قصي الجمال : *الحوكمة أولاً: كيف يصبح الأردن الوجهة الاستثمارية الأكثر تنافسية في المنطقة؟*
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في سباق جذب الاستثمارات العالمية، لم تعد المنافسة بين الدول تقوم على تقديم الحوافز الضريبية والإعفاءات المالية فقط، بل أصبحت ترتكز على جودة البيئة الاستثمارية، وكفاءة المؤسسات، وسرعة اتخاذ القرار، ومستوى الحوكمة والشفافية التي توفرها الدولة للمستثمرين.
ويمتلك الأردن مجموعة من المقومات الاستثمارية التي تمنحه أفضلية تنافسية حقيقية؛ فهو يتمتع باستقرار سياسي وأمني راسخ، ومنظومة قانونية متطورة، وموقع استراتيجي يربط أسواق الخليج وبلاد الشام والعراق، إضافة إلى رأس مال بشري مؤهل وخبرات متراكمة في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والخدمات والطاقة.
إلا أن التحدي الحقيقي لم يعد في الترويج للأردن كوجهة استثمارية، بل في تحويل تجربة المستثمر إلى تجربة قائمة على الكفاءة والوضوح والثقة. فالمستثمر اليوم لا يبحث فقط عن الفرص، بل يبحث عن بيئة مؤسسية تضمن له العدالة والشفافية واستقرار القرارات وسرعة الإنجاز.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم "جذب الاستثمار" إلى مفهوم "إدارة تجربة المستثمر" ضمن إطار متكامل من الحوكمة الرشيدة التي تجعل العلاقة بين الدولة والمستثمر قائمة على الوضوح والمسؤولية والمساءلة.
ولتحقيق ذلك، يمكن التركيز على ستة محاور رئيسية:
أولاً: تعزيز الحوكمة والشفافية الاستثمارية. من خلال استقرار التشريعات، ووضوح الإجراءات، وتوحيد المرجعيات الحكومية، ورفع مستوى الإفصاح عن القرارات والفرص الاستثمارية، بما يعزز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين ويحد من البيروقراطية والتباين في تفسير التعليمات.
ثانياً: تسريع الإجراءات الحكومية. عبر التحول الرقمي الشامل وربط الجهات ذات العلاقة ضمن نافذة استثمارية موحدة تتيح للمستثمر إنجاز معاملاته بكفاءة وسرعة دون تعدد الجهات أو تكرار المتطلبات.
ثالثاً: بناء نظام متابعة استباقي للمشروعات الاستثمارية. بحيث لا تقتصر العلاقة مع المستثمر على مرحلة الترخيص، بل تمتد إلى مراحل التشغيل والتوسع، من خلال فرق متخصصة تعمل على معالجة التحديات قبل أن تتحول إلى معوقات حقيقية.
رابعاً: استهداف الاستثمارات النوعية. خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والاقتصاد الرقمي، والصناعات الدوائية، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، لما تمتلكه من قدرة على خلق فرص عمل ذات قيمة مضافة عالية.
خامساً: تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص. باعتبار المستثمر شريكاً في التنمية الاقتصادية وصناعة النمو، وليس مجرد ممول للمشروعات، بما يضمن بناء سياسات اقتصادية أكثر واقعية واستدامة.
سادساً: تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية. من خلال تحويل السفارات والبعثات الدبلوماسية الأردنية إلى منصات استثمارية فاعلة تعمل على تسويق الفرص الاستثمارية واستقطاب رؤوس الأموال ونقل قصص النجاح الأردنية إلى الأسواق العالمية.
إن نجاح الدول في جذب الاستثمارات لا يقاس بعدد المؤتمرات والفعاليات التي تنظمها، بل بقدرتها على تحويل الفرص إلى مشاريع قائمة، والمشاريع إلى وظائف، والوظائف إلى نمو اقتصادي مستدام.
كما أن المستثمر العالمي أصبح أكثر حساسية تجاه مؤشرات الحوكمة والشفافية وسيادة القانون. فكلما ارتفعت مستويات الحوكمة المؤسسية، ازدادت القدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل التي تبحث عن بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ.
الأردن لا يحتاج إلى إعادة تعريف نفسه أمام المستثمرين؛ فمقومات النجاح موجودة بالفعل. ما يحتاجه اليوم هو تسريع التنفيذ، وتعزيز الحوكمة المؤسسية، ورفع كفاءة الخدمات الحكومية، وترسيخ ثقافة تعتبر نجاح المستثمر جزءاً من نجاح الدولة.
وعندما يشعر المستثمر بأن الوقت محترم، والإجراءات واضحة، والحوكمة فاعلة، والقرارات مستقرة، فإن الأردن لن يكون مجرد خيار استثماري جيد، بل سيصبح الوجهة الاستثمارية الأكثر ثقة وتنافسية في المنطقة.
فمستقبل الاستثمار لا يُبنى بالشعارات، بل بمؤسسات قوية، وحوكمة رشيدة، وتجربة استثمارية تجعل المستثمر يأتي مرة، ثم يعود مرات عديدة.




