كيف اخترق المسؤولون الإيرانيون الوعي الأميركي
كيف نجح مسؤولون إيرانيون في مخاطبة الأميركيين بلغتهم، من أسواق المال إلى مخاوف الحرب، بينما لا تزال واشنطن تقرأ إيران بعدسة استشراقية لا ترى فيها سوى نظام ينتظر السقوط
قاليباف: الجنرال الذي صار «محللاً مالياً»
حين كتب قاليباف على منصة «إكس» يوم الأحد 29 آذار (مارس) الماضي: «تنبيه: ما يُسمّى أخباراً أو حقائق قبل افتتاح السوق، غالباً ما يكون فخاً لجني الأرباح. باختصار، إنه مؤشر عكسي. افعلوا العكس: إذا رفعوه اصطناعياً، راهن على هبوطه. وإذا أسقطوه، راهن على صعوده»، لم يكن يتحدّث إلى جمهوره الإيراني. كان يتحدّث مباشرةً إلى المتداولين الأميركيين، بلغتهم، وبمصطلحاتهم.
والمفاجأة أن نصيحته نجحت.
إذ في اليوم التالي، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تغريدة قبل افتتاح الأسواق بساعتين يتحدث فيها عن «تقدم كبير» في المفاوضات مع إيران. ارتفعت الأسواق عند الافتتاح ثم تراجعت، تماماً كما توقّع قاليباف.
رصدت نشرة «ذا كوبيسي ليتر» المالية الشهيرة التطابق بين تنبؤ قاليباف وحركة السوق، وعلّقت: «لا يمكنك اختلاق هذا: نصيحة إيران للمستثمرين الأميركيين نجحت فعلاً».
والأبعد من ذلك أن الرئيس السابق لقسم التحليل الكمّي في بنك «جي بي مورغان»، ماركو كولانوفيتش، تفاعل مع منشور يشير إلى تغريدات قاليباف، فيما علّقت شركة الأبحاث «سيتريني» ساخرةً: «هذا هو محلّلي الكمّي» (في إشارة إلى مشهد من فيلم The Big Short يقدّم فيه متداولٌ محلّله الحسابي الذي يبني عليه رهاناته في السوق).
لكن قاليباف لم يكتفِ بدور المحلل المالي. فقد اتّهم ترامب بالتلاعب بأسواق النفط والأسهم عبر تصريحاته المتقلبة، كاتباً: «الأخبار الكاذبة مصمّمة للتلاعب بالأسواق المالية وأسواق النفط، والهروب من المستنقع الذي تغرق فيه أميركا وإسرائيل.»
كما شبّه مظاهرات «لا ملوك» التي اجتاحت المدن الأميركية بالثورة الإسلامية، كاتباً: «مرحباً بكم في الحفلة التي بدأناها قبل 47 عاماً. هذا هو شعب إيران، ونحن نوافق على هذه الرسالة.» عبارةٌ تحمل سخرية لاذعة وفهماً دقيقاً للمزاج الأميركي الغاضب من إدارته.
عراقجي: ثلاث كلمات هزّت أميركا
في الخامس من آذار الماضي، جلس وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أمام كاميرا برنامج «إن بي سي نايتلي نيوز» من طهران. سأله المذيع توم لاماس: «هل تخشون غزواً برياً أميركياً؟» فأجاب عراقجي ببرود: «لا، نحن ننتظرهم». أعاد لاماس السؤال مستوضحاً: «تنتظرون الجيش الأميركي ليغزوكم؟» فأجاب: «نعم. ستكون كارثة كبرى عليهم».
انتشر المقطع كالنار في الهشيم. مجلة «ذا أميركان كونسرفاتيف» المحافظة نشرته. مواقع يسارية ويمينية تداولته. لم تكن العبارة في إطار تحدٍّ عسكري، كانت رسالة نفسية موجّهة إلى الأميركي العادي الذي لا يزال يحمل ندوب العراق وأفغانستان.
عراقجي تحدّث عن «الانتظار»، وهي كلمة تستحضر في المخيّلة الأميركية كل كوابيس حروب العصابات والمستنقعات التي لا تنتهي.
وفي مقابلة لاحقة مع «الجزيرة»، وسّع عراقجي رسالته مؤكداً أن اغتيال الشهيد السيد علي خامنئي لم يُسقط النظام، وأن المنظومة أكبر من أي فرد. هذه الرسالة كانت موجّهة بقدر متساوٍ إلى الجمهور الأميركي والإيراني معاً.
لاريجاني: الرجل الذي أعاد الأنظار إلى «إبستين»
قبل اغتياله في 17 آذار، صار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الشهيد علي لاريجاني واحداً من أكثر المسؤولين الإيرانيين متابعةً من قبل الأميركيين.
لم يحدث ذلك بسبب منصبه السياسي أو وصفه بالحاكم الفعلي لإيران، فقد جاء نتيجة تغريدة واحدة كتبها بالإنجليزية في 15 آذار على منصة «إكس»: «بلغني أن بقايا شبكة إبستين يُعدّون مؤامرة لافتعال حادثة شبيهة بهجمات 11 أيلول وإلصاقها بإيران. إيران ترفض جذرياً هذه المخططات الإرهابية، ولا تخوض حرباً ضد الشعب الأميركي».
ضربت التغريدة وتراً حساساً في الوعي الأميركي. ربطت بين فضيحة سيئ الذكر جيفري إبستين التي تشغل الرأي العام، وبين مخاوف من تكرار سيناريو الحادي عشر من أيلول بذريعة جديدة.
لم يتوقف لاريجاني عند ذلك. فحين وصف وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث القادة الإيرانيين بأنهم يختبئون «تحت الأرض كالجرذان»، ردّ لاريجاني بصورة من مسيرة يوم القدس في طهران ظهر فيها علناً مع الرئيس بزشكيان، وكتب: «سيد هيغسيث! قادتنا كانوا وما زالوا بين الناس. أما قادتكم؟ فعلى جزيرة إبستين!».
انتشرت العبارة حتى صارت العملية العسكرية الأميركية المسمّاة «عملية الغضب الملحمي» تُعرف ساخراً على منصات التواصل بـ«عملية غضب إبستين». بعد يومين من هذه التغريدات، اغتيل لاريجاني في غارة إسرائيلية.
المفارقة: أميركا لا تعرف إيران
في المقابل، يبدو الأداء الأميركي في مخاطبة الجمهور الإيراني فقيراً ومرتبكاً. حين سُئل ترامب عن تغريدات قاليباف المالية، ردّ بتهديد: «نحن نعرف أين يعيش.» وحين ادّعى أنه يجب أن يشارك في اختيار المرشد الأعلى الجديد لإيران، بدا وكأنه يتعامل مع بلد ليس فيه مؤسسات ولا تاريخ ولا شعب له إرادة.
تعيدنا هذه المقاربة إلى ما يمكن تسميته بـ«الاستشراق السياسي»: افتراض أن المجتمع الإيراني كتلة واحدة تنتظر «التحرير» من الخارج، وأن اغتيال القادة سيُسقط النظام تلقائياً.
لكن الواقع أظهر عكس ذلك. فرغم أن شرائح من الإيرانيين في الاغتراب احتفلت باغتيال خامنئي، إلا أن النظام عيّن خلفاً له خلال أيام، واستمرّت مؤسسات الدولة في العمل، والأكثر من ذلك أن الحرب نفسها عزّزت الشعور القومي الإيراني في الداخل.
بينما يستخدم قاليباف مصطلحات وال ستريت ويسخر من ترامب بأسلوبه، ويتحدث عراقجي بهدوء دبلوماسي يفهمه المشاهد الأميركي، يردّ الجانب الأميركي بالقنابل والتهديدات.
الفارق هنا هو في فهم الآخر. يقرأ الإيرانيون الولايات المتحدة: أسواقها، مخاوفها، انقساماتها. أما واشنطن فلا تزال تقرأ إيران من خلال عدسة استشراقية ترى فيها بلداً ينتظر «إسقاط النظام» بضغطة زرّ.
بعد شهر من الحرب، تُظهر استطلاعات الرأي أن أغلبية الأميركيين يعتقدون أن قرار الحرب كان خاطئاً، وأن نسبة تأييد ترامب في إدارة الأزمة تراجعت إلى ما دون 40 بالمئة.
ربما لم يكن قاليباف هو من أقنعهم بذلك. لكنه، ومعه عراقجي ولاريجاني، نجحوا في شيء أشدّ أثراً: ربطوا هذه الحرب بحياة الأميركيين اليومية، بمحافظهم الاستثمارية وأسعار البنزين ومخاوفهم من مستنقع جديد. وهذا، في حرب المعلومات، انتصارٌ لا تقلّ أهميته عن أي صاروخ.
The post كيف اخترق المسؤولون الإيرانيون الوعي الأميركي appeared first on Beirut News Center.




