تختزل مدينة صور التاريخية تفاصيل العمر؛ فمنذ الطفولة وحتى الشباب، شكّلت المدينة المساحة المشتركة للقاء رفاق الدراسة وأبناء القرى المحيطة، وكان بحرها المتنفس الدائم كلما ضاقت سبل العيش. ومع اندلاع الحرب وتحول طرق القرى إلى حقول رماية تستهدف كل ما يتحرك، تحولت صور إلى ملاذ قسري يلوذ به الجميع هربًا من آلة الدمار.
منح هذا النزوح أبناء القرى فرصة لاكتشاف المدينة بمعالمها وأرصفتها ومقاهيها، وفهم سر ارتباط أهلها التاريخي بالبحر. لم يكن قرار الصمود والبقاء فيها يتطلب الكثير من التفكير؛ فهي النقطة الأقرب إلى الجبهة المشتعلة في القطاع الغربي من جبل عامل، مما أتاح للمتواري فيها البقاء على تماس مباشر مع الحدث، فضلًا عن قربها من قريتي «معروب»، مما سهّل لي التحرك نحوها خلال فترات الهدوء الحذر.
عاشت صور في بداية المواجهة ضمن معادلة معقدة جعلتها تسبق الحرب بخطوة، متفادية التدمير الشامل في أول الأمر. غير أن هذا الاستقرار النسبي تبدد بعد «الأربعاء الأسود» في 17 نيسان؛ إذ تحول الموت إلى شبح يلاحقنا يوميًا بالقصف العشوائي لمقاتلات «إف-35» التي غدا صريرها الثقيل أشبه بـ«ملك الموت». ومع تبدل ملامح المدينة وبروز ملامح الذهول على وجوه سكانها، طغت لفحات الدخان واللون الأسود على المشهد، مما دفع بي إلى التمسك بكاميراتي لتوثيق معالم المدينة التي أرعبني محاولات محوها يومًا بعد آخر، محاولًا حفظ التفاصيل البسيطة من الزوال.
في ليلة ما كان يُعتقد أن «هدنة» سوف تبدأ، كنت في أزقة الحارة القديمة التي استُثنيت من التهديد وتحولت إلى الملجأ الأخير، ودار حديث بيني وبين صديقي «طارق» حول صمود المدينة ومقاومتها. وبينما كان طارق يشعر باستعادة المدينة لألوانها ومحاولات العودة السريعة إلى القرى قبل زحمة العابرين، كنت أستشعر الغدر القادم مستذكرًا حادثة اغتيال عامل توصيل على دراجته قبل يوم واحد دون فهم سبب استهدافه. ولم تكذب تلك الهواجس، فقبل دقيقة واحدة من الموعد المفترض للهدنة، هزت غارة عنيفة أركان المدينة، وحجبت الأسوار ملامح الانفجار قبل أن تتدفق الأخبار مقتضبة: غارة على مبنى قرب الشاطئ بمحاذاة الجامعة الإسلامية، ووقوع ضحايا وإصابات عديدة. العشرات من الشهداء الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم. من بينهم كان «إحسان يزبك»، الشاب الذي -للصدفة- قضيت معه صباحه الأخير في قهوته، حيث قرر إغلاق باب المقهى بعد ظهر اليوم، وذهب ليحظى بسباحة أخيرة في شاطئ «الجمل» في أقصى غرب المدينة، ليرحل تاركًا خلفه مدينة رآها دائمًا كعروس، وقضى شهيدًا بين يديها في تلك الليلة.
اليوم، تشهد قرى جنوب لبنان عودة تدريجية وحذرة لسكانها بعد أشهر طويلة من الحرب. هذه العودة لا تزال محكومة بكثير من الأسئلة وعدم اليقين، إذ لا يعرف كثيرون على وجه الدقة إلى أين يمكن الوصول بأمان، وأي الطرق أو المناطق قد تبقى عرضة للانتهاكات الاسرائيلية. ورغم ذلك، يصرّ أهالي القرى على التوجه إلى بلداتهم وأراضيهم، في محاولة لاستعادة جزء من حياتهم اليومية وإعادة وصل ما انقطع خلال الأشهر الماضية.
تعود الحياة ببطء إلى مدينة صور. فالمحال التجارية والأفران والملاحم ومتاجر المواد الغذائية بدأت تفتح أبوابها مجددًا، في مشهد يعكس رغبة الناس في استعادة إيقاع الحياة الطبيعي مهما كانت الظروف صعبة. لكن الحركة لا تزال محدودة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
رغم استمرار الحذر، يمكن ملاحظة عودة تدريجية للحياة العامة. ويبرز النشاط على الواجهة البحرية كأحد المؤشرات الواضحة على هذا التحول، حيث عاد السكان إلى ارتياد البحر والكورنيش، في محاولة لاستعادة مساحات من الحياة اليومية التي غابت خلال فترة الحرب.
غير أن الشعور السائد بين الناس لا يمكن وصفه بالأمان الكامل أو الاطمئنان النهائي. يدرك كثيرون أن الحرب لم تنتهِ بصورة نهائية، وأن الوضع لا يزال قابلًا للتبدل في أي لحظة. ومع ذلك، يتعامل السكان مع هذه المرحلة على أنها مرحلة انتقالية لا بد من عبورها، وكأنهم يراهنون على أن الفرج بات أقرب من أي وقت مضى، وأن نهاية هذه الحرب أصبحت مسألة وقت.
رغم بدء عودة الناس إلى قراهم ومدنهم، لا تظهر مشاهد الاحتفال أو الفرح الجماعي التي رافقت محطات سابقة من انتهاء الحروب. فالمزاج العام يبدو أكثر تحفظًا وأقل اندفاعًا. ويعود ذلك إلى عوامل عديدة، أبرزها اختلاف الظروف المحلية والإقليمية عمّا كانت عليه في السابق، إضافة إلى حجم الخسائر التي خلفتها الأشهر الماضية، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن المستقبل.
تختلف هذه المرحلة أيضًا عن تلك التي أعقبت حرب عام 2024. فبينما حملت العودة آنذاك شعورًا أوضح بانتهاء المواجهة، تبدو العودة اليوم مشوبة بالحذر والترقب. يعيش الناس بين رغبتهم في استعادة حياتهم الطبيعية وبين الخشية من العودة إلى مرحلة طويلة من التوتر وعدم الاستقرار، شبيهة بالأشهر الخمسة عشر التي سبقت هذه الجولة من الحرب.
يعيش الجنوب اليوم لحظة معلّقة بين الحرب والأمان؛ لحظة يحاول فيها السكان إعادة بناء تفاصيل حياتهم اليومية، من دون أن يشعروا بعد بأن الحرب أصبحت وراءهم بالكامل، فيما ينتظر كثيرون العودة النهائية إلى القرى الحدودية ليروا بأم العين ماذا حل بتلك الأرض.























