... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
165557 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8274 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

كيف حوّلت “ميرك” دواءها العجيب إلى منتجٍ فائق الربح وحرمت مرضى السرطان حول العالم من الحصول عليه

صحة
موقع درج
2026/04/13 - 09:23 503 مشاهدة
شيّدت شركة الأدوية العملاقة حصناً من البراءات، وتاجرت بالسرّية، ومارست ضغطاً مكثّفاً بلا هوادة لحماية نبع إيراداتها الأساسي: “كيترودا”. سيدني بي. فريدبرغ وبريندا مدينا ودينيس أجيري  قبل أيّام قليلة من عيد الميلاد 2025، احتشد قادة تسع شركات أدوية في “غرفة روزفلت” في البيت الأبيض، حيث كان وسام نوبل للسلام العائد لتيدي روزفلت للعام 1906 معلّقاً ذات يوم.  وقف المصوّرون يتزاحمون لالتقاط الصور فيما كان التنفيذيون ــ ثلاث نساء وستّة رجال ــ يقفون في حالة ارتباك، يطرقون الأرض بأقدامهم ويقرعون بأصابعهم في انتظار الرئيس دونالد ترامب. كان رؤساء شركات الأدوية هؤلاء قد أبرموا جميعاً صفقات لخفض أسعار بعض من أبرز أدويتهم. مرّ ما يقرب من 15 دقيقة قبل أن يدخل ترامب الغرفة، يتبعه وزير الصحّة والخدمات الإنسانية روبرت ف. كينيدي الابن وعدد من كبار المسؤولين. ألقى الرئيس نظرة على التنفيذيين، وقال: “يا لها من مجموعة من الأشخاص”، وأضاف: “إنهم يجنون الكثير من المال”. مجتمعةً، تجاوز إجمالي تعويضاتهم السنوية 100 مليون دولار، لكنّ واحداً فقط ــ المحامي التنفيذي ذو النظارات واللحية الصغيرة ــ كان على رأس إمبراطورية دوائية بقيمة 65 مليار دولار، تمتلك دواء منقذاً للحياة، لا يستطيع معظم سكّان العالم تحمّل كلفته: روبرت إم. ديفيس، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة شركة “ميرك وشركاه”، مصنّع الدواء المضادّ للسرطان ذائع الصيت “بيمبروليزوماب”، الاسم التجاري: “كيترودا”. وعد ترامب بأن أسعار الأدوية ستهبط “بسرعة وعنف” بفضل الصفقات الجديدة، وقبل أن تنتهي المراسم، تقدّم كلُ مدير تنفيذي إلى منصّة الخطابة لقول بضع كلمات، وعندما جاء دور ديفيس، أعلن دعمه “بنسبة 100%” لإجراءات الرئيس. قال ديفيس: “أستحضر هدفكم المتمثّل في تعزيز القدرة على تحمّل التكاليف وتوسيع الوصول للأميركيين، وأيضاً في رفع الأسعار خارج الولايات المتّحدة”. تعهّد بأن تخفّض “ميرك” أسعار دواء لمرض السكّري وحبّة لعلاج أمراض القلب والأوعية الدموية، لكنّه لم يقل شيئاً عن خفض كلفة “كيترودا”، الذي بلغت مبيعاته 31.7 مليار دولار في عام 2025، وشكّل ما يقرب من نصف إيرادات “ميرك”.  في الواقع، كانت شركة الأدوية العملاقة، ومقرّها نيوجيرسي، تجعل الحياة أكثر صعوبة لكثير من مرضى السرطان حول العالم. يكشف تحقيق أجراه “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، كيف أن إحدى أكبر شركات الأدوية في العالم استخدمت عدداً من الأساليب لزيادة حجم الوصفات الطبّية والحفاظ على سعر الدواء مرتفعاً عبر الضغط السياسي، ومن خلال السعي إلى تأخير وصول نسخ أرخص من الدواء إلى مئات الآلاف من مرضى السرطان في السنوات المقبلة.  يحدث ذلك في وقت تُنفق فيه حكومات حول العالم مبالغ متزايدة على “كيترودا”، وفي ظلّ أسعار باهظة، تتراوح من نحو 80 ألف دولار كلفة علاج عام واحد في ألمانيا، إلى 208 آلاف دولار في الولايات المتّحدة، و93 ألف دولار في لبنان، ونحو 130 ألف دولار في كولومبيا، و65 ألف دولار في جنوب أفريقيا، وصولاً إلى 116 ألف دولار في كرواتيا. يشكّل السرطان تهديداً متنامياً للصحّة العامّة، إذ يتسبّب بما يقرب من حالة وفاة واحدة من بين ستّ حالات وفاة في العالم، وتشير التوقّعات إلى ارتفاع معدّلات السرطان، خصوصاً في البلدان منخفضة الدخل حيث يظلّ “كيترودا” غير متاح إلى حدّ كبير بسبب كلفته.  ومن المتوقّع أن تقفز حصيلة الوفيات بنسبة 75% لتصل إلى 18.6 مليون حالة في عام 2050، في حين تتجاوز كلفة بعض العلاجات الجديدة بالفعل مليون دولار للمريض الواحد. إن العيش مع تشخيص السرطان أو بعده يفرض أعباء عميقة ــ جسدية وعاطفية ومالية. بعض المرضى يائسين إلى حدّ يدفعهم إلى اللجوء إلى السوق السوداء للحصول على “كيترودا” بسعر أقلّ، مع أنهم لا يعرفون ما إذا كان ما يشترونه هو الدواء فعلاً أم نسخة مقلّدة. مرضى آخرون يسعون إلى الحصول على “كيترودا” يواجهون عقبات بيروقراطية قاسية وينتهي بهم الأمر إلى مقاضاة حكوماتهم طلباً لإتاحة الدواء، ولا ينجو جميعهم وقتاً كافياً لمعرفة حكم المحكمة. تصوّر تقارير شركاء “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، في ستّ قارات مشهداً من تباينات عميقة وخطِرة: في الهند، تعتمد العائلات التي تسعى للحصول على “كيترودا” على شبكة أمان مهترئة: تغطية تأمينية ضعيفة، وبرنامج مساعدة المرضى التابع لـ”ميرك”، وأموال يدفعونها من جيوبهم مباشرة.  في البرازيل، سابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، لا يستطيع معظم مرضى السرطان تحمّل كلفة “كيترودا”، ويلجأ الآلاف إلى المحاكم للحصول عليه.  في جنوب أفريقيا، حيث لا يستطيع غالبية المواطنين تحمّل كلفة الرعاية الصحّية الخاصّة، وحيث يقلّ الدخل الشهري النموذجي للأسرة عن 500 دولار، تبلغ كلفة الجرعة الواحدة من “كيترودا” نحو عشرة أضعاف ذلك: 4,904 دولارات. في المملكة المتّحدة، تُظهر الأبحاث أن “كيترودا” يتصدّر قائمة الأدوية التي تدفع “هيئة الخدمات الصحّية الوطنية”؛ المثقلة بالضائقة المالية، مبالغ مبالغاً فيها لقاءها. فبالنسبة لبعض مرضى سرطان الرئة، تدفع الهيئة ما يساوي خمسة أضعاف ما ينبغي أن تدفعه مقابل “كيترودا”، وفقاً لبيانات الجدوى الاقتصادية من جامعة يورك التي شاركتها مع “مكتب الصحافة الاستقصائية”، شريك “الاتّحاد الدولي” في المملكة المتّحدة.  وفي غواتيمالا، اضطرّ طبيب يعمل في ظلّ محدودية الوصول إلى الدواء، إلى اختيار مريضين اثنين فقط من بين العديد من مرضاه لتلقّي العلاج به. قال خوليو راميريز رئيس وحدة الأورام في المستشفى العام الإقليمي في كويتزالتينانغو، ثاني أكبر مدينة في غواتيمالا: “ما الذي تبقّى لي لأقوم به؟ أن ألعب دور الإله؟ المريض الأوّل الذي يصل، هو من سأمنحه العلاج، لأن هذا كلّ ما بوسعي أن أفعله”. “أرباح مرض السرطان” (The Cancer Calculus)، وهو تحقيق استقصائي استمرّ عامّاً كاملاً أنجزه “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، بالتعاون مع  ICIJ  و 47 شريكاً إعلامياً في 37 دولة، ويستند إلى مئات المقابلات مع مختصّين بالأورام، ومرضى سرطان وعائلاتهم، وخبراء في البراءات، وجهات تنظيمية، ومطّلعين من داخل صناعة الأدوية، وغيرهم، إضافة إلى بيانات حصرية عن الأسعار وتحليلات للبراءات، وآلاف الصفحات من عروض الشركات التقديمية، ووثائق هيئات البراءات، والدعاوى القضائية، وسجلّات الشركات والجهات الرقابية. كما كشف شركاء ICIJ الإعلاميون عن سجلّات صحّية عامّة، ومحاضر اجتماعات، وبيانات تتعلّق بالتسعير والتعويضات، ووثائق أخرى حصلوا عليها عبر ما لا يقلّ عن 1,018 طلباً للحصول على معلومات في 27 دولة. يبحث هذا التحقيق في كيفية استخدام شركة “ميرك” المعروفة باسم MSD خارج الولايات المتّحدة وكندا، أساليب هجومية لكنّها قانونية، لزيادة عائداتها من “كيترودا” وتحويله إلى واحد من أكثر الأدوية مبيعاً في التاريخ، وذلك على حساب بعض المرضى. ومن بين ما توصّل إليه المشروع نورد ما يلي: استغلّت “ميرك” إلى جانب كيانات دوائية وطبّية أخرى، نظام البراءات لبناء “حصن” حول “كيترودا”، يضمّ ما لا يقلّ عن 1,212 طلب براءة في 53 بلداً ومنطقة وإقليماً. يمكن لسيل البراءات اللاحقة هذا أن يساعد “ميرك” على خنق المنافسة والحفاظ على الأسعار المرتفعة ــ وما يوازيها من مليارات الدولارات في الإيرادات ــ لمدّة 14 عاماً بعد انتهاء براءاتها الأصلية في عام 2028. يقول بعض أبرز باحثي السرطان إن “ميرك” روّجت لجرعة من “كيترودا” أعلى ممّا يلزم فعلياً، وبحسب باحثين في “منظّمة الصحّة العالمية”، قد تُكلّف هذه الجرعة العالم نحو 5 مليارات دولار لمرضى سرطان الرئة وحدهم بحلول العام 2040. استفادت شركة الأدوية العملاقة من ثغرات في الأطر التنظيمية للقطاع، وساهمت في تنظيم حملة ضغط سياسي عالمية مكلفة، وعملت في ظلّ قدر كبير من انعدام الشفافية في التسعير، كما دفعت عشرات ملايين الدولارات في الولايات المتّحدة على شكل “أتعاب استشارية” وتكاليف سفر ومدفوعات أخرى مرتبطة بـ”كيترودا”، لأطبّاء ومهنيين في قطاع الرعاية الصحّية. تدرّ جميع هذه الاستراتيجيات إيرادات لصالح “ميرك”، إذ يأتي نحو 60% من مبيعات “كيترودا” من السوق الأميركية. ويُظهر تحليل أجراه “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” أن “ميرك” حقّقت نحو 163 مليار دولار من مبيعات “كيترودا” منذ العام 2014، ووصل الدواء إلى أكثر من 3 ملايين شخص، ووجّهت الشركة ما يقرب من 75 مليار دولار كأرباح موزّعة للمساهمين، و43 مليار دولار أخرى لعمليّات إعادة شراء الأسهم، في الوقت الذي خفّضت فيه ضرائبها في الولايات المتّحدة عبر تسجيل أرباحها في ولايات قضائية أقلّ ضرائب.  وفي تقريرها السنوي للعام 2025، كشفت “ميرك” أنها دفعت نحو 1.6 مليار دولار ضرائب دخل في الولايات المتّحدة، مقابل 4.5 مليارات دولار في دول أخرى، بينها 2.1 مليار دولار في سويسرا. رفض ديفيس التعليق، لكنّ نائبة الرئيس الأولى في “ميرك” يوهانا هيرمان، دافعت عن سياسات التسعير التي تنتهجها الشركة، قائلة إن سعر “كيترودا”: “يعكس قيمته بالنسبة إلى امرضى وأنظمة الرعاية الصحّية”، وأضافت في رسالة إلى “الاتّحاد الدولي”: “لدينا تاريخ طويل في تسعير أدويتنا على نحو مسؤول، بما يعكس قيمتها للمرضى والدافعين والمجتمع”. أقرّت هيرمان في رسالة منفصلة، بأن “ميرك” تواجه “ضغوطاً سياسية وتجارية متزايدة” بشأن إتاحة الدواء وتسعيره في الأسواق الناشئة، لكنّها قالت إن الشركة تعمل لضمان أن تكون الرعاية الصحّية “ميسّرة الكلفة، وفعّالة، وعادلة، ومستدامة على المستوى العالمي”. وجدنا في تغطيتنا أن سلوك “ميرك” كان نموذجياً في صناعة الأدوية، وأن الشركة لم تكن حالة شاذّة من حيث ممارساتها التجارية عموماً، لكنّ النمو الهائل في أعمال “كيترودا” والاهتمام غير المسبوق به قد يدفعان حدود ما يُعدّ مقبولاً وفق معايير القطاع. قال بيتر مايباردوك مدير برنامج “الحقّ في الوصول إلى الأدوية” في منظّمة “بابلك سيتيزن” غير الربحية والمعنيّة بالدفاع عن المستهلكين في واشنطن، إن صناعة الأدوية كوّنت نظاماً من القواعد العالمية لحماية شركات الأدوية، وضمان أن تدافع الحكومات الغنيّة عنها، وأضاف: “هناك بنية كاملة تستند إليها كيترودا وكلّ دواء محميّ ببراءة اختراع، حيث تقف الحكومة الأميركية وأوروبا في صف الصناعة وقواعدها”. يتّسم هذا النظام بأسئلة كبرى حول كيفية تأثير ممارسات “ميرك” وسائر شركات “بيغ فارما” في مستقبل صحّتنا الجماعية، وغالباً ما تكون كيفية تطوّر هذا النظام قصّة تغليب للأرباح على المرضى، وبالنسبة إلى من يملكون ومن لا يملكون في هذا العالم، يمكن أن تكون أيضاً قصّة من يعيش ومن يموت. روب ديفيس البالغ 59 عاماً، نشأ في مدينة فرانكلِن في ولاية إنديانا، وهي بلدة زراعية تبعد 20 ميلاً جنوب إنديانابولِس، في ظلّ شركة “إيلي ليلي”، إحدى أكبر شركات الأدوية في العالم. عمل لدى هذه الشركة مدّة 14 عاماً، بينما كان يدرس في الوقت نفسه إدارة الأعمال والقانون. حين كان والده موريس، وهو مدقّق حسابات، يكافح مرض السرطان، ذهب ديفيس إلى مقابلة عمل مع الرئيس التنفيذي لـ”ميرك” آنذاك كِن فريزر، وفي ختام لقائهما، وجّه فريزر ديفيس نحو صورة قرب الباب؛ أراد أن يريه شريحة “باوربوينت” ملصقة على الحائط، كما روى ديفيس في مقابلة في عام 2024 في كليّة الحقوق في جامعة نورثويسترن، كانت الشريحة تُظهر أنواعاً مختلفة من الأورام واستجابتها لـ”كيترودا”. قال له فريزر: “لهذا السبب عليك أن تأتي إلى ميرك، لأننا سنُحدث فرقاً حقيقياً”. التحق ديفيس بـ”ميرك” بصفة المدير المالي في ربيع 2014، قبل بضعة أشهر من وفاة والده بسرطان الرئة عن 82 عاماً، وقال في المقابلة: “أتساءل ماذا كان سيحدث لو أن هذا الدواء كان متاحاً قبل 10 سنوات، عندما كان والدي يخوض معركته”. وبينما كان ديفيس يستقرّ في منصبه الجديد، كانت “ميرك” تستعدّ لطرح “كيترودا” لعلاج الميلانوما، أكثر أنواع سرطان الجلد فتكاً، وكان السعر المبدئي المتوقّع في الولايات المتّحدة نحو 12,500 دولار شهرياً، أو 150 ألف دولار سنوياً. عندما ظهر الدواء، أحدث ثورة في علاج السرطان، ففي فئة من أدوية المناعة تُعرف باسم مثبطات نقاط التفتيش المناعية، حوّل “كيترودا” التركيز من مهاجمة الأورام مباشرة إلى تمكين الجهاز المناعي من قتالها، وهو الآن معتمد في الولايات المتّحدة لعلاج 19 نوعاً من الأورام، بينها سرطانات الجلد والرئة والثدي والقولون، وقد أصبح شريان حياة لملايين المرضى، إذ حوّل أشكالاً متقدّمة من السرطان كانت مميتة في السابق إلى أمراض يمكن التعايش معها، ورفع معدّلات البقاء على قيد الحياة لدى مرضى آخرين يعانون من سرطانات يصعب علاجها، أحياناً لأشهر، وأحياناً لسنوات. قالت كارولينا غارثيا كورسيني لمراسل “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، بينما كانت في مزار كاثوليكي في مدريد: “بعد كلّ هذه السنوات ما زلت آتي إلى هنا لأقدّم الشكر، على حياتي، على أنني ما زلت حيّة”.  كانت غارثيا الصحافية السابقة والأم لثلاثة أطفال تعيش في العاصمة الأسبانية، في السابعة والثلاثين من عمرها وحاملاً في شهرها الرابع حين شُخّصت إصابتها بالميلانوما المنتشرة في شباط/ فبراير 2011، وقد وصلت الأورام إلى ثديها الأيسر. بعد أن حصلت على مكان ثمين في أوّل تجربة سريرية لـ”كيترودا”، بدأت تسافر إلى باريس كلّ بضعة أسابيع لتلقّي العلاج، وبعد 14 عاماً وهي في حالة هدوء مرضي، قالت: “أنا مقتنعة بأنه معجزة”. هذه التجارب ليست سوى بعض الأسباب التي جعلت “ميرك” تحتلّ اليوم المرتبة 65 على قائمة “فورتشن 500″، مع إيرادات من أعمال “كيترودا”، تفوق إيرادات “ماكدونالدز” أو الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية (NFL) بأكمله. اليوم، وبصفته الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة “ميرك”، ورئيس جماعة الضغط التجارية النافذة PhRMA، يروّج ديفيس لركائز أساسية في أجندة الصناعة: أن حماية البراءات والأسعار المرتفعة تساعد شركات الأدوية على استرداد المليارات التي تُنفق على تطوير الأدوية الجديدة وإيصالها بأمان إلى المرضى على نطاق واسع.  تمتدّ هذه العملية عادةً على عقد أو أكثر، وتتيح البراءة الأميركية، التي تدوم عادة 20 عاماً من تاريخ تقديم الطلب، للشركات أن تتمتّع بهيمنة في السوق، وتفرض أسعاراً أعلى، وتستردّ تكاليف البحث والتطوير، وتحقّق أرباحاً لتمويل أبحاث مستقبلية.  قال ديفيس في شهادة أمام الكونغرس في عام 2024: “إن ميرك استثمرت 46 مليار دولار في بحث وتطوير وتصنيع كيترودا بين العامين 2011 و2023″، وأشار إلى “أكثر من 2,200 تجربة سريرية – أجرتها ميرك وباحثون آخرون – لدراسة كيترودا”، وأن “الشركة تخطط لاستثمار 18 مليار دولار إضافي في الدراسات السريرية لدواء كيترودا حتى ثلاثينيات هذا القرن”. لكنّ تحليلاً جديداً أجرته منظّمة Public Eye، وهي منظّمة سويسرية غير ربحية تُعنى بمساءلة الشركات، يُقدِّر أن كلفة البحث والتطوير لدواء “كيترودا” تبلغ 1,9 مليار دولار – أي نحو 1% فقط من إيراداته العالمية منذ طرحه في عام 2014. وإذا أُضيفت كلفة التجارب السريرية الفاشلة، ترتفع التقديرات إلى 4,8 مليارات دولار، أو ما يعادل 3% من عائدات الدواء.  ويقول باتريك دوريش الخبير الصيدلاني في Public Eye، إن هذه الأرقام استندت إلى مراجعة التجارب السريرية لـ”كيترودا” ومتوسّط تكاليفها، وهي تشكّل الحصّة الأكبر من نفقات البحث والتطوير. قال دوريش إن أرقام ديفيس “غير قابلة للتحقق على الإطلاق”، وأضاف: “يمكن لميرك أن تطرح أيّ رقم تشاء – مرتفعاً قدر الإمكان – لتبرير السعر الفاحش”، وتابع: “إن حصّة تكاليف البحث والتطوير مقارنة بسعر القارورة ضئيلة للغاية وقد استُردّت منذ زمن طويل. لذا فالسعر مرتفع بشكل مفرط، ليس لتغطية تكاليف البحث والتطوير أو التحوّط للمخاطر، بل لتحقيق أقصى قدر من الأرباح”. قال ناثان تشيرني المختصّ بالأورام ومدير وحدة آلام السرطان وطبّ الرعاية التلطيفية في مركز “شعاري تسيديك” الطبّي في إسرائيل: “إن عاصفة مثالية أدّت إلى الارتفاع الشديد في كلفة كيترودا”، وقد بدأت هذه العاصفة في عام 2003 عندما أقرّ الكونغرس الأميركي “بند عدم التدخّل” ضمن قانون “ميديكير”، الذي ألزم الحكومة بالقبول بأسعار القائمة التي يضعها مصنّعو الأدوية الجديدة من دون أيّ مفاوضات حول الأسعار، ورغم أن البند منع الحكومة الفدرالية من التفاوض على الأسعار، قدّمه أنصاره بوصفه تعزيزاً – لا تعليقاً – لقوى السوق، من خلال نقل قوّة التفاوض إلى الخطط الخاصّة بدلاً من الحكومة. قال تشيرني لـ”الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”: “كان ذلك تعليقاً لقوى السوق”، مضيفاً أن “أثره امتدّ إلى أنحاء العالم”. كانت حملة الترويج لـ”كيترودا” في عامها الثاني عندما أدّى تطوّر استثنائي إلى طفرة علاقات عامّة هائلة: ففي عام 2015، استخدم أطبّاء جيمي كارتر دواء “كيترودا” بنجاح لعلاج سرطان الجلد الفتّاك الذي أصاب الرئيس الأميركي الأسبق، وكان قد انتشر إلى كبده ودماغه وهو في الحادية والتسعين من عمره. تهافت المرضى على طلب “دواء الرئيس”، وعاش كارتر حتى بلغ المئة. أما على مستوى خطّة “كيترودا” التجارية، فقد اعتمدت “ميرك” على استراتيجيات مستقاة مباشرة من “كتيّب” صناعة الأدوية الذي ترسّخ في الولايات المتّحدة ثم انتشر عالمياً: استندت إلى أبحاث مموّلة من أموال دافعي الضرائب، واستراتيجيات تسعير سرّية، واختصارات تنظيمية أتاحت لـ”ميرك” دخول السوق مبكراً وبيع “كيترودا” بأسعار مرتفعة – حتى قبل توفّر أدلّة سريرية كاملة.  قالت شركة “ميرك” إن دواء “كيترودا” حصل على 19 موافقة “معجَّلة” في الولايات المتّحدة، ضمن برنامج تنظيمي خاصّ صُمّم لتسريع تطوير الأدوية الجديدة للحالات الخطيرة أو المهدِّدة للحياة، لكنّ هذا النوع من الموافقات يثير جدلاً بسبب دخول الأدوية إلى السوق في مراحل مبكرة، وارتفاع أسعارها المتكرّر، وأحياناً هشاشة الأدلّة السريرية الداعمة لها. فقد سحبت “ميرك”، على سبيل المثال، اثنين من استخدامات “كيترودا” التي حصلت على موافقة معجّلة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، بعد أن تبيّن أنها لا تحقّق فوائد كافية. وتصرّ “ميرك” على أنها كانت حذرة في استخدام هذا البرنامج. كما يُظهر تحقيقنا كيف استفادت “ميرك” من تصنيف “دواء اليتيم”، وهو فئة تمنح حوافز للشركات لتطوير أدوية للأمراض النادرة. وقد حصلت “ميرك” على تسعة تصنيفات منفصلة كـ”دواء يتيم” لدواء واحد هو “كيترودا”. وتتوسّع ممارسة أخرى عالمياً لدى “ميرك” هي تمويل مجموعات المرضى التي تدافع عن تغطية التأمين، وتضغط على الحكومات، وتدعم تسريع الموافقات التنظيمية، إضافة إلى ضخّ الأموال في مدفوعات للأطبّاء وغيرهم من مهنيي الرعاية الصحّية. ففي الولايات المتّحدة وحدها، تُظهر السجلّات أن “ميرك” أنفقت ما يقرب من 52 مليون دولار على رسوم مرتبطة بـ”كيترودا” لمهنيي الرعاية الصحّية بين العامين 2018 و2024، حصل خمسة أطبّاء منهم على أكثر من مليون دولار لكلّ واحد. وتقول “ميرك” إن هذا النوع من المدفوعات يساعد في إطلاع مجتمع الرعاية الصحّية على “كيترودا”، مما يحسّن رعاية المرضى في نهاية المطاف. لكنّ دراسة أُجريت في الولايات المتّحدة لصالح “المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية”، وجدت أن وصف الأطبّاء لأدوية السرطان التي تُعطى في العيادات، مثل “كيترودا”، ارتفع بنسبة 4% خلال الأشهر الاثني عشر التي أعقبت تلقّي مهنيي الرعاية الصحّية أموالاً من شركة دواء، وقد أدّت تلك المدفوعات – التي شملت وجبات، وسفراً، وبحثاً، واستشارات، وأتعاب محاضرات – إلى زيادة إنفاق الأطبّاء على أدوية السرطان من دون أيّ تحسّن في معدّلات بقاء المرضى على قيد الحياة، بحسب ما خلصت إليه الدراسة. لم تكن المدفوعات إلى جمعيات المرضى أقلّ إثارة للانتباه. فقد دفعت “ميرك” في الولايات المتّحدة عشرات ملايين الدولارات لجماعات الضغط والدعم الخاصّة بالمرضى بين العامين 2017 و2025. وفي بلجيكا، كشف تحقيق لصحيفة De Tijd أن نحو 12 جمعية للمرضى ومنظّمة تُعنى بالدفاع عن رعاية مرضى السرطان، تلقّت ما يقارب 1,8 ملايين دولار من الفرع البلجيكي لـ”ميرك” بين العامين 2022 و2024، فيما ضغطت بعض هذه الجهات لتبنّي مواقف تنسجم مع مساعي الشركة إلى توسيع وصول المرضى إلى أدوية السرطان التي تنتجها، وإلى الحصول على إعانات عامّة إضافية. وفي ردّها على أسئلة الصحيفة، شدّدت عدّة جمعيات على أنها تعمل باستقلالية عن شركات الأدوية ولا تقدّم أيّ مقابل لقاء هذا الدعم المالي. دافعت “ميرك” عن هذه الممارسات، وجاء في بيان وجّهته إلى ICIJ: “نوضح بشكل صريح أن أيّ تعاون أو تمويل يطال منظّمات المرضى هو مستقلّ بالكامل عن تقييمات تكنولوجيا الصحّة (health technology appraisals)، ولا يمكن اعتباره بأيّ شكل من الأشكال حافزاً لوصف دواء ما أو التوصية به أو تقييمه إيجاباً”. بحلول العام 2021، كان كبار العلماء داخل إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) يعبّرون عن قلقهم من النمو الانفجاري لعلاجات المناعة، التي يهيمن عليها “كيترودا”. كتب ريتشارد بازدور الذي كان آنذاك رئيس وحدة الـ FDA المعنيّة بتحسين تطوير أدوية السرطان، وجوليا أ. بيفر التي كانت في ذلك الوقت كبيرة أطبّاء الأورام في الإدارة، في مجلّة New England Journal of Medicine في كانون الأوّل/ ديسمبر 2021: “إن النمو غير المقيّد والسريع لمثبطات نقاط التفتيش أدّى إلى حالة من “الغرب المتوحّش” في تطوير الأدوية، تتّسم باندفاع عارم للرعاة التجاريين، وتجارب سريرية وخطط تطوير متكرّرة”، وقد ندّدا بسوق يزداد ازدحاماً وارتباكاً، ويريان أنه أدّى إلى عدد مفرط من التجارب السريرية، وعلاجات متكرّرة، واستخدام غير فعّال للموارد، وكثرة الاختبارات التشخيصية لاختيار المرضى. ورغم أن العلاج المناعي يقدّم نتائج تغيّر الحياة وأحياناً تبدو معجزية لعدد صغير من مرضى السرطان، فإنه فشل في مساعدة كثيرين غيرهم، واشتكى بعضهم من أن الأطبّاء قلّلوا من شأن المخاطر. تضخّمت مبيعات “كيترودا” عالمياً، فبين العامين 2020 و2024، وبحسب بيانات مبيعات حصرية قدّمها معهد IQVIA Institute for Human Data Science إلى ICIJ، ارتفعت المبيعات بنسبة 232% في فرنسا لتصل إلى 2.8 مليارات دولار، وبنسبة 265% في البرازيل إلى 753.7 ملايين دولار، وبنسبة 491% في المكسيك إلى 137.3 ملايين دولار، وبنسبة 584% في تركيا إلى ما يقارب 100 مليون دولار. هذا المشهد الجديد أثار أسئلةً إضافية لدى أطبّاء الأورام وشركات التأمين: أيّ العلاجات يناسب أيّ المرضى؟ وما هي الجرعات المناسبة، وتواترها، ومدّة العلاج؟ وكيف يمكنهم تقييم قيمة هذه العلاجات الجديدة جميعها؟ استشهد ولف–ديتر لودفيغ، المختصّ بالأورام الذي ترأّس لجنة الأدوية في الجمعية الطبّية الألمانية لمدّة 18 عاماً، بدواء “كيترودا” مثالاً على “أين يُنفق قدر مفرط من الأموال في نظام رعايتنا الصحّية”، وقال لشركاء ICIJ في Paper Trail Media: “إن الدواء أحدث فرقاً مهمّاً في بعض أنواع السرطان، لكنّه نادراً ما يؤدّي إلى الشفاء، ولا يبرّر سعره المرتفع”، وأضاف أن “شركات الأدوية كثيراً ما تستخدم مصطلح “مغيِّر قواعد اللعبة”، لكنّ الأمر في الجوهر يتعلّق بشيء واحد: التسويق الجيّد”. أظهر تحليل أُجري لصالح ICIJ أن النمو السريع في عائدات “كيترودا” يعود في نهاية المطاف بدرجة أكبر إلى ارتفاع عدد المرضى الذين يتلقّون العلاج وزيادة عدد الوصفات، أكثر من كونه نتيجة لزيادة الأسعار، وقد وصلت نفقات الأدوية المدفوعة مثل “كيترودا”، إلى مستويات قياسية في العقد الثالث من الألفية، وتقول “ميرك” إنها تسعّر منتجاتها بشكل مختلف من سوق إلى أخرى، وأحياناً داخل السوق نفسها، لضمان وصولها إلى أكبر عدد ممكن من المرضى. لكن مع تفاقم الأزمة العالمية الناجمة عن الارتفاع الصاروخي في أسعار الأدوية، عبّر ديفيس عن قلقه بشأن الأعباء المالية الواقعة على مرضى السرطان، وقد كان هناك الكثير من تلك الأعباء. فمنذ طرح “كيترودا” في السوق في عام 2014، وثّق ICIJ 632 حالة في 51 بلداً لجأ فيها المرضى إلى منصّة GoFundMe وغيرها من منصّات التمويل الجماعي، لجمع المال لتغطية علاجهم بالدواء. قال الرئيس التنفيذي لـ”ميرك” للمستثمرين في مؤتمر للرعاية الصحّية في عام 2021: “علينا أن نركّز جهودنا على خفض التكاليف التي يدفعها المرضى من جيوبهم مباشرة. هذا هو محور الأمر”. تحقيق ICIJ كشف أن الأسعار الرسمية التي تحدّدها “ميرك” – أي الأسعار الأوّلية غير المخفّضة – تختلف اختلافاً كبيراً بين البلدان، إذ تتراوح بين نحو 850 دولاراً للقارورة الواحدة بتركيز 100 ملغ في إندونيسيا، و6,015 دولاراً للقارورة نفسها في الولايات المتّحدة. وتنبع الفوارق الهائلة من حسومات سرّية وتخفيضات تُطبَّق على الأسعار الرسمية في دول مختلفة، فضلاً عن اختلاف طرق تحديد تكاليف الأدوية في أنظمة الرعاية الصحّية. ففي الولايات المتّحدة، مثلاً، لا توجد سقوف للأسعار لمعظم الأدوية الموصوفة، وغالباً ما يحدّد المصنّعون الأسعار بأنفسهم، أما في بلدان أخرى كثيرة، فتتفاوض الحكومات مع شركات الأدوية لتحديد السعر. ومن السمات الشائعة لأنظمة تسعير الأدوية حول العالم أنها تقوم على السرّية. فقد رفض ما لا يقلّ عن ستّ جهات رسمية في أنحاء مختلفة من العالم الكشف لـ ICIJ وشركائه الإعلاميين عن تفاصيل الإنفاق العام على “كيترودا” أو أعداد المرضى الذين يتلقّون الدواء، مستندين إلى تبريرات متعدّدة؛ من بينها أن تلك الجهات أو شركة “ميرك” اعتبرت المعلومات “سرّاً تجارياً”. ورغم السرّية الشديدة، حصل ICIJ على الأسعار الرسمية لـ”كيترودا”، وكذلك الأسعار القصوى للبيع، وقارنها في 31 بلداً، ووجدت المنظّمة فروقاً كبيرة في القدرة على تحمّل الكلفة، إذ كان “كيترودا” أقلّ قدرة على التحمّل نسبياً في البلدان الأفقر. ففي جنوب أفريقيا، مثلاً، يبلغ السعر الرسمي لـ”كيترودا” (باستثناء الضرائب والرسوم) نحو 3,800 دولار للجرعة الواحدة بتركيز 200 ملغ – أي ثلث السعر الرسمي في الولايات المتّحدة. ومع ذلك، يظلّ “كيترودا” أقلّ قدرة على التحمّل بكثير في جنوب أفريقيا، حيث لا يستطيع شخص يتقاضى الدخل الوسيط شراء جرعة واحدة خلال عام، بينما يستطيع مريض في الولايات المتّحدة يتقاضى الدخل الوسيط تحمّل كلفة أقلّ من خمس جرعات في السنة. وفي الوقت نفسه، تُظهر تحليلات ICIJ أن الأميركيين من ذوي الدخل الوسيط يمكنهم تحمّل قدر أقلّ من “كيترودا” مقارنةً بمن يتقاضون الدخل الوسيط في بعض الدول الأوروبية الغنيّة، مثل فرنسا وبلجيكا. وفي دول أوروبا الشرقية الأفقر، مثل بلغاريا والمجر، يميل “كيترودا” إلى أن يكون أقلّ قدرة على التحمّل مقارنةً بدول أوروبا الغربية الأوفر ثراءً، بحسب تحليل المقارنة السعرية الذي أجراه ICIJ. وفي المكسيك وعدة بلدان أخرى في أميركا اللاتينية، تظهر تحقيقات ICIJ أن الأسعار المُعلنة لـ”كيترودا” تميل إلى أن تكون أعلى – عند تعديلها بحسب مستويات الدخل – ممّا هي عليه في البلدان الأغنى. في غواتيمالا، اعتقد ألبيرتو سوم، مثل كثير من مرضى السرطان في أميركا اللاتينية، أنه سيضطرّ إلى التخلّي عن العلاج تماماً،  إذ تكلّف كميّة من قوارير “كيترودا” تكفي لعام واحد 180 ألف دولار أو أكثر في ذلك البلد الواقع في أميركا الوسطى، بينما يبيع سوم، وهو حرفي يبلغ 65 عاماً من العمر ولا يمتلك تأميناً صحّياً، تذكارات جلدية في منطقة يبلغ متوسّط الدخل الشهري للأسرة فيها نحو 700 دولار. وبعد تشخيص إصابته بسرطان الكلى المنتشر في عام 2022، قال سوم لطبيبه المعالج خوليو راميريز، إنه مستعدّ لوقف العلاج بعد أن وُصفت له حبوب تبلغ كلفتها 1,900 دولار كلّ ثلاثة أشهر، ولم يستطع دفعها إلا مرّة واحدة، قال سوم: “قلت للطبيب إنني لا أستطيع تحمّل الكلفة. كنت أضع حياتي بين يدي الله”. لحسن حظّ سوم، كان راميريز على وشك الحصول على موافقة من وزارة الصحّة على واحد من أوائل علاجات “كيترودا” في مستشفاه. كان سوم هو المختار. فكلّ ثلاثة أسابيع، وعلى مدى العامين التاليين، كان سوم يستقلّ الحافلة لمدّة ساعتين ونصف من بلدته الريفية سامايّاك إلى المستشفى العامّ في كويتزالتينانغو ليتلقّى جرعة التسريب البالغة 11 ألف دولار، التي تكفّلت الحكومة بدفعها. قال سوم لـ ICIJ: “أحياناً أسأل نفسي: من أكون لأستحقّ كلّ هذا الحظّ؟”، لقد انكمشت أورامه، لكنّه لم يدخل في حالة سكون تامّ للمرض. الآن تدعم دراسة جديدة نتائج ICIJ وتثير مخاوف متجدّدة بشأن القدرة على تحمّل كلفة “كيترودا” وإمكانية الحصول عليه. فتكلفة علاج مدّته ستة أشهر من “كيترودا” لعلاج سرطان الرأس والعنق تعادل ما يقرب من 80 ضعفاً لمتوسّط الدخل الشهري في الهند، و43 ضعفاً في باكستان. وبقيت الكلفة كارثية حتى في البلدان الغنيّة: تقارب ستّة أضعاف متوسّط الدخل الشهري في الولايات المتّحدة، وتسعة أضعافه في المملكة المتّحدة، وفقاً للدراسة المنشورة في شباط/ فبراير في مجلّة متخصّصة في طبّ الأورام.  وباختصار، تتراوح كلفة ستّة أشهر من “كيترودا” بين 7,676 دولاراً في بنغلاديش و38,254 دولاراً في أستراليا، ليخلص الباحثون إلى أن “العلاجات المناعية الحديثة لا تزال غير متاحة اقتصادياً في معظم البيئات”. وجد “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (ICIJ) أن كلفة علاج “كيترودا” على المرضى فوضوية بشكل خاصّ في الولايات المتّحدة. فقد شاركت شركة Serif Health، وهي مؤسّسة مقرّها سان فرانسيسكو متخصّصة في تحليل بيانات تعويضات الرعاية الصحّية، بيانات مع ICIJ تُظهر أن كلفة العلاج على المرضى وشركات التأمين تتفاوت بشكل دراماتيكي. ففي مختلف أنحاء الولايات المتّحدة، تتراوح الكلفة التقديرية لجرعة نموذجية من “كيترودا” بتركيز 200 ملغ بين 5,858 و43,800 دولار، تبعاً لمكان إعطاء الدواء، وشركة التأمين الخاصّة، والجهة المقدِّمة للخدمة، وطريقة احتساب الفاتورة. بالنسبة إلى باربرا ثورنتون، وهي مساعِدة رعاية صحّية منزلية تبلغ من العمر 64 عاماً من مدينة سينسناتي في ولاية أوهايو، وقد تجاوزت مؤخّراً سرطان البنكرياس، جاءت علاجات “كيترودا” في مركز العيادات الخارجية في مستشفى قريب بكلفة تفوق بكثير السعر المُعلن للدواء. تقول ثورنتون لشركاء ICIJ في صحيفة USA Today إن كلّ جلسة تسريب في مركز العلاج كانت تُرفَق بفاتورة تقارب 42 ألف دولار. وقد غطّى مزيج من تأمين زوجها، والمساعدة المالية التي قدّمها نظام المستشفى الذي تتعالج فيه، وبرنامج “ميديكير” الجزء الأكبر من حصّتها من التكاليف. قالت ثورنتون: “كنت محظوظة، كان لدي تأمين. نحن لا نعيش حياة رغدة – لنقلها بهذا الشكل – لذلك كنّا مؤهّلين للحصول على مساعدة مالية”. تلقّت ثورنتون دواء “كيترودا” عبر التسريب الوريدي لمدّة 27 شهراً. وعندما انتهى علاجها، قرعت الجرس في مركزها في كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، لتحتفل بهذه المحطّة الفارقة وبانتقالها إلى مرحلة “ناجية من السرطان”. راجع “معهد تكلفة الرعاية الصحّية” (Health Care Cost Institute)، وهو منظّمة غير ربحية تحلّل مطالبات التأمين الصحّي الذي يقدّمه أصحاب العمل في الولايات المتّحدة، بيانات تكلفة علاج “كيترودا” في الولايات المتّحدة لصالح ICIJ، وذلك على مدى خمس سنوات من 2018 إلى 2022. وكشف المعهد عن حقيقة صادمة: ففي عام 2022، دفعت خطط التأمين الصحّي التي يرعاها أصحاب العمل 3.79 مليارات دولار مقابل تغطية “كيترودا” لعدد لا يتجاوز 30,997 مريضاً أي نحو 122,400 دولار لكلّ مريض. كما وجد المعهد أنه في العام نفسه يمكن أن تتضاعف الكلفة تقريباً عندما يُعطى “كيترودا” في قسم العيادات الخارجية في مستشفى بدلاً من عيادة طبيب خاصّة. قال جون هارغريفز مدير إدارة استراتيجية البيانات والتحليلات في HCCI: “سواء تعلّق الأمر بإعطاء الدواء، أو الفحوص المخبرية، أو التصوير، فإن الرعاية المُقدَّمة غالباً ما تكون متطابقة، لكن كما رأينا مع كيترودا، فإن السعر يعتمد بالكامل على المبنى الذي تُعالَج فيه”. وأضاف أن “إنفاق ما يقارب 3,8 مليارات دولار على أقل من 31 ألف مريض، يوضح كم أصبحت هذه العلاجات باهظة الكلفة، وكم يمكن أن تدفع مجمل الإنفاق في خطط التأمين الصحّي التي يوفّرها أصحاب العمل”، وتابع: “ليس من غير المألوف أن تحمل الأدوية التخصّصية مثل كيترودا كلفة عالية جداً لكلّ مريض، لكنّ حجم الإنفاق الذي نراه هنا لافت فعلاً ويطرح أسئلة جوهرية حول القدرة على تحمّل الكلفة، سواء بالنسبة إلى أصحاب العمل أو المرضى أنفسهم”. في بيان، ألقت المتحدّثة باسم “ميرك” جولي كانينغهام، باللوم في ارتفاع الأسعار في الولايات المتّحدة على مديري منافع الصيدليات وشركات التأمين الصحّي، بوصفهم وسطاء يقتطعون الحسومات والرسوم، ما يرفع التكاليف على المرضى. وقالت: “إن التركيز الضيّق على الأدوية الموصوفة يفشل في معالجة المساهمين الأكبر بكثير في ارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحّية في الولايات المتّحدة”، وأضافت: “أميركا هي البلد الوحيد في العالم الذي تحصل فيه كيانات لا تصنع الأدوية على نصف كلّ دولار يُنفق على الأدوية ذات العلامات التجارية”. وقالت هيرمان من “ميرك”: “إن 59% من المرضى الأميركيين الذين يمتلكون تأميناً صحّياً خاصّاً لم يدفعوا أيّ تكاليف من جيوبهم مقابل كيترودا. أما المرضى الذين تحمّلوا نفقات ذاتية، فقد دفع نحو 80% منهم ما بين سنت واحد و375 دولاراً لكلّ جرعة تسريب بعد استيفاء مبلغ التحمّل (الـ deductible) في بوليصتهم”، وتابعت: “نحن نوفّر بشكل دوري قسائم ووسائل مساعدة أخرى في دفع المشاركة في التكاليف لأدويتنا، بما فيها كيترودا، لخفض النفقات المباشرة على المرضى”، مضيفةً أن “قيمة هذه المساعدات بلغت نحو 125 مليون دولار العام الماضي”، ومع ذلك، حتى مع وجود التأمين، قد يواجه المرضى صعوبة في التعامل مع آلاف الدولارات من التكاليف المسبقة، بما في ذلك مبالغ التحمّل المرتفعة قبل بدء تغطية التأمين. ورغم أن الشركة لا تعلن بشكل منفصل عن حجم ما تنفقه على برامج مساعدة المرضى فيما يخصّ “كيترودا”، قالت هيرمان: “إن ميرك قدّمت أدوية مجّانية بقيمة 1.7 مليار دولار في الولايات المتّحدة – تشمل جميع منتجات ميرك المؤهّلة – لمرضى غير مؤمَّنين أو ناقصي التأمين في عام 2024”. بالنسبة إلى ناصِر نسانِر رئيس فرع الصحّة العامّة في “جمعية الأطبّاء الأتراك”، تُؤطّر هذه الفوارق بأسئلة أكبر تتجاوز نطاق الرعاية الصحّية، وقال في مقابلة مع DW Türkçe، الشريك الإعلامي لـ ICIJ في تركيا: “هل يجب اعتبار الابتكار الطبّي مكسباً مشتركاً للبشرية؟ أم ينبغي أن يبقى أصلاً تجارياً محمياً بالبراءات يعمّق اللامساواة العالمية؟”. وبصياغة أخرى: هل صُمّم النظام حول إنقاذ الأرواح أولاً، أم حول تحقيق الأرباح – ومن الذي يُستبعد نتيجة هذا الخيار؟ هذه الأسئلة لا تتعلّق بالرعاية الصحّية وحدها، بل ترتبط بنقاشات أوسع حول ما إذا كانت الاكتشافات المنقذة للحياة ملكاً لنا جميعاً أم لا. في مومباي، أغنى مدن الهند، حيث يعيش أكثر من نصف السكّان في أحياء فقيرة أو في فقر مدقع، ينتظر 101 مريض مع عائلاتهم في الممرّ خارج عيادة الأورام في مستشفى ناير مواعيدهم مع أمول أخاده وهو اختصاصي أورام بارز.  يرى أخاده أن الهند في طريقها لأن تصبح “عاصمة السرطان في العالم”، بسبب الارتفاع الصاروخي في عدد الحالات، الذي يغذّيه الانتشار الواسع للتبغ والنظام الغذائي الرديء. وهناك تحدٍّ آخر: أظهر أحد الاستطلاعات أن كلفة شهر واحد من “كيترودا” يمكن أن تعادل أكثر من 12 شهراً من الأجور في البلاد. يشير أخاده بيده نحو ممرّ العيادات الخارجية المزدحم، بينما يرافقه صحافي من “إنديان إكسبريس” الشريك الإعلامي لـ ICIJ، في صباح أربعاء باكر، ويقول: “ضمن المئة مريض الذين ترونهم خارج هذا الجناح الآن، يمكن أن يستفيد نحو 70 مريضاً مصاباً بأورام صلبة استفادة كبيرة من كيترودا. لكنّنا حالياً غير قادرين حتى على مناقشة خيار العلاج هذا معهم، لأنه ببساطة غير قابل للتحقق بالنسبة إليهم”. قال أخاده لـ ICIJ: “إنهم عمّال أجر يومي يعيشون من يد إلى فم. إنهم قلقون بشأن مصدر وجبتهم التالية”، ومع ذلك، توفّر الحكومة الهندية العلاج الكيميائي لهؤلاء المرضى مجّاناً، بينما يحصل آخرون على مساعدة من برامج الدعم التي تقدّمها “ميرك” للمرضى.  وفي الهند، يُسمى البرنامج Kiran، وهي كلمة من السنسكريتية تعني “شعاع نور”، ويسمح للمرضى بشراء خمس قوارير والحصول على ما يصل إلى 30 مجانية، بحسب تقرير لصحيفة Indian Express. وتقول “ميرك” إن برنامج Kiran أتاح الوصول إلى “كيترودا” لأكثر من 68 ألف مريض في 11 سوقاً من أسواق آسيا والمحيط الهادئ، وإنها ملتزمة بتوسيع نطاقه. قال أخاده: “الشركة تقوم بدورها للمساعدة في جعل الدواء أكثر قابلية للتحمّل. ليس الأمر أنهم لا يفعلون شيئاً، لكن ما زال الأمر صعباً للغاية بالنسبة إلى معظم المرضى. يمكنهم أن يفعلوا المزيد. بالتأكيد يمكنهم أن يفعلوا المزيد”. ويتّفق معه اختصاصي أورام رفيع المستوى في مستشفى تاتا ميموريال، الواقع على أقلّ من ثلاثة أميال من مستشفى ناير. قال كومار برباش لـ ICIJ: “إنه أمر مفجع ومحبط بالنسبة إلينا. والآن دعونا نفكّر من وجهة نظر المريض: كم هو مدمِّر بالنسبة إليهم؟”. يعمل برباش، وهو أستاذ يرأس وحدة الأورام في المستشفى، مع زملائه في مومباي ودلهي على إيجاد طرق فعّالة من حيث الكلفة لتوسيع الوصول إلى العلاج. فعلى الرغم من أن “ميرك” توصي بجرعة 200 ملغ من “كيترودا” كلّ ثلاثة أسابيع، يختبر الأطبّاء في المستشفيات الهندية علاجات مناعية بجرعات منخفضة. ففي تجربة سريرية واحدة، تلقّت مريضات بسرطان الثدي ثلاث جرعات من “كيترودا” بمقدار 50 ملغ كلّ ستّة أسابيع، إلى جانب العلاج الكيميائي. وفي دراسات أخرى، حصل المرضى على جرعات منخفضة أو على جرعات تعتمد على الوزن – 2 ملغ لكلّ كيلوغرام من وزن المريض كلّ ثلاثة أسابيع، أو 1 ملغ لكلّ كيلوغرام كلّ ستّة أسابيع. حتى الآن، تشير نتائج التجارب إلى أن الجرعات المنخفضة من “كيترودا” فعّالة لبعض دلالات العلاج (التطبيقات العلاجية) المحدّدة. وقد توصّلت مستشفيات في سنغافورة وماليزيا وتايوان إلى استنتاج مماثل من خلال دراساتها الخاصّة، وبدأت عدّة دول – من بينها هولندا وكندا وإسرائيل – بالتحوّل إلى نظام الجرعات المعتمدة على وزن المريض. ويمكن أن تكون الوفورات ضخمة. فبعد سنوات من دراسة تكاليف وفوائد أدوية السرطان، توصّل دانييل غولدستاين، وهو اختصاصي أورام بريطاني المولد تلقّى تدريبه في الولايات المتّحدة ويزاول عمله الآن في إسرائيل، إلى تلك النتيجة في عام 2017: إذ تكلّف الجرعات الثابتة من “كيترودا” نظام الرعاية الصحّية الأميركي 825 مليون دولار إضافية سنويًا. وقال غولدستاين مدير “مركز اقتصاديات السرطان” في “مركز دافيدوف للسرطان” التابع لمركز رابن الطبّي، لـ ICIJ: “إن نظام الرعاية الصحّية ببساطة لا يستطيع تحمّل كلّ هذه الأدوية. وهناك ضغوط في كلّ بلد من بلدان العالم”. قدّر باحثون في منظّمة الصحّة العالمية، في إسقاط نمذجي منفصل، أن العالم يمكنه أن يوفّر 5 مليارات دولار على مدى 15 عاماً إذا تلقّى مرضى سرطان الرئة علاج “كيترودا” وفق جرعات تعتمد على الوزن بدلاً من الجرعات الثابتة. وسيُحقّق نظام الجرعات المعتمد على الوزن توفيراً أكبر لجميع مرضى السرطان المؤهّلين للعلاج. وقالت “ميرك” إنها تبني صيغ الجرعات التي تعتمدها على الأدلّة السريرية الواردة بالتفصيل في قسم “الجرعة الموصى بها” في النشرة المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) لوصفة “كيترودا”، لكنّ الحملة التي يقودها غولدستاين اكتسبت زخماً وتجاوزت الحدود. فقد قال بيشال غياوالي اختصاصي الأورام وباحث سياسات الأدوية في كندا، لشركاء ICIJ في صحيفة Toronto Star: “إن السبب الرئيس، على الأرجح، وراء إعطاء ميرك الجرعة نفسها لكل ّالمرضى هو المال”، وأضاف: “يمكنهم بيع المزيد من الدواء، وسيجنون المزيد من المال… لا يوجد سبب علمي أو طبّي أو بيولوجي لذلك. إنه دافع تجاري بحت”. سعياً إلى حماية دجاجتها التي تبيض ذهباً ورعايتها، ركّزت “ميرك” على الوسيلة الأولى التي تعرفها للحفاظ على الأسعار المرتفعة: النظام العالمي للبراءات. كانت البراءات الأساسية لدواء “كيترودا” ستنتهي في عام 2028، وكان المستثمرون قلقين بشأن كيفية مواصلة “ميرك” توليد الإيرادات بعد أن يفقد “كيترودا” احتكاره المحمي. ففقدان الحصرية هذا كان سيفتح الباب على مصراعيه أمام منافسين يعرضون أسعاراً أقلّ بكثير، مع ما قد يواجهه “كيترودا” من انهيار كارثي في الإيرادات – “هاوية براءات” بقيمة 35 مليار دولار. ولمنع حدوث ذلك، نشرت “ميرك” “جيشها” من المحامين. ووصف طاهر أمين مؤسّس مبادرة “الأدوية والوصول والمعرفة» (I-MAK)، وهي منظّمة غير ربحية تدرس أوجه اللامساواة في كيفية تطوير الأدوية، استراتيجية “ميرك” بأنها “مخطّط متعدّد الأوجه لإساءة استخدام البراءات”، بهدف إطالة أمد احتكارها والحفاظ على الأسعار المرتفعة. وتقول “ميرك” إن I-MAK و”منظّمات مشابهة” تروّج “أسطورة” مفادها أن شركات الأدوية “تتلاعب بنظام البراءات”، عبر إيداع عدّة براءات متداخلة لتأخير دخول الأدوية الجنيسة أو البدائل الحيوية بشكل غير ملائم. كما زعمت الشركة أن تقارير I-MAK تحتوي على أخطاء جسيمة في فهرسة ووصف ممارسات “ميرك” الخاصّة بالبراءات، وهو ما تنفيه I-MAK. عندما رسم “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (ICIJ) خريطة البراءات الخاصّة بـ”كيترودا”، وجد 1,212 طلب براءة مرتبطاً بالدواء، أودعتها “ميرك” وكيانات أخرى عاملة في أبحاث السرطان والقطاعين الصيدلاني والطبّي. تمتدّ هذه الطلبات عبر 53 دولة وإقليماً ومنطقة، من بينها 194 طلباً في الولايات المتّحدة، و123 في اليابان، و87 في أستراليا، و80 في الصين، و74 في كلٍّ من كوريا الجنوبية وكندا. هذا “الجدار” من البراءات أتاح لـ”ميرك” استخدام استراتيجيات شائعة في الصناعة للإبقاء على السعر مرتفعاً من خلال براءات إضافية تتجاوز في عام 2028. وجد ICIJ أن هناك 211 براءة مُنحَت بالفعل تُسهم في حماية هيمنة “كيترودا” حتى العام 2042 على الأقلّ، أي بعد 14 عاماً من انتهاء صلاحية البراءات الأميركية الأصلية. كما حدّد الاتّحاد ما لا يقلّ عن 337 براءة  أخرى “قيد الانتظار”، يمكن أن تُطيل، إذا مُنحت، أمد سيطرة الدواء أكثر فأكثر. ويُذكر أن 84% من مجمل هذه الطلبات أُودعت بعد حصول “كيترودا” على الموافقة في عام 2014. قال أمين لـ ICIJ: “إن كلّ طلب براءة هو لغم محتمل” يمكن أن يخلق مواجهة قانونية مكلفة وطويلة الأمد لمنافسي “ميرك” من أصحاب الأدوية الأقلّ كلفة، وأضاف: “الهدف هو قصف المنافس بسيل من البراءات قدر الإمكان، لردعه، أو جعل كلفة دخول السوق باهظة قدر الإمكان، أو الأمل في أن يؤدّي اضطرار المنافس إلى التقاضي بشأن عدد أكبر من البراءات إلى تسوية”، قد تعني تأخير إطلاق منتجه. لكنّ “ميرك” تقول إن براءاتها بعد العام 2014 تمثّل اكتشافات جديدة حقيقية. قالت هيرمان في رسالتها: “نواصل تقييم كيترودا على أمل توسيع استخدامه لأشكال أخرى من السرطان وزيادة الوصول إلى العلاج. ويشمل ذلك ابتكارات في ما يتعلّق بالتركيبة الدوائية، والجرعات، والاستخدامات الجديدة، بما في ذلك التركيبات المشتركة مع عوامل أخرى. وكما هو متوقّع، فإن ميرك تحمي ابتكاراتها عند الاقتضاء من خلال إيداع طلبات براءة اختراع”. ويتضمّن سباق “ميرك” لتعزيز هيمنتها تقديم طلبات براءة لاختلافات طفيفة في مقادير الجرعات وجداول إعطائها، وكذلك براءات لتركيبات تجمع بين “كيترودا” ودواء آخر. فعلى سبيل المثال، حدّد ICIJ وجود 29 طلب براءة أُودعت عالمياً بشكل مشترك من “ميرك” وشركة Eisai اليابانية تتعلّق بالعلاج المركّب من “كيترودا” ودواء السرطان Lenvima. لكن، بحسب أمين، فإن هذا النوع من التركيبات ليس جديدًا. قال أمين متسائلاً: “لماذا لا تستكشف ميرك سبلاً علاجية جديدة غير مطروقة في مجال التركيبات المشتركة؟ ما جدوى تخصيص الوقت والمال لتركيبات علاجية موجودة أصلًا؟”. وطوّرت “ميرك” استراتيجية براءات أخرى شائعة بين شركات الأدوية؛ إذ قدّمت براءات جديدة لما يُعرف بـ “قفزة المنتج” (product hop): تحويل المستهلكين إلى نسخة أحدث مشابهة من الدواء نفسه تعيد “ضبط ساعة البراءة” لسنوات إضافية من الحصرية. وتأمل “ميرك” في نقل ما يصل إلى 40% من عملائها إلى حقنة “كيترودا” تُعطى تحت الجلد بدلاً من التسريب الوريدي قبل أن تجد المنافسات الأقلّ كلفة موطئ قدم لها في السوق. ويمكن لـ”قفزة المنتج” هذه أن تساعد “ميرك” على تحقيق مليارات الدولارات وتأجيل المنافسة حتى ثلاثينيات هذا القرن، وفقاً لثلاثة خبراء في القطاع. كما تبنّت “ميرك” تكتيك تسعير جديد في أميركا اللاتينية في عام 2024 عندما حاولت شركة أرجنتينية زعزعة السوق بطرح نسخة محلّية أرخص من “كيترودا” تُدعى PembroX. لم تكن لدى “ميرك” أيّ براءة سارية المفعول في الأرجنتين، حيث الاضطراب الاقتصادي المزمن والبيئة العدائية لشركات الأدوية الأجنبية. وقال غوستافو بيليزاري الرئيس التنفيذي لشركة الأدوية المنافسة Elea، لشركاء ICIJ في الأرجنتين إن الشركة الواقعة في نيوجيرسي كانت تعمل وحدها في السوق وترفع الأسعار باستمرار. طُرح PembroX في الأسواق في كانون الثاني/ يناير 2025؛ وفي اليوم السابق للإطلاق خفّضت “ميرك” فجأة سعر “كيترودا” بنسبة 50%، ليصبح أعلى قليلاً فحسب من سعر المنافس، بحسب بيليزاري. واستمرّ سعر “كيترودا” في الانخفاض. قال بيليزاري إن المنافسة أدّت إلى توسيع نطاق الوصول وتحسين القدرة على تحمّل الكلفة، مع علاج آلاف المرضى الإضافيين الآن. وهذا دفعه للتفكير في أسعار “كيترودا” وأثرها المالي في الولايات المتّحدة، وأضاف: “أنا مقتنع بأنهم يبيعون بسعر أقلّ بكثير في الأرجنتين مقارنة بالولايات المتّحدة. لا بدّ أنهم يسبّبون ضرراً كبيراً للحكومة الأميركية. أعني أنهم – ميرك – ينبغي أن يُجبروا على البيع بالسعر الأرجنتيني. لهذا السبب لا يعلنون الأسعار”. واجه ديفيس موجة من الكراهية على الإنترنت بعد أن عبّر عن تعازيه وحزنه على براين طومسون، الرئيس التنفيذي لشركة UnitedHealthcare، الذي قُتل بالرصاص أمام فندق في وسط مانهاتن في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024. وإلى جانب الصدمة والاستنكار، أطلق القتل في ساعات الصباح الأولى موجة واسعة من الاحتفال والتصريحات الممجِّدة من مرضى في أنحاء العالم كانوا قد عانوا من رفض مطالبات التأمين الخاصّة بهم. كتب مريض سرطان على حساب ديفيس في LinkedIn: “حزين؟ هل يمتدّ حزنك إلى المرضى والعائلات الذين فقدوا حياتهم أو مصادر عيشهم بسبب القيادة والسياسات، التي تعطي الأولوية للربح في التأمين على حساب الصحّة؟”. ومع التأييد المقلق لاغتيال طومسون في الأيّام التي تلته، ربما يكون لكلّ رئيس تنفيذي في قطاع الرعاية الصحّية ما يبرّر شعوره بالقلق. لكنّ ديفيس كان يواجه ضغوطاً إضافية: فعلى الرغم من أن انتهاء براءة “كيترودا” كان لا يزال على بُعد أربع سنوات، كان المستثمرون يستعدّون بالفعل لتداعيات ذلك. ومع قيام الرئيس الأميركي الجديد بالترويج لخفض أسعار الأدوية في حملته الانتخابية، ما الذي سيعنيه ذلك لـ”ميرك” و”كيترودا”؟ قال تيم أندرسن خلال مكالمة لمناقشة الأرباح في نيسان/ أبريل 2025: “هناك الكثير من المخاوف بشأن كيترودا”. كان أندرسن حينها محلّلاً لأسهم شركة “بنك أوف أميركا”، وكان قلقاً من تراجع سهم “ميرك”، مشيراً إلى أنه أثار هذه المخاوف في الربع السابق أيضاً. ثم توجّه إلى ديفيس قائلاً: «أتساءل أين تقفون الآن من هذا المنظور، في وقت يواصل فيه السهم نوعاً ما الانزلاق إلى الأسفل”. ردّ ديفيس بأن “ميرك” واثقة من تدفّق الإيرادات في المستقبل، وقال: “لدينا أكثر من 20 منتجاً جديداً نرى أنها ستصل إلى السوق خلال السنوات القليلة المقبلة، ومعظمها تقريباً لديه مقوّمات أن يكون منتجاً فائق الربحية (blockbuster)”. دفعت “ميرك” مبلغ 16 مليون دولار لـ PhRMA في عام 2024 لتقوم بالضغط السياسي لصالحها، وانتُخب ديفيس، مقتفياً خطى سلفه، رئيساً لمجلس إدارة المجموعة التجارية في شباط/ فبراير. طلبت PhRMA صراحةً من المسؤولين الأميركيين استهداف سياسات الأدوية الأوروبية واتّخاذ إجراءات ضدّ البلدان التي تحاول ضبط أسعار “كيترودا” وأدوية أخرى تحمل علامات تجارية. ومن بين الدول التي جرى التنصيص عليها: أستراليا، وكندا، والدنمارك، وفرنسا، وألمانيا، واليونان، وإيطاليا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وإسبانيا، وسويسرا، والمملكة المتّحدة. في مؤتمر عُقد في باريس في شباط/ فبراير، عرض نائب رئيس الوزراء ووزير الصحّة البلجيكي فرانك فاندنبروك، تفاصيل “الضغط” لرفع الأسعار، وقال” “إدارة ترامب مستعدّة لاستخدام الإكراه التجاري لإجبار الحكومات الأوروبية على تغيير ممارسات التسعير لديها”، وأشار إلى ادّعاء ترامب في يكانون الثاني/ يناير بأنه ضغط على الرئيس إيمانويل ماكرون لرفع أسعار الأدوية في فرنسا عبر التهديد برسوم جمركية بنسبة 100% على الشمبانيا. بعد شهور من الضغط من البيت الأبيض، انضمّ ديفيس إلى مديرين تنفيذيين من 15 شركة أدوية في تأييد اتّفاقات مع ترامب لبيع الأدوية بأسعار أقلّ في الولايات المتّحدة، وتعهّد الرئيس بخفض الأسعار إلى مستوى ما يُدفع في بلدان غنيّة أخرى. لم تكشف لا إدارة ترامب ولا الشركات المصنّعة تفاصيل تلك الاتّفاقات. ولم تقلّ “ميرك” ما إذا كان ترامب قد استثنى “كيترودا”، لكنّ باحثي سياسات الصحّة ومصادر حكومية قالوا إن من غير الواضح أن سعر “كيترودا” سينخفض في الولايات المتّحدة في أيّ وقت قريب. وقد ترتفع الأسعار في أماكن أخرى، كما حدث بالفعل في المملكة المتّحدة، أو كما قد يحدث في ألمانيا، حيث يرى مصدر في الصناعة “انفجارات في الأسعار”، وقال بيتر مايباردوك الناشط في مجال حماية المستهلك: “في البلدان الفقيرة، كلّ ما قد تحقّقه خطط ترامب هو مزيد من المعاناة والوفيات”. في شباط/ فبراير استغلّ ترامب خطاب حالة الاتّحاد State of the Union لإلقاء كلمة تحفيزية عن تباطؤ الاقتصاد الأميركي، وقال: “بلدنا ينتصر من جديد. في الواقع، نحن نحقّق انتصارات كثيرة لدرجة أننا لا نعرف حقّاً ما الذي يجب أن نفعله حيال ذلك”. وأضاف: “لقد أخذتُ الأدوية الموصوفة، وهي جزء كبير من نظام الرعاية الصحّية، من أعلى سعر في العالم إلى أدنى سعر”، وتابع: “النتيجة هي فروق في الأسعار بنسبة 300 و400 و500 و600% وأكثر” – وهي ادّعاءات لم تقدّم الإدارة أيّ دليل يدعمها. لم يَرِد ذكر “كيترودا”. في الواقع، أمضى ترامب خمس دقائق فقط من أصل ساعة و47 دقيقة – أطول خطاب لحالة الاتّحاد في التاريخ – في الحديث عن تكاليف الرعاية الصحّية، وقد احتفل بفريق الركبي على الجليد الأميركي للرجال لمدّة أطول بدقيقة واحدة. وعلى بُعد ما يقرب من 3,000 ميل في غواتيمالا، بدا التباين مع وعود ترامب الكبرى برعاية صحّية ميسورة الكلفة، وكأنه ينتمي إلى عالم آخر. فمع شروق الشمس في صباح جمعة بارد في شباط/ فبراير، كان خوليو راميريز طبيب الأورام الذي عالج ألبيرتو سوم، يسير عبر غرفة الانتظار الصغيرة في وحدة الأورام في مستشفاه العامّ، ملقياً التحيّة على الجميع في طريقه إلى مكتبه، حيث يرى نحو 40 مريضاً في الأسبوع. عرض راميريز على صحافي من ICIJ قوائم مكتوبة بخطّ اليد للأدوية التي يحتاج إليها مرضاه. وكان يعلم أنه من غير المرجّح أن يحصل على كلّ ما طلبه بسبب القيود الميزانية. قال: “انظر، أنا لا أشتكي. لديّ الفرصة لأن أقدّم كيترودا على الأقلّ لاثنين أو ثلاثة من المرضى هنا في المستشفى” – وهي زيادة عمّا كان قادراً على تقديمه سابقاً. وأضاف: “حلمي هو أن أستطيع إعطاء جميع مرضاي الوصفات التي يحتاجونها من دون أن أضطرّ للعب لعبة ’”ني، ميني، ميني، مو” لأقرّر من يحصل عليها ومن لا يحصل”. حان الوقت للطبيب لبدء رؤية مرضى ذلك اليوم. تحرّك رجل قصير القامة في منتصف العمر، مرتدياً كمامة وقبّعة تزلج، بهدوء نحو المكتب، وهو يمسك بقوّة أحدث نتائج فحوصه. صافح راميريز الرجل، ثم شرع في مناقشة ما يمكنه – وما لا يمكنه – أن يفعله من أجله. المساهمون: إيكو هوي؛ أندريس بيرموديث لييفانو؛ إيفان رويز؛ هلا نصر الدين؛ لارس بوفه؛ زوزانا فيرث؛ زيتا سوبكو؛ بلين أونكر؛ سيرخيو سيلفا نوما؛ كارلوس كارابانيا؛ غابي دي خروت؛ ثيو فاسن؛ مارييل فيتز باتريك؛ جيون كيم؛ كريستوف كليريكس؛ غلوريا ريفا؛ فرانسيسكا سكوكْنِك؛ هوغو ألكونادا مون؛ ناتاشا كامبرونيرو؛ آن–صوفي لوركان؛ يِسْواري بالانصامي؛ ماريا كريستوف؛ صوفيا شتال؛ جودي غارسيا؛ غييرمي والتنبرغ؛ شتيفان ميليخار؛ دِسْبينا بابايوغيو؛ فيوليتا سانتياغو؛ فابْيولا توريس؛ فيونا ووكر؛ أنجِلا ميليفوييفيتش؛ آيمي دمبسي؛ جيسي ماكلين؛ ميغان أوغيلفي؛ جاكوب بورغ؛ ديرك فاتفارفال؛ مارتين روسينغ؛ كيرسي كاربينن؛ مينا كنوس–غالان؛ بريندا مدينا؛ دينيس أجيري؛ أغوستين أرمنداريس؛ يلينا تسوسيتش؛ إيزابيلا كوتا؛ خيسوس إسكوديرو؛ ميغيل فياندور غوتييريث؛ ميكاه رِدّي؛ جوانا روبن؛ ديفيد رويل؛ ريتشارد إتش. بي. سيا؛ دين ستاركما ن؛ فيرغس شيل؛ آنّيس شين؛ أنجي وو. مركز الصحافيين الاستقصائيين الدوليين - ICIJكيف حوّلت “ميرك” دواءها العجيب إلى منتجٍ فائق الربح وحرمت مرضى السرطان حول العالم من الحصول عليه13.04.2026تيمة حطيط انفجار المرفأ قتل زوجها وغارة إسرائيلية قتلتها: مأساة علا العطّار11.04.2026الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 11.04.2026كيف يعيش إيرانيون في سوريا بعد سقوط الأسد؟ برز الحضور الإيراني في سوريا بشكل خاصّ غداة اندلاع ثورة آذار/ مارس 2011، ومسارعة طهران إلى مساندة نظام بشّار الأسد في قمع المحتجّين على امتداد السنوات اللاحقة. لكنّ حضور الإيرانيين في سوريا لم يكن نتيجة الثورة السورية وحدها، بل سابق على ذلك بكثير، إذ يعيش في سوريا جالية إيرانية يعود جذور بعض أفرادها إلى زمن…الأكثر قراءة[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]انفجار المرفأ قتل زوجها وغارة إسرائيلية قتلتها: مأساة علا العطّار11.04.2026حرب الروايات: الاختصاص الأخير لـ”حزب الله” 11.04.2026كيف يعيش إيرانيون في سوريا بعد سقوط الأسد؟ 11.04.2026أبطال شارع بربور قبل الغارة الإسرائيلية11.04.2026كيف حوّلت “ميرك” دواءها العجيب إلى منتجٍ فائق الربح وحرمت مرضى السرطان حول العالم من الحصول عليه13.04.202633:18جدل واسع أثاره مشروع قانون الانتظام المالي، أو ما يُعرف بالفجوة المالية المعني بتوزيع خسائر الانهيار المصرفي والمالي، الذي يعيشه لبنان منذ العام ٢٠١٩. الخبير الاقتصادي الدكتور توفيق كسبار يشرح في مقابلة مع "درج" مقاربته لمشروع القانون.28.01.202633:37سنة على سقوط نظام الأسد ورفع جزء من العقوبات، ولا يزال أكثر من 90٪ من السوريين تحت خطّ الفقر، رغم الوعود الكبرى بالاستثمار وإعادة الإعمار. في هذه الحلقة من "ريل توك"، تحاور الصحافية اللبنانية هلا نصرالدين الباحث والأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي السويسري–السوري الدكتور جوزيف ضاهر، المتخصّص في الاقتصاد السياسي لسوريا وحركات الإسلام السياسي، خصوصاً "حزب…28.01.2026مركز الصحافيين الاستقصائيين الدوليين - ICIJالولايات المتحدة الأميركية13.04.2026زمن القراءة: 33 minutesشيّدت شركة الأدوية العملاقة حصناً من البراءات، وتاجرت بالسرّية، ومارست ضغطاً مكثّفاً بلا هوادة لحماية نبع إيراداتها الأساسي: “كيترودا”. سيدني بي. فريدبرغ وبريندا مدينا ودينيس أجيري  قبل أيّام قليلة من عيد الميلاد 2025، احتشد قادة تسع شركات أدوية في “غرفة روزفلت” في البيت الأبيض، حيث كان وسام نوبل للسلام العائد لتيدي روزفلت للعام 1906 معلّقاً ذات يوم.  وقف المصوّرون يتزاحمون لالتقاط الصور فيما كان التنفيذيون ــ ثلاث نساء وستّة رجال ــ يقفون في حالة ارتباك، يطرقون الأرض بأقدامهم ويقرعون بأصابعهم في انتظار الرئيس دونالد ترامب. كان رؤساء شركات الأدوية هؤلاء قد أبرموا جميعاً صفقات لخفض أسعار بعض من أبرز أدويتهم. مرّ ما يقرب من 15 دقيقة قبل أن يدخل ترامب الغرفة، يتبعه وزير الصحّة والخدمات الإنسانية روبرت ف. كينيدي الابن وعدد من كبار المسؤولين. ألقى الرئيس نظرة على التنفيذيين، وقال: “يا لها من مجموعة من الأشخاص”، وأضاف: “إنهم يجنون الكثير من المال”. مجتمعةً، تجاوز إجمالي تعويضاتهم السنوية 100 مليون دولار، لكنّ واحداً فقط ــ المحامي التنفيذي ذو النظارات واللحية الصغيرة ــ كان على رأس إمبراطورية دوائية بقيمة 65 مليار دولار، تمتلك دواء منقذاً للحياة، لا يستطيع معظم سكّان العالم تحمّل كلفته: روبرت إم. ديفيس، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة شركة “ميرك وشركاه”، مصنّع الدواء المضادّ للسرطان ذائع الصيت “بيمبروليزوماب”، الاسم التجاري: “كيترودا”. وعد ترامب بأن أسعار الأدوية ستهبط “بسرعة وعنف” بفضل الصفقات الجديدة، وقبل أن تنتهي المراسم، تقدّم كلُ مدير تنفيذي إلى منصّة الخطابة لقول بضع كلمات، وعندما جاء دور ديفيس، أعلن دعمه “بنسبة 100%” لإجراءات الرئيس. قال ديفيس: “أستحضر هدفكم المتمثّل في تعزيز القدرة على تحمّل التكاليف وتوسيع الوصول للأميركيين، وأيضاً في رفع الأسعار خارج الولايات المتّحدة”. تعهّد بأن تخفّض “ميرك” أسعار دواء لمرض السكّري وحبّة لعلاج أمراض القلب والأوعية الدموية، لكنّه لم يقل شيئاً عن خفض كلفة “كيترودا”، الذي بلغت مبيعاته 31.7 مليار دولار في عام 2025، وشكّل ما يقرب من نصف إيرادات “ميرك”.  في الواقع، كانت شركة الأدوية العملاقة، ومقرّها نيوجيرسي، تجعل الحياة أكثر صعوبة لكثير من مرضى السرطان حول العالم. يكشف تحقيق أجراه “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، كيف أن إحدى أكبر شركات الأدوية في العالم استخدمت عدداً من الأساليب لزيادة حجم الوصفات الطبّية والحفاظ على سعر الدواء مرتفعاً عبر الضغط السياسي، ومن خلال السعي إلى تأخير وصول نسخ أرخص من الدواء إلى مئات الآلاف من مرضى السرطان في السنوات المقبلة.  يحدث ذلك في وقت تُنفق فيه حكومات حول العالم مبالغ متزايدة على “كيترودا”، وفي ظلّ أسعار باهظة، تتراوح من نحو 80 ألف دولار كلفة علاج عام واحد في ألمانيا، إلى 208 آلاف دولار في الولايات المتّحدة، و93 ألف دولار في لبنان، ونحو 130 ألف دولار في كولومبيا، و65 ألف دولار في جنوب أفريقيا، وصولاً إلى 116 ألف دولار في كرواتيا. يشكّل السرطان تهديداً متنامياً للصحّة العامّة، إذ يتسبّب بما يقرب من حالة وفاة واحدة من بين ستّ حالات وفاة في العالم، وتشير التوقّعات إلى ارتفاع معدّلات السرطان، خصوصاً في البلدان منخفضة الدخل حيث يظلّ “كيترودا” غير متاح إلى حدّ كبير بسبب كلفته.  ومن المتوقّع أن تقفز حصيلة الوفيات بنسبة 75% لتصل إلى 18.6 مليون حالة في عام 2050، في حين تتجاوز كلفة بعض العلاجات الجديدة بالفعل مليون دولار للمريض الواحد. إن العيش مع تشخيص السرطان أو بعده يفرض أعباء عميقة ــ جسدية وعاطفية ومالية. بعض المرضى يائسين إلى حدّ يدفعهم إلى اللجوء إلى السوق السوداء للحصول على “كيترودا” بسعر أقلّ، مع أنهم لا يعرفون ما إذا كان ما يشترونه هو الدواء فعلاً أم نسخة مقلّدة. مرضى آخرون يسعون إلى الحصول على “كيترودا” يواجهون عقبات بيروقراطية قاسية وينتهي بهم الأمر إلى مقاضاة حكوماتهم طلباً لإتاحة الدواء، ولا ينجو جميعهم وقتاً كافياً لمعرفة حكم المحكمة. تصوّر تقارير شركاء “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، في ستّ قارات مشهداً من تباينات عميقة وخطِرة: في الهند، تعتمد العائلات التي تسعى للحصول على “كيترودا” على شبكة أمان مهترئة: تغطية تأمينية ضعيفة، وبرنامج مساعدة المرضى التابع لـ”ميرك”، وأموال يدفعونها من جيوبهم مباشرة.  في البرازيل، سابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، لا يستطيع معظم مرضى السرطان تحمّل كلفة “كيترودا”، ويلجأ الآلاف إلى المحاكم للحصول عليه.  في جنوب أفريقيا، حيث لا يستطيع غالبية المواطنين تحمّل كلفة الرعاية الصحّية الخاصّة، وحيث يقلّ الدخل الشهري النموذجي للأسرة عن 500 دولار، تبلغ كلفة الجرعة الواحدة من “كيترودا” نحو عشرة أضعاف ذلك: 4,904 دولارات. في المملكة المتّحدة، تُظهر الأبحاث أن “كيترودا” يتصدّر قائمة الأدوية التي تدفع “هيئة الخدمات الصحّية الوطنية”؛ المثقلة بالضائقة المالية، مبالغ مبالغاً فيها لقاءها. فبالنسبة لبعض مرضى سرطان الرئة، تدفع الهيئة ما يساوي خمسة أضعاف ما ينبغي أن تدفعه مقابل “كيترودا”، وفقاً لبيانات الجدوى الاقتصادية من جامعة يورك التي شاركتها مع “مكتب الصحافة الاستقصائية”، شريك “الاتّحاد الدولي” في المملكة المتّحدة.  وفي غواتيمالا، اضطرّ طبيب يعمل في ظلّ محدودية الوصول إلى الدواء، إلى اختيار مريضين اثنين فقط من بين العديد من مرضاه لتلقّي العلاج به. قال خوليو راميريز رئيس وحدة الأورام في المستشفى العام الإقليمي في كويتزالتينانغو، ثاني أكبر مدينة في غواتيمالا: “ما الذي تبقّى لي لأقوم به؟ أن ألعب دور الإله؟ المريض الأوّل الذي يصل، هو من سأمنحه العلاج، لأن هذا كلّ ما بوسعي أن أفعله”. “أرباح مرض السرطان” (The Cancer Calculus)، وهو تحقيق استقصائي استمرّ عامّاً كاملاً أنجزه “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، بالتعاون مع  ICIJ  و 47 شريكاً إعلامياً في 37 دولة، ويستند إلى مئات المقابلات مع مختصّين بالأورام، ومرضى سرطان وعائلاتهم، وخبراء في البراءات، وجهات تنظيمية، ومطّلعين من داخل صناعة الأدوية، وغيرهم، إضافة إلى بيانات حصرية عن الأسعار وتحليلات للبراءات، وآلاف الصفحات من عروض الشركات التقديمية، ووثائق هيئات البراءات، والدعاوى القضائية، وسجلّات الشركات والجهات الرقابية. كما كشف شركاء ICIJ الإعلاميون عن سجلّات صحّية عامّة، ومحاضر اجتماعات، وبيانات تتعلّق بالتسعير والتعويضات، ووثائق أخرى حصلوا عليها عبر ما لا يقلّ عن 1,018 طلباً للحصول على معلومات في 27 دولة. يبحث هذا التحقيق في كيفية استخدام شركة “ميرك” المعروفة باسم MSD خارج الولايات المتّحدة وكندا، أساليب هجومية لكنّها قانونية، لزيادة عائداتها من “كيترودا” وتحويله إلى واحد من أكثر الأدوية مبيعاً في التاريخ، وذلك على حساب بعض المرضى. ومن بين ما توصّل إليه المشروع نورد ما يلي: استغلّت “ميرك” إلى جانب كيانات دوائية وطبّية أخرى، نظام البراءات لبناء “حصن” حول “كيترودا”، يضمّ ما لا يقلّ عن 1,212 طلب براءة في 53 بلداً ومنطقة وإقليماً. يمكن لسيل البراءات اللاحقة هذا أن يساعد “ميرك” على خنق المنافسة والحفاظ على الأسعار المرتفعة ــ وما يوازيها من مليارات الدولارات في الإيرادات ــ لمدّة 14 عاماً بعد انتهاء براءاتها الأصلية في عام 2028. يقول بعض أبرز باحثي السرطان إن “ميرك” روّجت لجرعة من “كيترودا” أعلى ممّا يلزم فعلياً، وبحسب باحثين في “منظّمة الصحّة العالمية”، قد تُكلّف هذه الجرعة العالم نحو 5 مليارات دولار لمرضى سرطان الرئة وحدهم بحلول العام 2040. استفادت شركة الأدوية العملاقة من ثغرات في الأطر التنظيمية للقطاع، وساهمت في تنظيم حملة ضغط سياسي عالمية مكلفة، وعملت في ظلّ قدر كبير من انعدام الشفافية في التسعير، كما دفعت عشرات ملايين الدولارات في الولايات المتّحدة على شكل “أتعاب استشارية” وتكاليف سفر ومدفوعات أخرى مرتبطة بـ”كيترودا”، لأطبّاء ومهنيين في قطاع الرعاية الصحّية. تدرّ جميع هذه الاستراتيجيات إيرادات لصالح “ميرك”، إذ يأتي نحو 60% من مبيعات “كيترودا” من السوق الأميركية. ويُظهر تحليل أجراه “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” أن “ميرك” حقّقت نحو 163 مليار دولار من مبيعات “كيترودا” منذ العام 2014، ووصل الدواء إلى أكثر من 3 ملايين شخص، ووجّهت الشركة ما يقرب من 75 مليار دولار كأرباح موزّعة للمساهمين، و43 مليار دولار أخرى لعمليّات إعادة شراء الأسهم، في الوقت الذي خفّضت فيه ضرائبها في الولايات المتّحدة عبر تسجيل أرباحها في ولايات قضائية أقلّ ضرائب.  وفي تقريرها السنوي للعام 2025، كشفت “ميرك” أنها دفعت نحو 1.6 مليار دولار ضرائب دخل في الولايات المتّحدة، مقابل 4.5 مليارات دولار في دول أخرى، بينها 2.1 مليار دولار في سويسرا. رفض ديفيس التعليق، لكنّ نائبة الرئيس الأولى في “ميرك” يوهانا هيرمان، دافعت عن سياسات التسعير التي تنتهجها الشركة، قائلة إن سعر “كيترودا”: “يعكس قيمته بالنسبة إلى امرضى وأنظمة الرعاية الصحّية”، وأضافت في رسالة إلى “الاتّحاد الدولي”: “لدينا تاريخ طويل في تسعير أدويتنا على نحو مسؤول، بما يعكس قيمتها للمرضى والدافعين والمجتمع”. أقرّت هيرمان في رسالة منفصلة، بأن “ميرك” تواجه “ضغوطاً سياسية وتجارية متزايدة” بشأن إتاحة الدواء وتسعيره في الأسواق الناشئة، لكنّها قالت إن الشركة تعمل لضمان أن تكون الرعاية الصحّية “ميسّرة الكلفة، وفعّالة، وعادلة، ومستدامة على المستوى العالمي”. وجدنا في تغطيتنا أن سلوك “ميرك” كان نموذجياً في صناعة الأدوية، وأن الشركة لم تكن حالة شاذّة من حيث ممارساتها التجارية عموماً، لكنّ النمو الهائل في أعمال “كيترودا” والاهتمام غير المسبوق به قد يدفعان حدود ما يُعدّ مقبولاً وفق معايير القطاع. قال بيتر مايباردوك مدير برنامج “الحقّ في الوصول إلى الأدوية” في منظّمة “بابلك سيتيزن” غير الربحية والمعنيّة بالدفاع عن المستهلكين في واشنطن، إن صناعة الأدوية كوّنت نظاماً من القواعد العالمية لحماية شركات الأدوية، وضمان أن تدافع الحكومات الغنيّة عنها، وأضاف: “هناك بنية كاملة تستند إليها كيترودا وكلّ دواء محميّ ببراءة اختراع، حيث تقف الحكومة الأميركية وأوروبا في صف الصناعة وقواعدها”. يتّسم هذا النظام بأسئلة كبرى حول كيفية تأثير ممارسات “ميرك” وسائر شركات “بيغ فارما” في مستقبل صحّتنا الجماعية، وغالباً ما تكون كيفية تطوّر هذا النظام قصّة تغليب للأرباح على المرضى، وبالنسبة إلى من يملكون ومن لا يملكون في هذا العالم، يمكن أن تكون أيضاً قصّة من يعيش ومن يموت. روب ديفيس البالغ 59 عاماً، نشأ في مدينة فرانكلِن في ولاية إنديانا، وهي بلدة زراعية تبعد 20 ميلاً جنوب إنديانابولِس، في ظلّ شركة “إيلي ليلي”، إحدى أكبر شركات الأدوية في العالم. عمل لدى هذه الشركة مدّة 14 عاماً، بينما كان يدرس في الوقت نفسه إدارة الأعمال والقانون. حين كان والده موريس، وهو مدقّق حسابات، يكافح مرض السرطان، ذهب ديفيس إلى مقابلة عمل مع الرئيس التنفيذي لـ”ميرك” آنذاك كِن فريزر، وفي ختام لقائهما، وجّه فريزر ديفيس نحو صورة قرب الباب؛ أراد أن يريه شريحة “باوربوينت” ملصقة على الحائط، كما روى ديفيس في مقابلة في عام 2024 في كليّة الحقوق في جامعة نورثويسترن، كانت الشريحة تُظهر أنواعاً مختلفة من الأورام واستجابتها لـ”كيترودا”. قال له فريزر: “لهذا السبب عليك أن تأتي إلى ميرك، لأننا سنُحدث فرقاً حقيقياً”. التحق ديفيس بـ”ميرك” بصفة المدير المالي في ربيع 2014، قبل بضعة أشهر من وفاة والده بسرطان الرئة عن 82 عاماً، وقال في المقابلة: “أتساءل ماذا كان سيحدث لو أن هذا الدواء كان متاحاً قبل 10 سنوات، عندما كان والدي يخوض معركته”. وبينما كان ديفيس يستقرّ في منصبه الجديد، كانت “ميرك” تستعدّ لطرح “كيترودا” لعلاج الميلانوما، أكثر أنواع سرطان الجلد فتكاً، وكان السعر المبدئي المتوقّع في الولايات المتّحدة نحو 12,500 دولار شهرياً، أو 150 ألف دولار سنوياً. عندما ظهر الدواء، أحدث ثورة في علاج السرطان، ففي فئة من أدوية المناعة تُعرف باسم مثبطات نقاط التفتيش المناعية، حوّل “كيترودا” التركيز من مهاجمة الأورام مباشرة إلى تمكين الجهاز المناعي من قتالها، وهو الآن معتمد في الولايات المتّحدة لعلاج 19 نوعاً من الأورام، بينها سرطانات الجلد والرئة والثدي والقولون، وقد أصبح شريان حياة لملايين المرضى، إذ حوّل أشكالاً متقدّمة من السرطان كانت مميتة في السابق إلى أمراض يمكن التعايش معها، ورفع معدّلات البقاء على قيد الحياة لدى مرضى آخرين يعانون من سرطانات يصعب علاجها، أحياناً لأشهر، وأحياناً لسنوات. قالت كارولينا غارثيا كورسيني لمراسل “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، بينما كانت في مزار كاثوليكي في مدريد: “بعد كلّ هذه السنوات ما زلت آتي إلى هنا لأقدّم الشكر، على حياتي، على أنني ما زلت حيّة”.  كانت غارثيا الصحافية السابقة والأم لثلاثة أطفال تعيش في العاصمة الأسبانية، في السابعة والثلاثين من عمرها وحاملاً في شهرها الرابع حين شُخّصت إصابتها بالميلانوما المنتشرة في شباط/ فبراير 2011، وقد وصلت الأورام إلى ثديها الأيسر. بعد أن حصلت على مكان ثمين في أوّل تجربة سريرية لـ”كيترودا”، بدأت تسافر إلى باريس كلّ بضعة أسابيع لتلقّي العلاج، وبعد 14 عاماً وهي في حالة هدوء مرضي، قالت: “أنا مقتنعة بأنه معجزة”. هذه التجارب ليست سوى بعض الأسباب التي جعلت “ميرك” تحتلّ اليوم المرتبة 65 على قائمة “فورتشن 500″، مع إيرادات من أعمال “كيترودا”، تفوق إيرادات “ماكدونالدز” أو الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية (NFL) بأكمله. اليوم، وبصفته الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة “ميرك”، ورئيس جماعة الضغط التجارية النافذة PhRMA، يروّج ديفيس لركائز أساسية في أجندة الصناعة: أن حماية البراءات والأسعار المرتفعة تساعد شركات الأدوية على استرداد المليارات التي تُنفق على تطوير الأدوية الجديدة وإيصالها بأمان إلى المرضى على نطاق واسع.  تمتدّ هذه العملية عادةً على عقد أو أكثر، وتتيح البراءة الأميركية، التي تدوم عادة 20 عاماً من تاريخ تقديم الطلب، للشركات أن تتمتّع بهيمنة في السوق، وتفرض أسعاراً أعلى، وتستردّ تكاليف البحث والتطوير، وتحقّق أرباحاً لتمويل أبحاث مستقبلية.  قال ديفيس في شهادة أمام الكونغرس في عام 2024: “إن ميرك استثمرت 46 مليار دولار في بحث وتطوير وتصنيع كيترودا بين العامين 2011 و2023″، وأشار إلى “أكثر من 2,200 تجربة سريرية – أجرتها ميرك وباحثون آخرون – لدراسة كيترودا”، وأن “الشركة تخطط لاستثمار 18 مليار دولار إضافي في الدراسات السريرية لدواء كيترودا حتى ثلاثينيات هذا القرن”. لكنّ تحليلاً جديداً أجرته منظّمة Public Eye، وهي منظّمة سويسرية غير ربحية تُعنى بمساءلة الشركات، يُقدِّر أن كلفة البحث والتطوير لدواء “كيترودا” تبلغ 1,9 مليار دولار – أي نحو 1% فقط من إيراداته العالمية منذ طرحه في عام 2014. وإذا أُضيفت كلفة التجارب السريرية الفاشلة، ترتفع التقديرات إلى 4,8 مليارات دولار، أو ما يعادل 3% من عائدات الدواء.  ويقول باتريك دوريش الخبير الصيدلاني في Public Eye، إن هذه الأرقام استندت إلى مراجعة التجارب السريرية لـ”كيترودا” ومتوسّط تكاليفها، وهي تشكّل الحصّة الأكبر من نفقات البحث والتطوير. قال دوريش إن أرقام ديفيس “غير قابلة للتحقق على الإطلاق”، وأضاف: “يمكن لميرك أن تطرح أيّ رقم تشاء – مرتفعاً قدر الإمكان – لتبرير السعر الفاحش”، وتابع: “إن حصّة تكاليف البحث والتطوير مقارنة بسعر القارورة ضئيلة للغاية وقد استُردّت منذ زمن طويل. لذا فالسعر مرتفع بشكل مفرط، ليس لتغطية تكاليف البحث والتطوير أو التحوّط للمخاطر، بل لتحقيق أقصى قدر من الأرباح”. قال ناثان تشيرني المختصّ بالأورام ومدير وحدة آلام السرطان وطبّ الرعاية التلطيفية في مركز “شعاري تسيديك” الطبّي في إسرائيل: “إن عاصفة مثالية أدّت إلى الارتفاع الشديد في كلفة كيترودا”، وقد بدأت هذه العاصفة في عام 2003 عندما أقرّ الكونغرس الأميركي “بند عدم التدخّل” ضمن قانون “ميديكير”، الذي ألزم الحكومة بالقبول بأسعار القائمة التي يضعها مصنّعو الأدوية الجديدة من دون أيّ مفاوضات حول الأسعار، ورغم أن البند منع الحكومة الفدرالية من التفاوض على الأسعار، قدّمه أنصاره بوصفه تعزيزاً – لا تعليقاً – لقوى السوق، من خلال نقل قوّة التفاوض إلى الخطط الخاصّة بدلاً من الحكومة. قال تشيرني لـ”الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”: “كان ذلك تعليقاً لقوى السوق”، مضيفاً أن “أثره امتدّ إلى أنحاء العالم”. كانت حملة الترويج لـ”كيترودا” في عامها الثاني عندما أدّى تطوّر استثنائي إلى طفرة علاقات عامّة هائلة: ففي عام 2015، استخدم أطبّاء جيمي كارتر دواء “كيترودا” بنجاح لعلاج سرطان الجلد الفتّاك الذي أصاب الرئيس الأميركي الأسبق، وكان قد انتشر إلى كبده ودماغه وهو في الحادية والتسعين من عمره. تهافت المرضى على طلب “دواء الرئيس”، وعاش كارتر حتى بلغ المئة. أما على مستوى خطّة “كيترودا” التجارية، فقد اعتمدت “ميرك” على استراتيجيات مستقاة مباشرة من “كتيّب” صناعة الأدوية الذي ترسّخ في الولايات المتّحدة ثم انتشر عالمياً: استندت إلى أبحاث مموّلة من أموال دافعي الضرائب، واستراتيجيات تسعير سرّية، واختصارات تنظيمية أتاحت لـ”ميرك” دخول السوق مبكراً وبيع “كيترودا” بأسعار مرتفعة – حتى قبل توفّر أدلّة سريرية كاملة.  قالت شركة “ميرك” إن دواء “كيترودا” حصل على 19 موافقة “معجَّلة” في الولايات المتّحدة، ضمن برنامج تنظيمي خاصّ صُمّم لتسريع تطوير الأدوية الجديدة للحالات الخطيرة أو المهدِّدة للحياة، لكنّ هذا النوع من الموافقات يثير جدلاً بسبب دخول الأدوية إلى السوق في مراحل مبكرة، وارتفاع أسعارها المتكرّر، وأحياناً هشاشة الأدلّة السريرية الداعمة لها. فقد سحبت “ميرك”، على سبيل المثال، اثنين من استخدامات “كيترودا” التي حصلت على موافقة معجّلة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، بعد أن تبيّن أنها لا تحقّق فوائد كافية. وتصرّ “ميرك” على أنها كانت حذرة في استخدام هذا البرنامج. كما يُظهر تحقيقنا كيف استفادت “ميرك” من تصنيف “دواء اليتيم”، وهو فئة تمنح حوافز للشركات لتطوير أدوية للأمراض النادرة. وقد حصلت “ميرك” على تسعة تصنيفات منفصلة كـ”دواء يتيم” لدواء واحد هو “كيترودا”. وتتوسّع ممارسة أخرى عالمياً لدى “ميرك” هي تمويل مجموعات المرضى التي تدافع عن تغطية التأمين، وتضغط على الحكومات، وتدعم تسريع الموافقات التنظيمية، إضافة إلى ضخّ الأموال في مدفوعات للأطبّاء وغيرهم من مهنيي الرعاية الصحّية. ففي الولايات المتّحدة وحدها، تُظهر السجلّات أن “ميرك” أنفقت ما يقرب من 52 مليون دولار على رسوم مرتبطة بـ”كيترودا” لمهنيي الرعاية الصحّية بين العامين 2018 و2024، حصل خمسة أطبّاء منهم على أكثر من مليون دولار لكلّ واحد. وتقول “ميرك” إن هذا النوع من المدفوعات يساعد في إطلاع مجتمع الرعاية الصحّية على “كيترودا”، مما يحسّن رعاية المرضى في نهاية المطاف. لكنّ دراسة أُجريت في الولايات المتّحدة لصالح “المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية”، وجدت أن وصف الأطبّاء لأدوية السرطان التي تُعطى في العيادات، مثل “كيترودا”، ارتفع بنسبة 4% خلال الأشهر الاثني عشر التي أعقبت تلقّي مهنيي الرعاية الصحّية أموالاً من شركة دواء، وقد أدّت تلك المدفوعات – التي شملت وجبات، وسفراً، وبحثاً، واستشارات، وأتعاب محاضرات – إلى زيادة إنفاق الأطبّاء على أدوية السرطان من دون أيّ تحسّن في معدّلات بقاء المرضى على قيد الحياة، بحسب ما خلصت إليه الدراسة. لم تكن المدفوعات إلى جمعيات المرضى أقلّ إثارة للانتباه. فقد دفعت “ميرك” في الولايات المتّحدة عشرات ملايين الدولارات لجماعات الضغط والدعم الخاصّة بالمرضى بين العامين 2017 و2025. وفي بلجيكا، كشف تحقيق لصحيفة De Tijd أن نحو 12 جمعية للمرضى ومنظّمة تُعنى بالدفاع عن رعاية مرضى السرطان، تلقّت ما يقارب 1,8 ملايين دولار من الفرع البلجيكي لـ”ميرك” بين العامين 2022 و2024، فيما ضغطت بعض هذه الجهات لتبنّي مواقف تنسجم مع مساعي الشركة إلى توسيع وصول المرضى إلى أدوية السرطان التي تنتجها، وإلى الحصول على إعانات عامّة إضافية. وفي ردّها على أسئلة الصحيفة، شدّدت عدّة جمعيات على أنها تعمل باستقلالية عن شركات الأدوية ولا تقدّم أيّ مقابل لقاء هذا الدعم المالي. دافعت “ميرك” عن هذه الممارسات، وجاء في بيان وجّهته إلى ICIJ: “نوضح بشكل صريح أن أيّ تعاون أو تمويل يطال منظّمات المرضى هو مستقلّ بالكامل عن تقييمات تكنولوجيا الصحّة (health technology appraisals)، ولا يمكن اعتباره بأيّ شكل من الأشكال حافزاً لوصف دواء ما أو التوصية به أو تقييمه إيجاباً”. بحلول العام 2021، كان كبار العلماء داخل إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) يعبّرون عن قلقهم من النمو الانفجاري لعلاجات المناعة، التي يهيمن عليها “كيترودا”. كتب ريتشارد بازدور الذي كان آنذاك رئيس وحدة الـ FDA المعنيّة بتحسين تطوير أدوية السرطان، وجوليا أ. بيفر التي كانت في ذلك الوقت كبيرة أطبّاء الأورام في الإدارة، في مجلّة New England Journal of Medicine في كانون الأوّل/ ديسمبر 2021: “إن النمو غير المقيّد والسريع لمثبطات نقاط التفتيش أدّى إلى حالة من “الغرب المتوحّش” في تطوير الأدوية، تتّسم باندفاع عارم للرعاة التجاريين، وتجارب سريرية وخطط تطوير متكرّرة”، وقد ندّدا بسوق يزداد ازدحاماً وارتباكاً، ويريان أنه أدّى إلى عدد مفرط من التجارب السريرية، وعلاجات متكرّرة، واستخدام غير فعّال للموارد، وكثرة الاختبارات التشخيصية لاختيار المرضى. ورغم أن العلاج المناعي يقدّم نتائج تغيّر الحياة وأحياناً تبدو معجزية لعدد صغير من مرضى السرطان، فإنه فشل في مساعدة كثيرين غيرهم، واشتكى بعضهم من أن الأطبّاء قلّلوا من شأن المخاطر. تضخّمت مبيعات “كيترودا” عالمياً، فبين العامين 2020 و2024، وبحسب بيانات مبيعات حصرية قدّمها معهد IQVIA Institute for Human Data Science إلى ICIJ، ارتفعت المبيعات بنسبة 232% في فرنسا لتصل إلى 2.8 مليارات دولار، وبنسبة 265% في البرازيل إلى 753.7 ملايين دولار، وبنسبة 491% في المكسيك إلى 137.3 ملايين دولار، وبنسبة 584% في تركيا إلى ما يقارب 100 مليون دولار. هذا المشهد الجديد أثار أسئلةً إضافية لدى أطبّاء الأورام وشركات التأمين: أيّ العلاجات يناسب أيّ المرضى؟ وما هي الجرعات المناسبة، وتواترها، ومدّة العلاج؟ وكيف يمكنهم تقييم قيمة هذه العلاجات الجديدة جميعها؟ استشهد ولف–ديتر لودفيغ، المختصّ بالأورام الذي ترأّس لجنة الأدوية في الجمعية الطبّية الألمانية لمدّة 18 عاماً، بدواء “كيترودا” مثالاً على “أين يُنفق قدر مفرط من الأموال في نظام رعايتنا الصحّية”، وقال لشركاء ICIJ في Paper Trail Media: “إن الدواء أحدث فرقاً مهمّاً في بعض أنواع السرطان، لكنّه نادراً ما يؤدّي إلى الشفاء، ولا يبرّر سعره المرتفع”، وأضاف أن “شركات الأدوية كثيراً ما تستخدم مصطلح “مغيِّر قواعد اللعبة”، لكنّ الأمر في الجوهر يتعلّق بشيء واحد: التسويق الجيّد”. أظهر تحليل أُجري لصالح ICIJ أن النمو السريع في عائدات “كيترودا” يعود في نهاية المطاف بدرجة أكبر إلى ارتفاع عدد المرضى الذين يتلقّون العلاج وزيادة عدد الوصفات، أكثر من كونه نتيجة لزيادة الأسعار، وقد وصلت نفقات الأدوية المدفوعة مثل “كيترودا”، إلى مستويات قياسية في العقد الثالث من الألفية، وتقول “ميرك” إنها تسعّر منتجاتها بشكل مختلف من سوق إلى أخرى، وأحياناً داخل السوق نفسها، لضمان وصولها إلى أكبر عدد ممكن من المرضى. لكن مع تفاقم الأزمة العالمية الناجمة عن الارتفاع الصاروخي في أسعار الأدوية، عبّر ديفيس عن قلقه بشأن الأعباء المالية الواقعة على مرضى السرطان، وقد كان هناك الكثير من تلك الأعباء. فمنذ طرح “كيترودا” في السوق في عام 2014، وثّق ICIJ 632 حالة في 51 بلداً لجأ فيها المرضى إلى منصّة GoFundMe وغيرها من منصّات التمويل الجماعي، لجمع المال لتغطية علاجهم بالدواء. قال الرئيس التنفيذي لـ”ميرك” للمستثمرين في مؤتمر للرعاية الصحّية في عام 2021: “علينا أن نركّز جهودنا على خفض التكاليف التي يدفعها المرضى من جيوبهم مباشرة. هذا هو محور الأمر”. تحقيق ICIJ كشف أن الأسعار الرسمية التي تحدّدها “ميرك” – أي الأسعار الأوّلية غير المخفّضة – تختلف اختلافاً كبيراً بين البلدان، إذ تتراوح بين نحو 850 دولاراً للقارورة الواحدة بتركيز 100 ملغ في إندونيسيا، و6,015 دولاراً للقارورة نفسها في الولايات المتّحدة. وتنبع الفوارق الهائلة من حسومات سرّية وتخفيضات تُطبَّق على الأسعار الرسمية في دول مختلفة، فضلاً عن اختلاف طرق تحديد تكاليف الأدوية في أنظمة الرعاية الصحّية. ففي الولايات المتّحدة، مثلاً، لا توجد سقوف للأسعار لمعظم الأدوية الموصوفة، وغالباً ما يحدّد المصنّعون الأسعار بأنفسهم، أما في بلدان أخرى كثيرة، فتتفاوض الحكومات مع شركات الأدوية لتحديد السعر. ومن السمات الشائعة لأنظمة تسعير الأدوية حول العالم أنها تقوم على السرّية. فقد رفض ما لا يقلّ عن ستّ جهات رسمية في أنحاء مختلفة من العالم الكشف لـ ICIJ وشركائه الإعلاميين عن تفاصيل الإنفاق العام على “كيترودا” أو أعداد المرضى الذين يتلقّون الدواء، مستندين إلى تبريرات متعدّدة؛ من بينها أن تلك الجهات أو شركة “ميرك” اعتبرت المعلومات “سرّاً تجارياً”. ورغم السرّية الشديدة، حصل ICIJ على الأسعار الرسمية لـ”كيترودا”، وكذلك الأسعار القصوى للبيع، وقارنها في 31 بلداً، ووجدت المنظّمة فروقاً كبيرة في القدرة على تحمّل الكلفة، إذ كان “كيترودا” أقلّ قدرة على التحمّل نسبياً في البلدان الأفقر. ففي جنوب أفريقيا، مثلاً، يبلغ السعر الرسمي لـ”كيترودا” (باستثناء الضرائب والرسوم) نحو 3,800 دولار للجرعة الواحدة بتركيز 200 ملغ – أي ثلث السعر الرسمي في الولايات المتّحدة. ومع ذلك، يظلّ “كيترودا” أقلّ قدرة على التحمّل بكثير في جنوب أفريقيا، حيث لا يستطيع شخص يتقاضى الدخل الوسيط شراء جرعة واحدة خلال عام، بينما يستطيع مريض في الولايات المتّحدة يتقاضى الدخل الوسيط تحمّل كلفة أقلّ من خمس جرعات في السنة. وفي الوقت نفسه، تُظهر تحليلات ICIJ أن الأميركيين من ذوي الدخل الوسيط يمكنهم تحمّل قدر أقلّ من “كيترودا” مقارنةً بمن يتقاضون الدخل الوسيط في بعض الدول الأوروبية الغنيّة، مثل فرنسا وبلجيكا. وفي دول أوروبا الشرقية الأفقر، مثل بلغاريا والمجر، يميل “كيترودا” إلى أن يكون أقلّ قدرة على التحمّل مقارنةً بدول أوروبا الغربية الأوفر ثراءً، بحسب تحليل المقارنة السعرية الذي أجراه ICIJ. وفي المكسيك وعدة بلدان أخرى في أميركا اللاتينية، تظهر تحقيقات ICIJ أن الأسعار المُعلنة لـ”كيترودا” تميل إلى أن تكون أعلى – عند تعديلها بحسب مستويات الدخل – ممّا هي عليه في البلدان الأغنى. في غواتيمالا، اعتقد ألبيرتو سوم، مثل كثير من مرضى السرطان في أميركا اللاتينية، أنه سيضطرّ إلى التخلّي عن العلاج تماماً،  إذ تكلّف كميّة من قوارير “كيترودا” تكفي لعام واحد 180 ألف دولار أو أكثر في ذلك البلد الواقع في أميركا الوسطى، بينما يبيع سوم، وهو حرفي يبلغ 65 عاماً من العمر ولا يمتلك تأميناً صحّياً، تذكارات جلدية في منطقة يبلغ متوسّط الدخل الشهري للأسرة فيها نحو 700 دولار. وبعد تشخيص إصابته بسرطان الكلى المنتشر في عام 2022، قال سوم لطبيبه المعالج خوليو راميريز، إنه مستعدّ لوقف العلاج بعد أن وُصفت له حبوب تبلغ كلفتها 1,900 دولار كلّ ثلاثة أشهر، ولم يستطع دفعها إلا مرّة واحدة، قال سوم: “قلت للطبيب إنني لا أستطيع تحمّل الكلفة. كنت أضع حياتي بين يدي الله”. لحسن حظّ سوم، كان راميريز على وشك الحصول على موافقة من وزارة الصحّة على واحد من أوائل علاجات “كيترودا” في مستشفاه. كان سوم هو المختار. فكلّ ثلاثة أسابيع، وعلى مدى العامين التاليين، كان سوم يستقلّ الحافلة لمدّة ساعتين ونصف من بلدته الريفية سامايّاك إلى المستشفى العامّ في كويتزالتينانغو ليتلقّى جرعة التسريب البالغة 11 ألف دولار، التي تكفّلت الحكومة بدفعها. قال سوم لـ ICIJ: “أحياناً أسأل نفسي: من أكون لأستحقّ كلّ هذا الحظّ؟”، لقد انكمشت أورامه، لكنّه لم يدخل في حالة سكون تامّ للمرض. الآن تدعم دراسة جديدة نتائج ICIJ وتثير مخاوف متجدّدة بشأن القدرة على تحمّل كلفة “كيترودا” وإمكانية الحصول عليه. فتكلفة علاج مدّته ستة أشهر من “كيترودا” لعلاج سرطان الرأس والعنق تعادل ما يقرب من 80 ضعفاً لمتوسّط الدخل الشهري في الهند، و43 ضعفاً في باكستان. وبقيت الكلفة كارثية حتى في البلدان الغنيّة: تقارب ستّة أضعاف متوسّط الدخل الشهري في الولايات المتّحدة، وتسعة أضعافه في المملكة المتّحدة، وفقاً للدراسة المنشورة في شباط/ فبراير في مجلّة متخصّصة في طبّ الأورام.  وباختصار، تتراوح كلفة ستّة أشهر من “كيترودا” بين 7,676 دولاراً في بنغلاديش و38,254 دولاراً في أستراليا، ليخلص الباحثون إلى أن “العلاجات المناعية الحديثة لا تزال غير متاحة اقتصادياً في معظم البيئات”. وجد “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (ICIJ) أن كلفة علاج “كيترودا” على المرضى فوضوية بشكل خاصّ في الولايات المتّحدة. فقد شاركت شركة Serif Health، وهي مؤسّسة مقرّها سان فرانسيسكو متخصّصة في تحليل بيانات تعويضات الرعاية الصحّية، بيانات مع ICIJ تُظهر أن كلفة العلاج على المرضى وشركات التأمين تتفاوت بشكل دراماتيكي. ففي مختلف أنحاء الولايات المتّحدة، تتراوح الكلفة التقديرية لجرعة نموذجية من “كيترودا” بتركيز 200 ملغ بين 5,858 و43,800 دولار، تبعاً لمكان إعطاء الدواء، وشركة التأمين الخاصّة، والجهة المقدِّمة للخدمة، وطريقة احتساب الفاتورة. بالنسبة إلى باربرا ثورنتون، وهي مساعِدة رعاية صحّية منزلية تبلغ من العمر 64 عاماً من مدينة سينسناتي في ولاية أوهايو، وقد تجاوزت مؤخّراً سرطان البنكرياس، جاءت علاجات “كيترودا” في مركز العيادات الخارجية في مستشفى قريب بكلفة تفوق بكثير السعر المُعلن للدواء. تقول ثورنتون لشركاء ICIJ في صحيفة USA Today إن كلّ جلسة تسريب في مركز العلاج كانت تُرفَق بفاتورة تقارب 42 ألف دولار. وقد غطّى مزيج من تأمين زوجها، والمساعدة المالية التي قدّمها نظام المستشفى الذي تتعالج فيه، وبرنامج “ميديكير” الجزء الأكبر من حصّتها من التكاليف. قالت ثورنتون: “كنت محظوظة، كان لدي تأمين. نحن لا نعيش حياة رغدة – لنقلها بهذا الشكل – لذلك كنّا مؤهّلين للحصول على مساعدة مالية”. تلقّت ثورنتون دواء “كيترودا” عبر التسريب الوريدي لمدّة 27 شهراً. وعندما انتهى علاجها، قرعت الجرس في مركزها في كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، لتحتفل بهذه المحطّة الفارقة وبانتقالها إلى مرحلة “ناجية من السرطان”. راجع “معهد تكلفة الرعاية الصحّية” (Health Care Cost Institute)، وهو منظّمة غير ربحية تحلّل مطالبات التأمين الصحّي الذي يقدّمه أصحاب العمل في الولايات المتّحدة، بيانات تكلفة علاج “كيترودا” في الولايات المتّحدة لصالح ICIJ، وذلك على مدى خمس سنوات من 2018 إلى 2022. وكشف المعهد عن حقيقة صادمة: ففي عام 2022، دفعت خطط التأمين الصحّي التي يرعاها أصحاب العمل 3.79 مليارات دولار مقابل تغطية “كيترودا” لعدد لا يتجاوز 30,997 مريضاً أي نحو 122,400 دولار لكلّ مريض. كما وجد المعهد أنه في العام نفسه يمكن أن تتضاعف الكلفة تقريباً عندما يُعطى “كيترودا” في قسم العيادات الخارجية في مستشفى بدلاً من عيادة طبيب خاصّة. قال جون هارغريفز مدير إدارة استراتيجية البيانات والتحليلات في HCCI: “سواء تعلّق الأمر بإعطاء الدواء، أو الفحوص المخبرية، أو التصوير، فإن الرعاية المُقدَّمة غالباً ما تكون متطابقة، لكن كما رأينا مع كيترودا، فإن السعر يعتمد بالكامل على المبنى الذي تُعالَج فيه”. وأضاف أن “إنفاق ما يقارب 3,8 مليارات دولار على أقل من 31 ألف مريض، يوضح كم أصبحت هذه العلاجات باهظة الكلفة، وكم يمكن أن تدفع مجمل الإنفاق في خطط التأمين الصحّي التي يوفّرها أصحاب العمل”، وتابع: “ليس من غير المألوف أن تحمل الأدوية التخصّصية مثل كيترودا كلفة عالية جداً لكلّ مريض، لكنّ حجم الإنفاق الذي نراه هنا لافت فعلاً ويطرح أسئلة جوهرية حول القدرة على تحمّل الكلفة، سواء بالنسبة إلى أصحاب العمل أو المرضى أنفسهم”. في بيان، ألقت المتحدّثة باسم “ميرك” جولي كانينغهام، باللوم في ارتفاع الأسعار في الولايات المتّحدة على مديري منافع الصيدليات وشركات التأمين الصحّي، بوصفهم وسطاء يقتطعون الحسومات والرسوم، ما يرفع التكاليف على المرضى. وقالت: “إن التركيز الضيّق على الأدوية الموصوفة يفشل في معالجة المساهمين الأكبر بكثير في ارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحّية في الولايات المتّحدة”، وأضافت: “أميركا هي البلد الوحيد في العالم الذي تحصل فيه كيانات لا تصنع الأدوية على نصف كلّ دولار يُنفق على الأدوية ذات العلامات التجارية”. وقالت هيرمان من “ميرك”: “إن 59% من المرضى الأميركيين الذين يمتلكون تأميناً صحّياً خاصّاً لم يدفعوا أيّ تكاليف من جيوبهم مقابل كيترودا. أما المرضى الذين تحمّلوا نفقات ذاتية، فقد دفع نحو 80% منهم ما بين سنت واحد و375 دولاراً لكلّ جرعة تسريب بعد استيفاء مبلغ التحمّل (الـ deductible) في بوليصتهم”، وتابعت: “نحن نوفّر بشكل دوري قسائم ووسائل مساعدة أخرى في دفع المشاركة في التكاليف لأدويتنا، بما فيها كيترودا، لخفض النفقات المباشرة على المرضى”، مضيفةً أن “قيمة هذه المساعدات بلغت نحو 125 مليون دولار العام الماضي”، ومع ذلك، حتى مع وجود التأمين، قد يواجه المرضى صعوبة في التعامل مع آلاف الدولارات من التكاليف المسبقة، بما في ذلك مبالغ التحمّل المرتفعة قبل بدء تغطية التأمين. ورغم أن الشركة لا تعلن بشكل منفصل عن حجم ما تنفقه على برامج مساعدة المرضى فيما يخصّ “كيترودا”، قالت هيرمان: “إن ميرك قدّمت أدوية مجّانية بقيمة 1.7 مليار دولار في الولايات المتّحدة – تشمل جميع منتجات ميرك المؤهّلة – لمرضى غير مؤمَّنين أو ناقصي التأمين في عام 2024”. بالنسبة إلى ناصِر نسانِر رئيس فرع الصحّة العامّة في “جمعية الأطبّاء الأتراك”، تُؤطّر هذه الفوارق بأسئلة أكبر تتجاوز نطاق الرعاية الصحّية، وقال في مقابلة مع DW Türkçe، الشريك الإعلامي لـ ICIJ في تركيا: “هل يجب اعتبار الابتكار الطبّي مكسباً مشتركاً للبشرية؟ أم ينبغي أن يبقى أصلاً تجارياً محمياً بالبراءات يعمّق اللامساواة العالمية؟”. وبصياغة أخرى: هل صُمّم النظام حول إنقاذ الأرواح أولاً، أم حول تحقيق الأرباح – ومن الذي يُستبعد نتيجة هذا الخيار؟ هذه الأسئلة لا تتعلّق بالرعاية الصحّية وحدها، بل ترتبط بنقاشات أوسع حول ما إذا كانت الاكتشافات المنقذة للحياة ملكاً لنا جميعاً أم لا. في مومباي، أغنى مدن الهند، حيث يعيش أكثر من نصف السكّان في أحياء فقيرة أو في فقر مدقع، ينتظر 101 مريض مع عائلاتهم في الممرّ خارج عيادة الأورام في مستشفى ناير مواعيدهم مع أمول أخاده وهو اختصاصي أورام بارز.  يرى أخاده أن الهند في طريقها لأن تصبح “عاصمة السرطان في العالم”، بسبب الارتفاع الصاروخي في عدد الحالات، الذي يغذّيه الانتشار الواسع للتبغ والنظام الغذائي الرديء. وهناك تحدٍّ آخر: أظهر أحد الاستطلاعات أن كلفة شهر واحد من “كيترودا” يمكن أن تعادل أكثر من 12 شهراً من الأجور في البلاد. يشير أخاده بيده نحو ممرّ العيادات الخارجية المزدحم، بينما يرافقه صحافي من “إنديان إكسبريس” الشريك الإعلامي لـ ICIJ، في صباح أربعاء باكر، ويقول: “ضمن المئة مريض الذين ترونهم خارج هذا الجناح الآن، يمكن أن يستفيد نحو 70 مريضاً مصاباً بأورام صلبة استفادة كبيرة من كيترودا. لكنّنا حالياً غير قادرين حتى على مناقشة خيار العلاج هذا معهم، لأنه ببساطة غير قابل للتحقق بالنسبة إليهم”. قال أخاده لـ ICIJ: “إنهم عمّال أجر يومي يعيشون من يد إلى فم. إنهم قلقون بشأن مصدر وجبتهم التالية”، ومع ذلك، توفّر الحكومة الهندية العلاج الكيميائي لهؤلاء المرضى مجّاناً، بينما يحصل آخرون على مساعدة من برامج الدعم التي تقدّمها “ميرك” للمرضى.  وفي الهند، يُسمى البرنامج Kiran، وهي كلمة من السنسكريتية تعني “شعاع نور”، ويسمح للمرضى بشراء خمس قوارير والحصول على ما يصل إلى 30 مجانية، بحسب تقرير لصحيفة Indian Express. وتقول “ميرك” إن برنامج Kiran أتاح الوصول إلى “كيترودا” لأكثر من 68 ألف مريض في 11 سوقاً من أسواق آسيا والمحيط الهادئ، وإنها ملتزمة بتوسيع نطاقه. قال أخاده: “الشركة تقوم بدورها للمساعدة في جعل الدواء أكثر قابلية للتحمّل. ليس الأمر أنهم لا يفعلون شيئاً، لكن ما زال الأمر صعباً للغاية بالنسبة إلى معظم المرضى. يمكنهم أن يفعلوا المزيد. بالتأكيد يمكنهم أن يفعلوا المزيد”. ويتّفق معه اختصاصي أورام رفيع المستوى في مستشفى تاتا ميموريال، الواقع على أقلّ من ثلاثة أميال من مستشفى ناير. قال كومار برباش لـ ICIJ: “إنه أمر مفجع ومحبط بالنسبة إلينا. والآن دعونا نفكّر من وجهة نظر المريض: كم هو مدمِّر بالنسبة إليهم؟”. يعمل برباش، وهو أستاذ يرأس وحدة الأورام في المستشفى، مع زملائه في مومباي ودلهي على إيجاد طرق فعّالة من حيث الكلفة لتوسيع الوصول إلى العلاج. فعلى الرغم من أن “ميرك” توصي بجرعة 200 ملغ من “كيترودا” كلّ ثلاثة أسابيع، يختبر الأطبّاء في المستشفيات الهندية علاجات مناعية بجرعات منخفضة. ففي تجربة سريرية واحدة، تلقّت مريضات بسرطان الثدي ثلاث جرعات من “كيترودا” بمقدار 50 ملغ كلّ ستّة أسابيع، إلى جانب العلاج الكيميائي. وفي دراسات أخرى، حصل المرضى على جرعات منخفضة أو على جرعات تعتمد على الوزن – 2 ملغ لكلّ كيلوغرام من وزن المريض كلّ ثلاثة أسابيع، أو 1 ملغ لكلّ كيلوغرام كلّ ستّة أسابيع. حتى الآن، تشير نتائج التجارب إلى أن الجرعات المنخفضة من “كيترودا” فعّالة لبعض دلالات العلاج (التطبيقات العلاجية) المحدّدة. وقد توصّلت مستشفيات في سنغافورة وماليزيا وتايوان إلى استنتاج مماثل من خلال دراساتها الخاصّة، وبدأت عدّة دول – من بينها هولندا وكندا وإسرائيل – بالتحوّل إلى نظام الجرعات المعتمدة على وزن المريض. ويمكن أن تكون الوفورات ضخمة. فبعد سنوات من دراسة تكاليف وفوائد أدوية السرطان، توصّل دانييل غولدستاين، وهو اختصاصي أورام بريطاني المولد تلقّى تدريبه في الولايات المتّحدة ويزاول عمله الآن في إسرائيل، إلى تلك النتيجة في عام 2017: إذ تكلّف الجرعات الثابتة من “كيترودا” نظام الرعاية الصحّية الأميركي 825 مليون دولار إضافية سنويًا. وقال غولدستاين مدير “مركز اقتصاديات السرطان” في “مركز دافيدوف للسرطان” التابع لمركز رابن الطبّي، لـ ICIJ: “إن نظام الرعاية الصحّية ببساطة لا يستطيع تحمّل كلّ هذه الأدوية. وهناك ضغوط في كلّ بلد من بلدان العالم”. قدّر باحثون في منظّمة الصحّة العالمية، في إسقاط نمذجي منفصل، أن العالم يمكنه أن يوفّر 5 مليارات دولار على مدى 15 عاماً إذا تلقّى مرضى سرطان الرئة علاج “كيترودا” وفق جرعات تعتمد على الوزن بدلاً من الجرعات الثابتة. وسيُحقّق نظام الجرعات المعتمد على الوزن توفيراً أكبر لجميع مرضى السرطان المؤهّلين للعلاج. وقالت “ميرك” إنها تبني صيغ الجرعات التي تعتمدها على الأدلّة السريرية الواردة بالتفصيل في قسم “الجرعة الموصى بها” في النشرة المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) لوصفة “كيترودا”، لكنّ الحملة التي يقودها غولدستاين اكتسبت زخماً وتجاوزت الحدود. فقد قال بيشال غياوالي اختصاصي الأورام وباحث سياسات الأدوية في كندا، لشركاء ICIJ في صحيفة Toronto Star: “إن السبب الرئيس، على الأرجح، وراء إعطاء ميرك الجرعة نفسها لكل ّالمرضى هو المال”، وأضاف: “يمكنهم بيع المزيد من الدواء، وسيجنون المزيد من المال… لا يوجد سبب علمي أو طبّي أو بيولوجي لذلك. إنه دافع تجاري بحت”. سعياً إلى حماية دجاجتها التي تبيض ذهباً ورعايتها، ركّزت “ميرك” على الوسيلة الأولى التي تعرفها للحفاظ على الأسعار المرتفعة: النظام العالمي للبراءات. كانت البراءات الأساسية لدواء “كيترودا” ستنتهي في عام 2028، وكان المستثمرون قلقين بشأن كيفية مواصلة “ميرك” توليد الإيرادات بعد أن يفقد “كيترودا” احتكاره المحمي. ففقدان الحصرية هذا كان سيفتح الباب على مصراعيه أمام منافسين يعرضون أسعاراً أقلّ بكثير، مع ما قد يواجهه “كيترودا” من انهيار كارثي في الإيرادات – “هاوية براءات” بقيمة 35 مليار دولار. ولمنع حدوث ذلك، نشرت “ميرك” “جيشها” من المحامين. ووصف طاهر أمين مؤسّس مبادرة “الأدوية والوصول والمعرفة» (I-MAK)، وهي منظّمة غير ربحية تدرس أوجه اللامساواة في كيفية تطوير الأدوية، استراتيجية “ميرك” بأنها “مخطّط متعدّد الأوجه لإساءة استخدام البراءات”، بهدف إطالة أمد احتكارها والحفاظ على الأسعار المرتفعة. وتقول “ميرك” إن I-MAK و”منظّمات مشابهة” تروّج “أسطورة” مفادها أن شركات الأدوية “تتلاعب بنظام البراءات”، عبر إيداع عدّة براءات متداخلة لتأخير دخول الأدوية الجنيسة أو البدائل الحيوية بشكل غير ملائم. كما زعمت الشركة أن تقارير I-MAK تحتوي على أخطاء جسيمة في فهرسة ووصف ممارسات “ميرك” الخاصّة بالبراءات، وهو ما تنفيه I-MAK. عندما رسم “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (ICIJ) خريطة البراءات الخاصّة بـ”كيترودا”، وجد 1,212 طلب براءة مرتبطاً بالدواء، أودعتها “ميرك” وكيانات أخرى عاملة في أبحاث السرطان والقطاعين الصيدلاني والطبّي. تمتدّ هذه الطلبات عبر 53 دولة وإقليماً ومنطقة، من بينها 194 طلباً في الولايات المتّحدة، و123 في اليابان، و87 في أستراليا، و80 في الصين، و74 في كلٍّ من كوريا الجنوبية وكندا. هذا “الجدار” من البراءات أتاح لـ”ميرك” استخدام استراتيجيات شائعة في الصناعة للإبقاء على السعر مرتفعاً من خلال براءات إضافية تتجاوز في عام 2028. وجد ICIJ أن هناك 211 براءة مُنحَت بالفعل تُسهم في حماية هيمنة “كيترودا” حتى العام 2042 على الأقلّ، أي بعد 14 عاماً من انتهاء صلاحية البراءات الأميركية الأصلية. كما حدّد الاتّحاد ما لا يقلّ عن 337 براءة  أخرى “قيد الانتظار”، يمكن أن تُطيل، إذا مُنحت، أمد سيطرة الدواء أكثر فأكثر. ويُذكر أن 84% من مجمل هذه الطلبات أُودعت بعد حصول “كيترودا” على الموافقة في عام 2014. قال أمين لـ ICIJ: “إن كلّ طلب براءة هو لغم محتمل” يمكن أن يخلق مواجهة قانونية مكلفة وطويلة الأمد لمنافسي “ميرك” من أصحاب الأدوية الأقلّ كلفة، وأضاف: “الهدف هو قصف المنافس بسيل من البراءات قدر الإمكان، لردعه، أو جعل كلفة دخول السوق باهظة قدر الإمكان، أو الأمل في أن يؤدّي اضطرار المنافس إلى التقاضي بشأن عدد أكبر من البراءات إلى تسوية”، قد تعني تأخير إطلاق منتجه. لكنّ “ميرك” تقول إن براءاتها بعد العام 2014 تمثّل اكتشافات جديدة حقيقية. قالت هيرمان في رسالتها: “نواصل تقييم كيترودا على أمل توسيع استخدامه لأشكال أخرى من السرطان وزيادة الوصول إلى العلاج. ويشمل ذلك ابتكارات في ما يتعلّق بالتركيبة الدوائية، والجرعات، والاستخدامات الجديدة، بما في ذلك التركيبات المشتركة مع عوامل أخرى. وكما هو متوقّع، فإن ميرك تحمي ابتكاراتها عند الاقتضاء من خلال إيداع طلبات براءة اختراع”. ويتضمّن سباق “ميرك” لتعزيز هيمنتها تقديم طلبات براءة لاختلافات طفيفة في مقادير الجرعات وجداول إعطائها، وكذلك براءات لتركيبات تجمع بين “كيترودا” ودواء آخر. فعلى سبيل المثال، حدّد ICIJ وجود 29 طلب براءة أُودعت عالمياً بشكل مشترك من “ميرك” وشركة Eisai اليابانية تتعلّق بالعلاج المركّب من “كيترودا” ودواء السرطان Lenvima. لكن، بحسب أمين، فإن هذا النوع من التركيبات ليس جديدًا. قال أمين متسائلاً: “لماذا لا تستكشف ميرك سبلاً علاجية جديدة غير مطروقة في مجال التركيبات المشتركة؟ ما جدوى تخصيص الوقت والمال لتركيبات علاجية موجودة أصلًا؟”. وطوّرت “ميرك” استراتيجية براءات أخرى شائعة بين شركات الأدوية؛ إذ قدّمت براءات جديدة لما يُعرف بـ “قفزة المنتج” (product hop): تحويل المستهلكين إلى نسخة أحدث مشابهة من الدواء نفسه تعيد “ضبط ساعة البراءة” لسنوات إضافية من الحصرية. وتأمل “ميرك” في نقل ما يصل إلى 40% من عملائها إلى حقنة “كيترودا” تُعطى تحت الجلد بدلاً من التسريب الوريدي قبل أن تجد المنافسات الأقلّ كلفة موطئ قدم لها في السوق. ويمكن لـ”قفزة المنتج” هذه أن تساعد “ميرك” على تحقيق مليارات الدولارات وتأجيل المنافسة حتى ثلاثينيات هذا القرن، وفقاً لثلاثة خبراء في القطاع. كما تبنّت “ميرك” تكتيك تسعير جديد في أميركا اللاتينية في عام 2024 عندما حاولت شركة أرجنتينية زعزعة السوق بطرح نسخة محلّية أرخص من “كيترودا” تُدعى PembroX. لم تكن لدى “ميرك” أيّ براءة سارية المفعول في الأرجنتين، حيث الاضطراب الاقتصادي المزمن والبيئة العدائية لشركات الأدوية الأجنبية. وقال غوستافو بيليزاري الرئيس التنفيذي لشركة الأدوية المنافسة Elea، لشركاء ICIJ في الأرجنتين إن الشركة الواقعة في نيوجيرسي كانت تعمل وحدها في السوق وترفع الأسعار باستمرار. طُرح PembroX في الأسواق في كانون الثاني/ يناير 2025؛ وفي اليوم السابق للإطلاق خفّضت “ميرك” فجأة سعر “كيترودا” بنسبة 50%، ليصبح أعلى قليلاً فحسب من سعر المنافس، بحسب بيليزاري. واستمرّ سعر “كيترودا” في الانخفاض. قال بيليزاري إن المنافسة أدّت إلى توسيع نطاق الوصول وتحسين القدرة على تحمّل الكلفة، مع علاج آلاف المرضى الإضافيين الآن. وهذا دفعه للتفكير في أسعار “كيترودا” وأثرها المالي في الولايات المتّحدة، وأضاف: “أنا مقتنع بأنهم يبيعون بسعر أقلّ بكثير في الأرجنتين مقارنة بالولايات المتّحدة. لا بدّ أنهم يسبّبون ضرراً كبيراً للحكومة الأميركية. أعني أنهم – ميرك – ينبغي أن يُجبروا على البيع بالسعر الأرجنتيني. لهذا السبب لا يعلنون الأسعار”. واجه ديفيس موجة من الكراهية على الإنترنت بعد أن عبّر عن تعازيه وحزنه على براين طومسون، الرئيس التنفيذي لشركة UnitedHealthcare، الذي قُتل بالرصاص أمام فندق في وسط مانهاتن في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024. وإلى جانب الصدمة والاستنكار، أطلق القتل في ساعات الصباح الأولى موجة واسعة من الاحتفال والتصريحات الممجِّدة من مرضى في أنحاء العالم كانوا قد عانوا من رفض مطالبات التأمين الخاصّة بهم. كتب مريض سرطان على حساب ديفيس في LinkedIn: “حزين؟ هل يمتدّ حزنك إلى المرضى والعائلات الذين فقدوا حياتهم أو مصادر عيشهم بسبب القيادة والسياسات، التي تعطي الأولوية للربح في التأمين على حساب الصحّة؟”. ومع التأييد المقلق لاغتيال طومسون في الأيّام التي تلته، ربما يكون لكلّ رئيس تنفيذي في قطاع الرعاية الصحّية ما يبرّر شعوره بالقلق. لكنّ ديفيس كان يواجه ضغوطاً إضافية: فعلى الرغم من أن انتهاء براءة “كيترودا” كان لا يزال على بُعد أربع سنوات، كان المستثمرون يستعدّون بالفعل لتداعيات ذلك. ومع قيام الرئيس الأميركي الجديد بالترويج لخفض أسعار الأدوية في حملته الانتخابية، ما الذي سيعنيه ذلك لـ”ميرك” و”كيترودا”؟ قال تيم أندرسن خلال مكالمة لمناقشة الأرباح في نيسان/ أبريل 2025: “هناك الكثير من المخاوف بشأن كيترودا”. كان أندرسن حينها محلّلاً لأسهم شركة “بنك أوف أميركا”، وكان قلقاً من تراجع سهم “ميرك”، مشيراً إلى أنه أثار هذه المخاوف في الربع السابق أيضاً. ثم توجّه إلى ديفيس قائلاً: «أتساءل أين تقفون الآن من هذا المنظور، في وقت يواصل فيه السهم نوعاً ما الانزلاق إلى الأسفل”. ردّ ديفيس بأن “ميرك” واثقة من تدفّق الإيرادات في المستقبل، وقال: “لدينا أكثر من 20 منتجاً جديداً نرى أنها ستصل إلى السوق خلال السنوات القليلة المقبلة، ومعظمها تقريباً لديه مقوّمات أن يكون منتجاً فائق الربحية (blockbuster)”. دفعت “ميرك” مبلغ 16 مليون دولار لـ PhRMA في عام 2024 لتقوم بالضغط السياسي لصالحها، وانتُخب ديفيس، مقتفياً خطى سلفه، رئيساً لمجلس إدارة المجموعة التجارية في شباط/ فبراير. طلبت PhRMA صراحةً من المسؤولين الأميركيين استهداف سياسات الأدوية الأوروبية واتّخاذ إجراءات ضدّ البلدان التي تحاول ضبط أسعار “كيترودا” وأدوية أخرى تحمل علامات تجارية. ومن بين الدول التي جرى التنصيص عليها: أستراليا، وكندا، والدنمارك، وفرنسا، وألمانيا، واليونان، وإيطاليا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وإسبانيا، وسويسرا، والمملكة المتّحدة. في مؤتمر عُقد في باريس في شباط/ فبراير، عرض نائب رئيس الوزراء ووزير الصحّة البلجيكي فرانك فاندنبروك، تفاصيل “الضغط” لرفع الأسعار، وقال” “إدارة ترامب مستعدّة لاستخدام الإكراه التجاري لإجبار الحكومات الأوروبية على تغيير ممارسات التسعير لديها”، وأشار إلى ادّعاء ترامب في يكانون الثاني/ يناير بأنه ضغط على الرئيس إيمانويل ماكرون لرفع أسعار الأدوية في فرنسا عبر التهديد برسوم جمركية بنسبة 100% على الشمبانيا. بعد شهور من الضغط من البيت الأبيض، انضمّ ديفيس إلى مديرين تنفيذيين من 15 شركة أدوية في تأييد اتّفاقات مع ترامب لبيع الأدوية بأسعار أقلّ في الولايات المتّحدة، وتعهّد الرئيس بخفض الأسعار إلى مستوى ما يُدفع في بلدان غنيّة أخرى. لم تكشف لا إدارة ترامب ولا الشركات المصنّعة تفاصيل تلك الاتّفاقات. ولم تقلّ “ميرك” ما إذا كان ترامب قد استثنى “كيترودا”، لكنّ باحثي سياسات الصحّة ومصادر حكومية قالوا إن من غير الواضح أن سعر “كيترودا” سينخفض في الولايات المتّحدة في أيّ وقت قريب. وقد ترتفع الأسعار في أماكن أخرى، كما حدث بالفعل في المملكة المتّحدة، أو كما قد يحدث في ألمانيا، حيث يرى مصدر في الصناعة “انفجارات في الأسعار”، وقال بيتر مايباردوك الناشط في مجال حماية المستهلك: “في البلدان الفقيرة، كلّ ما قد تحقّقه خطط ترامب هو مزيد من المعاناة والوفيات”. في شباط/ فبراير استغلّ ترامب خطاب حالة الاتّحاد State of the Union لإلقاء كلمة تحفيزية عن تباطؤ الاقتصاد الأميركي، وقال: “بلدنا ينتصر من جديد. في الواقع، نحن نحقّق انتصارات كثيرة لدرجة أننا لا نعرف حقّاً ما الذي يجب أن نفعله حيال ذلك”. وأضاف: “لقد أخذتُ الأدوية الموصوفة، وهي جزء كبير من نظام الرعاية الصحّية، من أعلى سعر في العالم إلى أدنى سعر”، وتابع: “النتيجة هي فروق في الأسعار بنسبة 300 و400 و500 و600% وأكثر” – وهي ادّعاءات لم تقدّم الإدارة أيّ دليل يدعمها. لم يَرِد ذكر “كيترودا”. في الواقع، أمضى ترامب خمس دقائق فقط من أصل ساعة و47 دقيقة – أطول خطاب لحالة الاتّحاد في التاريخ – في الحديث عن تكاليف الرعاية الصحّية، وقد احتفل بفريق الركبي على الجليد الأميركي للرجال لمدّة أطول بدقيقة واحدة. وعلى بُعد ما يقرب من 3,000 ميل في غواتيمالا، بدا التباين مع وعود ترامب الكبرى برعاية صحّية ميسورة الكلفة، وكأنه ينتمي إلى عالم آخر. فمع شروق الشمس في صباح جمعة بارد في شباط/ فبراير، كان خوليو راميريز طبيب الأورام الذي عالج ألبيرتو سوم، يسير عبر غرفة الانتظار الصغيرة في وحدة الأورام في مستشفاه العامّ، ملقياً التحيّة على الجميع في طريقه إلى مكتبه، حيث يرى نحو 40 مريضاً في الأسبوع. عرض راميريز على صحافي من ICIJ قوائم مكتوبة بخطّ اليد للأدوية التي يحتاج إليها مرضاه. وكان يعلم أنه من غير المرجّح أن يحصل على كلّ ما طلبه بسبب القيود الميزانية. قال: “انظر، أنا لا أشتكي. لديّ الفرصة لأن أقدّم كيترودا على الأقلّ لاثنين أو ثلاثة من المرضى هنا في المستشفى” – وهي زيادة عمّا كان قادراً على تقديمه سابقاً. وأضاف: “حلمي هو أن أستطيع إعطاء جميع مرضاي الوصفات التي يحتاجونها من دون أن أضطرّ للعب لعبة ’”ني، ميني، ميني، مو” لأقرّر من يحصل عليها ومن لا يحصل”. حان الوقت للطبيب لبدء رؤية مرضى ذلك اليوم. تحرّك رجل قصير القامة في منتصف العمر، مرتدياً كمامة وقبّعة تزلج، بهدوء نحو المكتب، وهو يمسك بقوّة أحدث نتائج فحوصه. صافح راميريز الرجل، ثم شرع في مناقشة ما يمكنه – وما لا يمكنه – أن يفعله من أجله. المساهمون: إيكو هوي؛ أندريس بيرموديث لييفانو؛ إيفان رويز؛ هلا نصر الدين؛ لارس بوفه؛ زوزانا فيرث؛ زيتا سوبكو؛ بلين أونكر؛ سيرخيو سيلفا نوما؛ كارلوس كارابانيا؛ غابي دي خروت؛ ثيو فاسن؛ مارييل فيتز باتريك؛ جيون كيم؛ كريستوف كليريكس؛ غلوريا ريفا؛ فرانسيسكا سكوكْنِك؛ هوغو ألكونادا مون؛ ناتاشا كامبرونيرو؛ آن–صوفي لوركان؛ يِسْواري بالانصامي؛ ماريا كريستوف؛ صوفيا شتال؛ جودي غارسيا؛ غييرمي والتنبرغ؛ شتيفان ميليخار؛ دِسْبينا بابايوغيو؛ فيوليتا سانتياغو؛ فابْيولا توريس؛ فيونا ووكر؛ أنجِلا ميليفوييفيتش؛ آيمي دمبسي؛ جيسي ماكلين؛ ميغان أوغيلفي؛ جاكوب بورغ؛ ديرك فاتفارفال؛ مارتين روسينغ؛ كيرسي كاربينن؛ مينا كنوس–غالان؛ بريندا مدينا؛ دينيس أجيري؛ أغوستين أرمنداريس؛ يلينا تسوسيتش؛ إيزابيلا كوتا؛ خيسوس إسكوديرو؛ ميغيل فياندور غوتييريث؛ ميكاه رِدّي؛ جوانا روبن؛ ديفيد رويل؛ ريتشارد إتش. بي. سيا؛ دين ستاركما ن؛ فيرغس شيل؛ آنّيس شين؛ أنجي وو.
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤