ويستعرض تجارب لافتة في توظيف التراث، منها تجربة الكاتب السوري زكريا تامر التي طورت استلهام السرد القديم على مستوى الشخصيات واللغة، مانحة إياه دلالات معاصرة، وتجربة الكاتب المصري يحيى الطاهر عبدالله التي تستند إلى تقنيات الحكي الشفوي، مستعيدة أحد الأصول العميقة للسرد العربي بوصفه فن قول وحكاية قبل أن يكون كتابة.
يرى عبيدالله أن اتساع التجريب في المرحلة الراهنة أفضى إلى قدر أكبر من المرونة في التعامل مع "نظرية الأجناس"، ومنها القصة القصيرة، وهو ما تجلى في تعدد التسميات والتوصيفات التي يطلقها الكتّاب على أعمالهم. ويقرأ هذا التعدد بوصفه مؤشرا الى "قلق تجنيسي" ورغبة في تجاوز الحدود التقليدية لهذا الفن.
ويستشهد الكاتب في هذا السياق بتجارب أردنية مثل نادر رنتيسي الذي صنّف عمله "أنت تحذف نصف عمرك" ضمن "سرد واقع افتراضي"، وهشام البستاني الذي قدّم "رأي المعنى" بوصفه "سرد/ موسيقى أو قصص على تخوم الشعر"، في دلالة على نزوع نحو توليد صيغ تعبيرية جديدة داخل الفضاء القصصي.
وفي رصده للأنواع الفرعية الأبرز في القصة الأردنية المعاصرة، يشير عبيدالله إلى حضور القصة القصيرة جدا والمتوالية القصصية والمشهد أو القصة الحوارية واللوحة القصصية، إلى جانب النوفيلا القصصية، بوصفها تجليات لاتساع هذا الجنس وانفتاحه على أشكال متعددة.
صورة بانورامية
يقدم الكتاب قراءة بانورامية لمسار القصة القصيرة الأردنية، محددا ثلاثة منابع أساس أسهمت في تشكلها: الموروث السردي العربي الشفهي والكتابي بوصفه أساس الذائقة، والتأثير الوافد عبر الترجمة والاتصال بالقصة الأجنبية الذي رسّخ الشكل القصصي الحديث، ثم التفاعل مع الواقع العربي بقضاياه وتحولاته.
في تتبعه للبدايات، يشير عبيدالله إلى مجموعة "أغاني الليل" لمحمد صبحي أبو غنيمة (1902-1970) بوصفها أول مجموعة قصصية تصدر لكاتب أردني (1922)، وقد عكست انشغالات الجيل المؤسس بالقضايا العربية وتطلعات الحرية، مع عناية باللغة الفصحى. كما يذكر مصطفى وهبي التل (1899-1949) في قصصه ذات الطابع الحكائي، وأديب عباسي (1905-1997) في "عودة لقمان"، حيث يتقاطع التراث مع السرد الحديث.

ويرى الكاتب أن محمود سيف الدين الإيراني (1912-1974) يبرز بوصفه الرائد الفني الأهم، إذ استوعب تقنيات القصة الحديثة متأثرا بكتّاب غربيين ومصريين، قبل أن يطوّعها ضمن تجربة خاصة أكثر وعيا ببنية القصة ووحدة أثرها. وإلى جانبه، يأتي عيسى الناعوري (1918-1985) الذي عالج القضية الفلسطينية وأوضاع اللاجئين بنزعة رومانسية واضحة.










