قراءة قانونية في المحاكمة الغيابية.. غياب المتهم لا يلغي العدالة
عُقدت اليوم الأحد، في القصر العدلي بدمشق، أول جلسة محاكمة غيابية للرئيس المجرم الفار بشار الأسد، وشقيقه ماهر مع عدد من رموز الحكم البائد.
وحول هذا الموضوع أوضح المعتصم الكيلاني المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان، أن المحاكمة الغيابية قد تبدو بلا جدوى طالما أن المتهم غير موجود أو هارب، إلا أنها تحمل قيمة قانونية وسياسية مهمة، لكنها في الوقت نفسه لا تمثل عدالة مكتملة، فهي ليست مجرد إجراء شكلي، بل أداة تستخدمها الأنظمة القضائية عندما يتعذر إحضار المتهم، بهدف منع تعطيل العدالة بالكامل.
وأشار الكيلاني إلى أنه من الناحية القانونية، فإن هذه المحاكمات تتيح تثبيت المسؤولية الجنائية بشكل رسمي من خلال عرض الأدلة ومناقشتها وإصدار حكم قضائي، وهذا الأمر مهم جداً في الجرائم الجسيمة، لأنه يحول الاتهامات من مجرد روايات أو تقارير إلى وقائع مثبتة قضائياً، وفي هذا السياق، فإن الممارسات المعتمدة لدى المحكمة الجنائية الدولية تؤكد أهمية توثيق الجرائم ومساءلة مرتكبيها، حتى وإن تعذر توقيفهم في المرحلة الحالية.

وبين أن هذه المحاكمات تتيح استصدار مذكرات توقيف دولية بحق المتهمين، سواء بقصد الجلب أو التحقيق أو المحاكمة، وهو عنصر بالغ الأهمية عملياً، حيث إن صدور مثل هذه المذكرات يؤدي إلى إدراج أسماء المتهمين ضمن أنظمة الملاحقة الدولية، ويجعلهم عرضة للتوقيف في حال دخولهم إلى دول تتعاون قضائياً أو تطبق مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهذا يعني أن صفة “الهارب” لا توفر حصانة دائمة، بل تتحول إلى حالة قانونية محفوفة بالمخاطر، وتبقى إمكانية إلقاء القبض قائمة في أي وقت.
وتابع الكيلاني:” إضافة إلى ذلك، تلعب المحاكمة الغيابية دوراً أساسياً في حفظ الأدلة ومنع ضياعها مع مرور الزمن، خاصة في النزاعات الطويلة حيث تتعرض الشهادات والوثائق لخطر التلاشي، كما تمنح الضحايا اعترافاً قانونياً بمعاناتهم، وهو عنصر جوهري في أي مسار للعدالة الانتقالية، لأن العدالة لا تقتصر على العقاب بل تشمل أيضاً الاعتراف والإنصاف. ”
وعن الفائدة المستقبلية، أوضح الكيلاني أن هذه المحاكمات تمهّد لإمكانية تنفيذ الأحكام لاحقاً إذا تغيرت الظروف، كأن يتم توقيف المتهم أو تسليمه أو حدوث تحول سياسي يسمح بإعادة فتح الملفات، كما أنها تقيّد حركة المتهم دولياً، إذ يمكن أن تؤدي الأحكام أو مذكرات التوقيف إلى ملاحقته في دول أخرى، خاصة في ظل التعاون القضائي الدولي والمبادئ التي تدعمها الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإفلات من العقاب.
وقال:” في إطار العدالة الانتقالية، تُعتبر هذه المحاكمات خطوة مهمة لكنها غير كافية بمفردها، لأنها تمثل جزءاً من منظومة أوسع تشمل كشف الحقيقة، جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، غيابها قد يؤدي إلى ضياع الأدلة وإضعاف فرص المحاسبة مستقبلاً، لكن الاعتماد عليها وحدها دون استكمال باقي الآليات يجعل العدالة ناقصة”.
وختم الكيلاني بالتأكيد أنه، لا يمكن اعتبار المحاكمة الغيابية مجرد إجراء شكلي إذا كانت قائمة على أسس قانونية سليمة، بل هي بمثابة تثبيت للحقيقة القانونية واستثمار طويل الأمد في مسار العدالة، قد لا تحقق نتائج فورية، لكنها تضع الأساس لمساءلة مستقبلية حقيقية، وتُبقي باب العدالة مفتوحاً عبر أدوات مثل مذكرات التوقيف الدولية التي تجعل الملاحقة قائمة ومستمرة إلى حين تحقق التنفيذ الفعلي.
الوطن- أسرة التحرير





