... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
228253 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7853 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

قراءة في العقل السياسي الإيراني

سياسة
النهار العربي
2026/04/21 - 01:00 502 مشاهدة

من الصعب فهم السلوك السياسي الإيراني في العقود الأخيرة من دون العودة إلى لحظة التحول الكبرى عام 1979، حين انهار نظام الشاه، وقام نظام جديد رفع شعاراتٍ دينية ذات صبغةٍ مذهبية. هذا النظام حمل في داخله مزيجاً معقداً من عناصرٍ غير متجانسة.

 

فمنذ ذلك التاريخ، تشكّل ما يمكن تسميته "العقل السياسي الإيراني" على قاعدةٍ ثلاثية: غيبية دينية، نزعة قومية تاريخية، لمسات انتقائية من الحداثة وتصور "وصائي" على الآخرين! هذا المزيج لم يُنتج انسجاماً، بل خلق توتراً دائماً وصراعاً داخلياً ومع الجوار، انعكس في الداخل والخارج. استنزف طاقة الشعوب وخرب أوطاناً. 

 

العنصر الأول، وهو الغيبية, منح النظام شعوراً بالتفوق الأخلاقي والتكليف التاريخي. وربما الإلهي، فالدولة لا ترى نفسها مجرد كيانٍ سياسي، بل مشروع يتجاوز الجغرافيا، مرتبط بفكرة "الرسالة" و"التمكين". وبسط السلطة على عالمٍ يتجاوز الجغرافيا الوطنية. هذه الرؤية تجعل القرار السياسي أقل خضوعاً للحسابات الواقعية العقلانية، وأكثر ميلاً للمغامرة، لأن الفعل يُبرر أحياناً باعتباره جزءاً من مسارٍ مقدس، لا خياراً قابلاً للمراجعة. 

 

أما العنصر القومي، فهو أقدم من الثورة نفسها. إيران، بتاريخها الطويل، لم تتخلَّ عن إحساسها بالمركزية، حتى وهي ترفع شعاراتٍ دينية عابرة للحدود. وهنا تناقض آخر، لذلك نرى هذا التداخل بين خطابٍ إسلامي ظاهري، وسلوكٍ سياسي يحمل في جوهره نزعة توسعٍ قومي، يتجلى في النظر إلى الجوار باعتباره مجال نفوذ، يتوجب التمدد فيه.

 

هذا التناقض بين الشعار والممارسة أضعف الثقة مع الجوار، وخلق حساسياتٍ عميقة بين إيران ومحيطها العربي والإقليمي. ثم يأتي العنصر الثالث، وهو الحداثة الانتقائية؛ فالنظام تبنى أدوات الدولة الحديثة، مؤسسات، انتخابات شكلية، تعريفها الدقيق هو "الاختيار لا الانتخاب"، وتقنيات، وبرامج عسكرية وصاروخية متطورة. لكنه في الوقت نفسه رفض جوهر الحداثة القائم على التعددية السياسية والمساءلة الاجتماعية والشفافية في اتخاذ القرار، والتزام القانون الدولي. وهنا نشأ خلل بنيوي عميق: مما جعلها تعيش صراعاً دائماً بين الشكل والمضمون. 

 

هذه التوليفة الثلاثية لم تنتج استقراراً، بل أدت إلى حالةٍ من التوتر الدائم مع العالم. فالعقل الذي يرى نفسه مكلفاً رسالةً ربانية، ومحصناً بأدوات القوة، يجد صعوبةً في الانخراط في حوارٍ متكافئ مع الآخرين. الحوار يفترض الاعتراف بالآخر، بينما هذا العقل السياسي الإيراني يميل إلى نفي الآخر ، ويفسر الخلاف باعتباره استهدافاً، لا اختلافاً مشروعاً. 

خلطة معقدة

هذه الخلطة المعقدة جعلت إيران تتبني خيار إقامة أجنحةٍ في دول الجوار وتدريبها والصرف عليها، ناشطة أو نائمة، تقوم بتنفيذ أجندتها تحت شعاراتٍ مختلفة، كي تبقى هي بعيدة بمشروعها عن الصراع المباشر. ولكن تلك الأجنحة أدخلتها في صراعٍ مباشر لم تحسب له ولا تعرف كيف تتخلص منه بسبب جمود التفكير السياسي الثلاثي. 

 

النتيجة كانت اتساع دائرة العداء. علاقات متوترة مع الغرب، وخصومات عميقة في الإقليم، وشبكة من الصراعات بالوكالة، استنزفت الموارد، ورفعت تكلفة السياسة الخارجية إلى مستوياتٍ غير مسبوقة. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا الخيار مجرد سياسة، بل أصبح جزءاً من هوية النظام، يصعب التراجع عنه من دون اهتزازٍ داخل النظام. 

انعكست هذه الخيارات، على الحياة العامة والاقتصاد في الداخل، فرغم ما تملكه البلاد من مواردٍ طبيعية وبشرية، دخل في دوامةٍ من العقوبات وسوء الإدارة. العملة الوطنية فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها، والتضخم أصبح عبئاً يومياً على المواطن. ومع كل أزمة، كان الخطاب الرسمي يميل إلى تفسير ما يحدث باعتباره مؤامرةً خارجية، لا نتيجة خياراته السياسية.

توتر المجتمع الإيراني

منذ بداية هذا القرن، شهدت إيران موجاتٍ متكررة من الاحتجاجات الشعبية، تعكس فجوةً متزايدة بين الدولة والمجتمع. الرد كان في الغالب أمنياً، يعتمد على القبضة الحديدية، ويبرر استخدام القوة. وفي كل انتفاضة، يسقط ضحايا، وتُغلق مساحات التعبير، ويتكرس شعور بأن الدولة لا ترى في مواطنيها شركاء، بل تهديد محتمل، ودائماً للنظام القائم. هذا المسار يكشف مفارقةً لافتة؛ نظام نشأ باسم "المستضعفين" انتهى إلى مواجهة قطاعاتٍ واسعة من مجتمعه من المستضعفين. ومع كل جولة قمع، تتآكل شرعيته الاجتماعية. فالاستقرار القائم على القوة وحدها، مهما طال، يبقى هشاً، لأنه لا يعالج الأسباب العميقة للاحتقان. 

 

يمكن القول إن العقل السياسي الإيراني لم ينجح في تحقيق توازنٍ بين مكوناته. ملكية الحقيقة المطلقة دفعته الى التصلب، والقومية غذّت النزعة التوسعية، والحداثة بقيت سطحية. والنتيجة دولة تعاني اختلالاً داخلياً، وعزلةً خارجية، وتوتراً دائماً بين ما تعلنه وما تمارسه.

 

في الأسابيع الماضية تفاقمت أزمة النظام، فقد وسع صراعه مع الجوار المسالم، باستهداف دول الخليج، وبذلك حول الشك في نياته إلى يقين، وأيضاً أقفل مضيق هرمز، الذي يخالف كل القوانين الدولية، ويثير غضب دول العالم، وفي الخطوتين، كما في بناء الأذرع والبرنامج النووي، يتبين كم من العناصر الثلاثة التي ذكرت قد طوقت النظام حتى الاختناق.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤