتمع بأكمله سيجد نفسه شريكًا في «الغرم» وفي تحمّل تكلفة تصرّفات المستغلين، فيما ستتأثر حتمًا كفاءة قطاع التأمين تلقائيًا وستضرر قدرته على تقديم خدمات ذات جودة عالية وبأسعار عادلة. والأهم من ذلك، ما يمكن أن تمثله تلك الممارسات إلى جانب أثرها المالي، من تهديد مباشر للسلامة العامة، وزعزعة لبيئة القيادة الآمنة في المملكة. والمسألة هنا رغم خطورة أبعادها اقتصاديًا ومجتمعيًا وماليًا، إلا أنها ليست الآفة الوحيدة التي تهدد صناعة تأمين المركبات فحسب. فعلى الضفة الأخرى ثمة إعتقاد سلبي يترسخ لدى بعض السائقين الذين يرون في وثيقة التأمين وسيلة للهروب من مسؤولياتهم. وشكل من أشكال تلك «الثقافة» المركبات المتهالكة التي تغص بها الطرقات وتمثّل تهديدًا متحرّكًا للأرواح والممتلكات لافتقادها للحد الأدنى من معايير السلامة. ومن ذلك أيضًا القيادة المتهورة دون مراعاة لأنظمة المرور وسلامة الآخرين. كل تلك الممارسات تنطلق من قناعة مفادها أن وثيقة التأمين هي «الدرع الآمن» و «كفيل الغرم» الذي يتحمّل عن صاحبها أي ضرر ينجم عن حادث يتسبب به، والضوء الأخضر الذي يتيح أمامه ممارسة ما يحلو له من تجاوزات غير آبه بالعواقب!. يقود الحديث هنا، وأمام هذه الظواهر والممارسات المستهجنة، إلى حتمية إعادة النظر في أنظمة التأمين وآلية عمل وثائقها ونطاق تغطيتها وتحديدًا فيما يخص التأمين على المركبات، بحيث وكما هو الحال في الدول المتقدمة، يتم ربط أسعار الخدمات بسجل السائق المروري، وعبر نظام النقاط الذي يؤطّر لثقافة المكافآت والغرامات وصولًا إلى مبدأ العدالة التأمينية. ولا يعد هذا الطرح جديدًا. إذ تعتمد العديد من الدول الأوروبية نماذج تأمينية قائمة على تقييم المخاطر الفعلية وسجل السائق «المخالفات المرورية والحوادث»، حيث يحصل الملتزمون على مزايا وخصومات متزايدة، بينما ترتفع تكلفة التأمين على السائقين مرتفعي المخاطر وكثيري الحوادث والمخالفات المرورية. وقد أثبتت هذه النماذج فعاليتها في تعزيز ثقافة القيادة المسؤولة وربط التكلفة بالسلوك الفعلي بدلًا من مسألة حسابيه لا تعكس الواقع وتحميل الجميع أعباء أخطاء فئة محدودة. وقد بات هذا الطرح اليوم أكثر عملية وسهولة في التنفيذ من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل المعلومات الذكي الذي يتيح قاعدة معلومات مترابطة ومتقدمة وضمن شبكة موحدة تضم كافة أطراف العملية التأمينية. فنجاح مثل هذه الحلول لا يمكن أن يتحقق من خلال شركات التأمين وحدها، بل يتطلب منظومة متكاملة تتضافر فيها جهود الجهات التنظيمية والمرورية والتأمينية. فالمواجهة الحقيقية للاحتيال التأميني والقيادة اللامسؤولة تبدأ من تبادل المعلومات وربط البيانات بين جميع الأطراف ذات العلاقة. إن التأمين يمثل أحد أهم أدوات الحماية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الحديثة، لكنه لا يستطيع أداء دوره بكفاءة عندما يتحول إلى وسيلة للكسب غير المشروع أو إلى مظلة يتوارى خلفها المستهترون. وبين الحفاظ على حقوق المتضررين وضمان استدامة قطاع التأمين، تبقى العدالة في تحميل المسؤولية هي الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه أي منظومة مرورية أو تأمينية حديثة.المصدر: إيلاف | Source: إيلاف
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة إيلاف. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by إيلاف. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.


