كوردستان بين فكيّ "الاستنزاف الذكي": المسيرة كأداة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية
بدر اسماعیل شیروكی/ ان استهداف إقليم كوردستان بالمسيرات والصواريخ لم يعد مجرد "ضجيج أمني" عابر أو خروقات حدودية تمليها ضرورة ميدانية مؤقتة، بل تحول إلى "عقيدة استراتيجية" ومنهج عمل عسكري منظم يهدف إلى تغيير قواعد الاشتباك داخل الخارطة العراقية، فمن خلال تحليل البيانات التقنية لـ 500 استهداف تعرض لها الإقليم منذ بدء تجدد الحرب الامريكية الاسرائيلية- الايرانية، يكشف أننا لسنا أمام مواجهة تقليدية، بل أمام "حرب استنزاف ذكية" تتجاوز الرغبة في القتل الجسدي المباشر لتستهدف "القتل الوظيفي" لكيان الإقليم، اقتصاداً ومؤسسات.
"البريد السريع" و تصفية الحسابات الجيوسياسية
من خلال كثافة الاستهدافات يتضح أن سماء الإقليم تحولت إلى "مختبر حي" لاختبار الأسلحة والمسيرات (مثل شاهد وعماد)؛ فهذه الهجمات لا تدار من قبل "هواة" أو مجموعات منفلتة بالمعنى التقليدي، بل من غرف عمليات احترافية تمتلك إحداثيات دقيقة وتكنولوجيا قادرة على تتبع الرادارات، والمفارقة الصارخة تكمن في أن مسارات الطيران تحصر منطلقات الهجمات في مثلث (ديالى – جرف الصخر – نينوى)، وهي مناطق تخضع رسميا لسيطرة فصائل منضوية تحت لواء الدولة، مما يضع الحكومة الاتحادية في بغداد في موقف "الممول والمغطي" لهجمات تستهدف مواطنيها. إن الهدف هنا ليس القصف لذاته، بل تحجيم "أربيل" ومنعها من التحول إلى قطب جاذب للاستثمار، وإبقائها دائما تحت رحمة "ضغطة زر" تدار وفقا لمزاج الخلافات السياسية في بغداد.
الابتزاز الطاقوي: حقل "خورمور" نموذجا
يتجلى الوجه الأخطر لهذه الحرب في استهداف منشآت الطاقة، وعلى رأسها حقل "خورمور" الغازي؛ هنا تلتقي الأجندات الإقليمية والمحلية لتعطيل "الاستقلال الاقتصادي" للإقليم؛ فمنع كوردستان من تحقيق فائض غازي للتصدير يضمن بقاء العراق رهينة لاستيراد الغاز الإيراني، علاوة على ذلك، فإن وصول الاستهدافات إلى الرقم 500 يرفع "كلفة التأمين" ويحول سماء الإقليم إلى منطقة عالية المخاطر، مما أدى فعليا إلى تجميد مشاريع التوسعة وتراجع الشركات العالمية، وهو ما يضع أربيل في موقف تفاوضي ضعيف أمام اشتراطات بغداد المالية.
"الاستقالة السيادية" والتهجير الناعم
في خضم هذا المشهد، تبرز "الاستقالة الطوعية" لبغداد عن ممارسة سيادتها كأكبر العوائق، فبينما تتعالى الأصوات المطالبة بالسيادة تجاه القوى الدولية، نجد "خرسا تقنيا" أمام 500 خرق لمجال الجوي العراقي.. إن تحييد الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي (مثل سيرام) عند انطلاق مسيرات الفصائل ليس خللا فنيا، بل هو قرار سياسي بترك الإقليم مكشوفا. وفي الوقت الذي ترفض فيه بغداد تزويد "البيشمركة" بوسائل الدفاع بحجة "الاختصاص الاتحادي"، فإنها تمتنع عن أداء هذا الواجب، مما يحول الدستور من وثيقة حماية إلى أداة لتجريد الإقليم من سلاحه.
تتجاوز التداعيات الجوانب العسكرية لتصل إلى "كيّ الوعي" الجمعي للمواطن الكوردي؛ إن استباحة السماء تضرب الأمن النفسي، وتدفع باتجاه "نزوح صامت" وإخلاء قرى حدودية استراتيجية، مما يعني تغييرا ديموغرافيا هادئا يخدم القوى المسلحة المسيطرة على مسارات التهريب.
نحو تدویل الحماية
إن بلوغ عتبة الـ(500) استهداف هو إعلان رسمي عن "وفاة السيادة العراقية الموحدة" واستبدالها بـ "ديمقراطية القصف" حيث المسيرة هي المفاوض الأول.. لم يعد الرهان على التزامات بغداد مجديا؛ فالحكومة الاتحادية أثبتت أنها إما عاجزة أو متواطئة.. لذا، فإن الخروج من هذا النفق يتطلب تحركا جذريا يتمثل في تدويل ملف الحماية الجوية ومكاشفة المجتمع الدولي بالأدلة التقنية التي تثبت تورط الفصائل الرسمية.. إن السكوت عن الـ(500) ضربة اليوم ليس سوى دعوة لاستقبال (5000) ضربة غدا، حتى ينهار "الكيان" من الداخل تحت وطأة النيران والصمت السيادي




