قراءة في الخلفية.. ما الذي حدث في كركوك؟

يحيى بوستان - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
عندما طرحت في هذه الزاوية سؤال “ألم يحن وقت التحدث مع ذلك الفاعل؟” (17 فبراير/شباط)، لم أكن أتوقع أن تتسارع التطورات بهذا الشكل. لم يكن الهجوم الأمريكي/الإسرائيلي على إيران قد بدأ بعد. وكان الموضوع هو دعم بارزاني (ووسائل إعلامه) غير المشروط لقوات سوريا الديمقراطية التي كانت تتفكك. بل وأكثر من ذلك… كان لافتًا أن البارزانيين خرجوا عن تقليدهم الراسخ ورشحوا -لأول مرة- مرشحًا لرئاسة الجمهورية في العراق. وكانت الإدارة، مستفيدة من الولايات المتحدة التي نقلت وجودها العسكري في العراق إلى أربيل… تسعى إلى كسر الوضع القائم سواء في العراق أو في المنطقة. وكنت أرى أن ذلك يثير امتعاضًا في أنقرة. إذًا كان ينبغي القيام بخطوة جديدة و”موازنة” إدارة بارزاني.
“فُتحت صفحة جديدة”
بصراحة، أثناء كتابتي لهذه السطور لم أكن على علم بما يجري في الخلفية. علمت لاحقًا أن أنقرة بدأت تتحدث مع بافل طالباني، الذي كانت تعاني معه من مشكلات بسبب دعمه العلني لمنظمة حزب العمال الكردستاني (على سبيل المثال انظر: المروحية التي سقطت في مثلث الشيطان، 23 مارس/آذار 2023)، بل إن ذلك اعتُبر “صفحة جديدة”، وأن طالباني كان يرى أن المشكلات التي حدثت في الماضي “لم يكن ينبغي أن تحدث”. وفي هذه العملية، كان لرئيس جهاز الاستخبارات الوطنية إبراهيم قالن دور مهم. وكان السياق هو مسار “تركيا الخالية من الإرهاب”. واتضح أن قالن يتبنى نهجًا يقوم على التواصل مع “جميع الفاعلين الذين قد يضرون بالمسار” لإبقائهم ضمن اللعبة، وبالتالي تقليل المخاطر. ويمكن القول إنه نجح في ذلك إلى حد كبير.
تحذير حاسم للموساد
الحرب الأمريكية/الإسرائيلية-الإيرانية التي بدأت في 28 فبراير/شباط غيّرت الكثير من الأمور في المنطقة جذريًا. وكان اتجاه هذه الحرب يهم بشكل مباشر البنية الإقليمية الجديدة وتركيا. وكانت المؤشرات الأولى سلبية، لأن الولايات المتحدة/إسرائيل أقامت اتصالًا مباشرًا مع الجماعات الانفصالية في المنطقة (بما في ذلك ترامب وباراك) (انظر: هذا لم يكن مناسبًا سعادة السفير! 3 مارس/آذار). ونعلم أن جهاز الاستخبارات الوطنية عاد ليدخل على الخط في هذه المرحلة، وتم الضغط على جميع الفاعلين بما في ذلك الجماعات الانفصالية في إيران، وأن إمرالي لعبت دورًا إيجابيًا في هذه العملية، بل إن الموساد تلقى تحذيرًا مباشرًا، وأن إسرائيل، بناءً على تحذير أنقرة الواضح، واصلت تواصلها مع الجماعات الانفصالية الأخرى لكنها وضعت مسافة بينها وبين حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) فيما يتعلق بالمساعدة العسكرية. وفي هذه المرحلة تحديدًا… ابتعد كل من مجموعة بارزاني و(بدرجة أكبر) مجموعة طالباني عن إسرائيل بسبب توجيهات تركيا، والاعتقاد بأن النظام في إيران لن يتغير، وخطر انزلاق العراق إلى حرب أهلية. وكان هذا الموقف أحد محطات بناء الثقة بين أنقرة والسليمانية.
الطاولة بانتظار الأطراف
يتضح مسار الحرب في إيران تدريجيًا. وقد ظهرت حدود إسرائيل (بل وحتى الولايات المتحدة). وفي هذه المرحلة تم إعلان وقف إطلاق النار. والطاولة في باكستان بانتظار الأطراف للجولة الثانية. وكما كتبنا في المقال السابق استنادًا إلى ملاحظات خلفية، فإن الطرفين “توصلا إلى اتفاق بنسبة 80%” (التفاصيل المسربة من مسودة الاتفاق الأمريكي-الإيراني، 21 أبريل/نيسان). وقد أدى إصرار ترامب على فرض حصار على مضيق هرمز إلى إطالة أمد العملية. ولم تكتفِ الولايات المتحدة بذلك، بل استولت على سفينة إيرانية ونفذت عملية على أخرى. ويبدو أن ترامب، الذي يريد بشدة مخرجًا مشرّفًا، يسعى إلى الجلوس إلى الطاولة بعد “ليّ ذراع” إيران، بحثًا عن “إعلان نصر واضح”. لكن طهران ترى رغبة ترامب في السلام ومأزقه. وقد استولت بدورها على سفينتين، وبذلك تعادل الوضع. وإذا لم يقدم ترامب خطوة جديدة تعزز موقعه على الطاولة، فأعتقد أن المفاوضات ستستأنف في باكستان.
مجال تنافس جديد مع إسرائيل
كما أشرنا سابقًا، فإن أنقرة، وإن لم تتمكن من إيقاف الحرب، وضعت استراتيجية لتحويل نتائجها إلى مكاسب إيجابية (الفرصة القادمة لتركيا، 13 مارس/آذار). وخاصة مع ظهور حدود إسرائيل، أصبح موضوع البنية الإقليمية الجديدة بعد الحرب يُناقش أكثر. إن “سداسي التحالفات” الذي تطرحه إسرائيل يعزز التنسيق بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان. وهذا أولًا. وثانيًا، هناك البنية الجديدة للطاقة التي شدد عليها وزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار. ولدى تركيا أربعة مشاريع كبرى في هذا المجال (انظر: عقل الدولة يعمل على بنية جديدة لما بعد الحرب، 27 مارس/آذار). ولنجاح هذه المشاريع التي ستؤثر بعمق على سوق الطاقة العالمية، هناك حاجة إلى الوقت والدقة والصبر (وهنا يكمن مجال التنافس الجديد مع إسرائيل).
أول ثمرة للمسار الجديد
في المدى القصير، ظهرت أول نتيجة إيجابية لحرب إيران بالنسبة لتركيا والمنطقة في هذه الأثناء. فمن دون أن يكون ذلك في الحسبان، استقال في كركوك المحافظ السابق ريبوار طه، المقرب من طالباني، من منصبه. وفي التصويت الجديد الذي قاطعته مجموعة بارزاني احتجاجًا، تم انتخاب تركماني، محمد سمان آغا، محافظًا لكركوك بعد 100 عام. وهكذا تم تطبيق آلية المحافظ الدوّار التي طالبت بها أنقرة في كركوك.
وخلف هذا التطور التاريخي… أولًا: انتخاب مرشح طالباني نزار أميدي رئيسًا للجمهورية بدعم سني وشيعي وتركماني، رغم سعي بارزاني إلى رئاسة العراق مخالفًا الاتفاقات والتقاليد… ثانيًا: الحوار الذي بدأ ينمو بين أنقرة وبافل طالباني… ثالثًا: تراجع تأثير إيران على طالباني بعد تعرضها لضربة قوية في الحرب… رابعًا: الدور المهم للتفاعل الناتج عن الاتصالات في إطار مسار “تركيا الخالية من الإرهاب”.
ورغم المؤشرات الإيجابية، لا يزال اتجاه حرب إيران غير واضح، وبالطبع هناك تساؤلات مهمة أمامنا. لكن… بالنظر إلى عدد سكانها واقتصادها وقدراتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية والاستخباراتية، فإن لتركيا وزنًا نوعيًا كبيرًا في المنطقة. ومع توقع تراجع الوجود الأمريكي في المنطقة، وضعف تأثير إيران، يتشكل فراغ. ومن مفارقات الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ والقدر: أن ثقل تركيا يجذب الفاعلين الإقليميين إليها كالمغناطيس في هذا الفراغ المتشكل. وهذا مكسب لا يمكن لإسرائيل تحقيقه بالقوة العسكرية. وعندما تنتهي الحرب سنرى هذه الصورة بشكل أوضح.





