قصف الشلامجة وهجوم طريبيل... المعابر الحدودية العراقية في قلب الصراع الإقليمي
بغداد – محمد البغدادي
شهدت المنافذ الحدودية العراقية تصعيداً أمنياً لافتاً تمثل بسلسلة هجمات وقصف مجهول المصدر استهدف عدداً من المعابر التجارية الحيوية، في تطور ينقل التوترات الإقليمية مباشرة إلى شرايين الاقتصاد العراقي. فقد استهدف أمس منفذ الشلامجة الحدودي بين العراق وإيران بقصف طال صالة المسافرين وأسفر عن سقوط ضحايا، وقبل يومين تعرض منفذ طريبيل الحدودي مع الأردن لهجمات بطائرات مسيرة مجهولة، وسط غياب تبنّ رسمي للهجمات وتصاعد التحذيرات من تداعياتها.
وتؤكد مصادر أمنية عراقية لـ"النهار" أن الضربات لم تستهدف مواقع عسكرية تقليدية بقدر ما طالت محطات اقتصادية وتجارية حساسة، إذ يعد منفذ الشلامجة أحد أهم طرق استيراد السلع الغذائية إلى العراق، وأي تعطل فيه قد ينعكس سريعاً على الأسواق المحلية وسلاسل الإمداد. وقد دفعت الضربات السلطات العراقية إلى إغلاق المعبر موقتاً بعد سقوط قتيل وجرحى نتيجة القصف، ما أثار مخاوف من اضطراب تدفق البضائع الأساسية إذا استمر التصعيد.
وقبل يومين، سقطت طائرات مسيرة داخل محيط منفذ طريبيل، أحد أهم المنافذ البرية التجارية مع الأردن، دون خسائر بشرية، لكن الحادثة رفعت مستوى الإنذار الأمني وأعادت النقاش حول هشاشة الممرات التجارية العراقية أمام الصراعات الإقليمية المتصاعدة.
أبعاد اقتصادية في موازاة الأمنية
ويقول الخبير في شؤون الاقتصاد والتجارة أحمد عبد ربه، لـ"النهار"، إنه "يمكن قراءة استهداف المعابر الحدودية، وآخرها منفذ الشلامجة بين العراق وإيران، من زاوية اقتصادية لا تقل أهمية عن أبعاده الأمنية والسياسية، بل ربما تتقدم عليها في بعض السياقات، فالمنافذ الحدودية تمثل شرايين حيوية لحركة التجارة الخارجية، ومصدراً مهماً لتعظيم الإيرادات غير النفطية التي تعمل الحكومة العراقية على تعزيزها ضمن برامج الإصلاح المالي. وبالتالي فإن استهدافها يهدف إلى إرباك سلاسل الإمداد، والتأثير على تدفق السلع، وإحداث ضغط على السوق المحلية عبر خلق اختناقات قد تنعكس على الأسعار والاستقرار التجاري".
وأوضح عبد ربه أن "هذا النوع من الاستهداف نتائجه ذات طابع اقتصادي واضح، إذ يضرب مفاصل حساسة في بنية الاقتصاد العراقي، خصوصاً في ظل اعتماده النسبي على الاستيراد من دول الجوار مثل إيران والأردن وسوريا، كما قد يرتبط بمحاولات التأثير على توجهات الحكومة في تنظيم التجارة، وضبط التعرفة الجمركية، ومكافحة التهريب، وهي خطوات تمس مصالح اقتصادية داخلية وخارجية".
وأضاف أنه لا يستبعد أن "يمتد هذا النمط من الاستهداف إلى معابر أخرى، لاسيما تلك التي تشهد كثافة تجارية عالية أو تمثل منافذ استراتيجية، إلا أن الحكومة العراقية تمتلك أدوات للحد من هذه التأثيرات، من خلال تنويع المنافذ، وتعزيز الإجراءات الأمنية، وتفعيل الأتمتة في العمل الجمركي، فضلًا عن التنسيق مع دول الجوار لضمان استمرارية تدفق البضائع".
وتابع انه "أما على مستوى التأثير الاقتصادي، فمن المرجح أن يكون محدوداً وموقتاً، في ظل قدرة العراق على إعادة توجيه التجارة عبر منافذ بديلة، إلى جانب امتلاكه احتياطيات نقدية جيدة تساعد على امتصاص الصدمات، وقد تظهر بعض التداعيات قصيرة الأمد، مثل ارتفاع طفيف في أسعار بعض السلع أو تأخر في وصولها، لكنها لن ترقى إلى مستوى أزمة اقتصادية شاملة".
وأكد الخبير في شؤون الاقتصاد والتجارة أنه "يمكن النظر إلى هذه التحديات بوصفها عامل ضغط يدفع باتجاه تسريع الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز الرقابة على المنافذ، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يدعم توجه الحكومة نحو بناء اقتصاد أكثر توازناً واستقراراً".
استهداف سلاسل الإمداد
من جهته قال الخبير في الشؤون الاستراتيجية مجاشع التميمي، لـ"النهار"، ان "استهداف معبر الشلامجة ليس عملاً عشوائياً؛ بل يندرج ضمن تكتيك خنق لوجستي، وهذه المعابر تستخدم للتجارة، لكن أيضاً تتهم بأنها ممرات إمداد للفصائل العراقية، وضربها يهدف لقطع سلاسل الإمداد، إرباك التنسيق الحدودي، وخلق ضغط اقتصادي وأمني متزامن على إيران وشركائها داخل العراق".
وأكد التميمي أن "الطرح بأن البعد الاقتصادي أكثر من الأمني غير دقيق، فالعملية مركبة: أمنياً تعطيل إمدادات، سياسياً الضغط على إيران، واقتصادياً إرباك تجارة الحدود، والاقتصاد هنا أداة ضمن استراتيجية أشمل، وليس الهدف الوحيد، وتقليص تدفق السلع يخلق تذمراً داخلياً ويزيد تكلفة الاستمرار، لكنه يعمل بالتوازي مع أهداف ردع النفوذ وتقييده".
ولفت إلى أن "ثمة مخاوف حقيقية من أن يمتد الاستهداف إلى منافذ مثل مهران أو غيره إذا استمر التصعيد، فالقاعدة في النزاعات توسيع الضغط على العقد اللوجستية ذات القيمة العالية، وأي منفذ يشتبه بدوره في نقل الإمدادات أو دعم الاقتصاد الموازي قد يصبح هدفاً، خصوصاً إذا فشلت الضغوط السياسية في تحقيق نتائج ملموسة".
وأضاف أن "العراق يعتمد على الاستيراد من إيران والأردن وسوريا وتركيا والسعودية، وتعطيل المعابر يعني اضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع أسعار، وتأخير السلع، خصوصاً الطاقة والمواد الغذائية، والأخطر هو خلق اختناقات تدفع نحو السوق السوداء وتضعف الإيرادات الجمركية. وسياسياً، يضع بغداد بين ضغوط متعارضة ويختبر قدرتها على ضبط الحدود وتأمين بدائل سريعة".





