كواليس انتخاب الرئيس: رسالة تحذير لزعيم شيعي و«صدمة المالكي»!
بغداد/ تميم الحسن
قبل ساعات قليلة من جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، تلقّى زعيم شيعي تحذيرًا مفاده أن المضي في عقد الجلسة قد يُعد «مغامرة» بمصير «الإطار التنسيقي»، وقد يفتح الباب، للمرة الأولى، أمام احتمال تفككه.
وجاءت هذه التحذيرات على خلفية انخراط غالبية القوى الشيعية في الاستحقاق الرئاسي، رغم إعلان زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي مقاطعته، وهو الذي يُفترض أنه لا يزال المرشح الأوحد لرئاسة الحكومة حتى الآن.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن فرصة بقاء «الإطار» متماسكًا لم تتبدد بالكامل، لكنها باتت مشروطة بقدرة هذا الزعيم على «إدارة الأوراق» وإعادة ترتيب التوازنات داخل التحالف، في ظل تصدعات غير مسبوقة.
وعلى خلاف التوقعات التي سبقت الجلسة، جرت عملية انتخاب رئيس الجمهورية بهدوء نسبي، لتنتهي بفوز مرشح «الاتحاد الوطني الكردستاني» نزار أميدي بالمنصب، بعد أشهر من الانسداد السياسي.
وعقب ذلك، سارع «الإطار التنسيقي» إلى إصدار بيان تهنئة، اعتبر فيه انتخاب الرئيس «خطوة مهمة في استكمال مسار بناء الدولة وترسيخ العملية الديمقراطية واحترام إرادة الشعب».
غير أن البيان خلا من أي إشارة إلى ملف رئاسة الحكومة، الذي كان يُفترض، وفق السياق السياسي السائد، أن يُحسم بالتزامن مع انتخاب الرئيس، في سابقة لم تحدث من قبل، حيث جرى فصل المسارين الرئاسي والحكومي عمليًا.
وكان لافتًا أن جلسة التحالف الشيعي شهدت حضور كل من نوري المالكي ومحمد شياع السوداني -بحسب صور بثتها الوكالة الرسمية- اللذين باتا يمثلان قطبين متقابلين داخل «الإطار» بعد تحالف قصير لم يلبث أن انهار تحت ضغط الخلافات على رئاسة الحكومة.
وبانتخاب أميدي، الذي يُعد سادس رئيس للجمهورية منذ عام 2003، يكون البرلمان قد أنهى أحد أبرز الاستحقاقات الدستورية بعد نحو 160 يومًا على إجراء الانتخابات التشريعية، من دون أن ينجح، حتى الآن، في فتح الطريق أمام تسوية موازية لملف رئاسة الوزراء، الذي لا يزال عالقًا عند عقدة التوافق داخل البيت الشيعي.
"صدمة المالكي"
مع تدفّق النواب إلى قاعة البرلمان، في جلسة وُصفت بأنها من الأكثر حضورًا، إذ تجاوز عدد المشاركين فيها 200 نائب، في سابقة نادرًا ما تتحقق إلا في المحطات الحاسمة، كانت الرسائل السياسية تُتداول خارج القاعة بوتيرة لا تقل سخونة عما يجري داخلها.
وفي تلك اللحظات، وصل إلى أحد أبرز الزعماء الشيعة تحذير مباشر، مفاده أنه «يُغامر بمستقبل الإطار التنسيقي» عبر تجاهل موقف نوري المالكي وشركاء آخرين، والمضي في انتخاب رئيس الجمهورية دون توافق شامل داخل التحالف.
ويكشف سياسي شيعي مطّلع، مقرّب من أجواء المفاوضات، لـ«المدى»، أن المالكي «كان مصدومًا» من مسار الجلسة، ولم يتوقع تجاوز موقفه بهذه السرعة، خصوصًا أن انتخاب رئيس الجمهورية في هذه المرحلة قد يُضعف فرصه في العودة إلى رئاسة الحكومة لولاية ثالثة.
ويضيف أن هذه المخاوف «لم تكن طارئة»، بل جرى تداولها في كواليس «الإطار» منذ أسابيع، حيث كان يُحذَّر من أن أي محاولة لتقليص نفوذ المالكي أو القفز على تفاهماته قد تقود إلى تفكك التحالف، وهو احتمال بات مطروحًا بجدية خلال الأسبوعين المقبلين.
العودة إلى «الإطار»
في هذا السياق، يبرز عامل الوقت بوصفه ضغطًا إضافيًا. فالمادة (76) من الدستور تمنح رئيس الجمهورية المنتخب مهلة 15 يومًا لتكليف مرشح «الكتلة الأكبر» بتشكيل الحكومة، وهي مدة تبدو ضيقة في ظل عمق الخلافات داخل البيت الشيعي، وصعوبة التوصل إلى مرشح توافقي.
ويرى أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، إحسان الشمري، أن انتخاب رئيس الجمهورية «أنهى نصف الأزمة»، لكنه في المقابل «فتح الباب أمام تعقيدات أكبر داخل الإطار التنسيقي».
ويشير الشمري، في حديث لـ«المدى»، إلى أن تمرير انتخاب الرئيس تمّ عبر تحالفات عابرة للإطار، ضمّت قوى شيعية وسنية وكردية، ما يعكس تشكّل توازن سياسي جديد، لكنه لا يمتلك، حتى الآن، القدرة على تجاوز «الإطار» بالكامل.
ويضيف أن الدستور، ولا سيما المادة (76)، يشكّل «حاجزًا مؤسسيًا» أمام هذه المجموعة، إذ إن ترشيح رئيس الوزراء يبقى من صلاحيات «الكتلة الأكبر»، فيما يقتصر دور البرلمان على منح الثقة، لا اختيار المرشح.
وبحسب الشمري، فإن هذه المعادلة تجعل من الصعب تجاوز «الإطار» دون العودة إليه، سواء عبر التفاهم معه أو من خلال خطوة أكثر تعقيدًا تتمثل بتقديم ترشيح جديد مدعوم بأغلبية كبيرة، وهو خيار يحمل في طياته مخاطر «تصدّع كبير» داخل التحالف الشيعي.
وعلى الرغم من أن الطريق البرلماني لمنح الثقة يبدو أسهل—إذ يتطلب أغلبية بسيطة مقارنة بثلثي الأصوات اللازمة لانتخاب رئيس الجمهورية—فإن العقبات السياسية، الداخلية والخارجية، لا تزال حاضرة بقوة، خصوصًا أن منصب رئيس الوزراء يُعد المحور الأهم في النظام السياسي العراقي.
«نافذة الإنقاذ»
وكان من المفترض أن يُحسم ملف رئاسة الحكومة نهاية كانون الثاني الماضي، حين صوّت «ثلثا» قادة «الإطار» لصالح المالكي، قبل أن يتراجع ما يُعرف بـ«تحالف التسعة» عن هذا التفاهم.
ومنذ ذلك الحين، حاولت أطراف بارزة داخل التحالف، من بينها عمار الحكيم وقيس الخزعلي، ويُعتقد أن هادي العامري انضم إليهم لاحقًا، دفع المالكي إلى الانسحاب أو سحب ترشيحه، غير أن هذه المحاولات لم تنجح، في ظل مخاوف مستمرة من تداعيات تفكك «الإطار».
ويخلص السياسي الشيعي المطلع إلى أن احتمالات الانقسام داخل التحالف الشيعي «اتسعت أكثر من أي وقت مضى»، في حال استمر الزعيم المعني في مواقفه الحالية، لكنه يلفت في المقابل إلى أن «نافذة الإنقاذ» لا تزال قائمة، سواء عبر القبول بتكليف المالكي، أو التوافق على شخصية ثالثة، تُعيد إنتاج التوازن داخل «الإطار» وتمنع انهياره.
مقاطعة الديمقراطي
لم يقتصر تجاوز نوري المالكي في مسار انتخاب رئيس الجمهورية على تعميق الانقسام داخل «الإطار التنسيقي»، بل امتدت ارتداداته سريعًا إلى الساحة الكردية، حيث فجّر توترًا حادًا مع الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، الذي أعلن رفضه القاطع لآلية انتخاب الرئيس الجديد، وامتنع عن التعامل معه.
وبحسب بيان للحزب، فإن جلسة الانتخاب «جرت بطريقة خارجة عن النظام الداخلي لمجلس النواب»، مشيرًا إلى أن رئاسة البرلمان حدّدت جدول الأعمال «من دون الاكتراث للإجراءات القانونية»، في ما اعتبره «انتهاكًا صريحًا» للسياقات المعتمدة.
ورأى الحزب أن المرشح الذي جرى تمريره «لا يمثل الآلية الكردستانية المتفق عليها»، مؤكدًا أن منصب رئيس الجمهورية يُعد «استحقاقًا لشعب كردستان، لا لحزب بعينه»، في إشارة إلى أن ترشيحه تم من قبل طرف واحد، قبل أن يحظى بدعم قوى من مكونات أخرى داخل البرلمان.
وفي تصعيد واضح، شدد «الديمقراطي الكردستاني» على أنه «لا يعتبر الشخص المنتخب بهذه الطريقة ممثلًا للأغلبية الكردستانية»، ما يعكس اتساع فجوة الخلاف داخل البيت الكردي، وانعكاساته المباشرة على التوازنات السياسية في بغداد.
كما أكد الحزب أن كتلته النيابية قاطعت الجلسة، معتبرًا أنه «كان يفترض، بعد المقاطعة، سحب اسم مرشحه من عملية الانتخاب»، في إشارة إلى ما يراه إخلالًا بقواعد التوافق السياسي التي حكمت هذا المنصب لسنوات.
وختم الحزب بيانه بالإعلان عن عودة كتلته النيابية ووزرائه في الحكومة الاتحادية إلى إقليم كردستان «لغرض تقييم الوضع والتشاور»، في خطوة توحي بإعادة تموضع سياسي قد يُلقي بظلاله على مجمل العملية السياسية، في لحظة تتقاطع فيها أزمات «الإطار» مع تصدعات البيت الكردي.
«فيتو ترامب»
بدت معظم القوى السياسية مترددة في المضي بانتخاب رئيس الجمهورية، ليس بسبب الاستحقاق بحد ذاته، بل لما يترتب عليه من استحقاق أكثر تعقيدًا يتمثل في حسم رئاسة الحكومة، في ظل ما بات يُعرف سياسيًا بـ«فيتو ترامب»، الذي يعتقد خصوم نوري المالكي ومحمد شياع السوداني أنه يطال كليهما بدرجات متفاوتة.
ويقول إحسان الشمري، وهو يرأس أيضًا مركز التفكير السياسي، إن «فيتو ترامب» على المالكي «لم يتراجع تأثيره بشكل جوهري»، رغم التهدئة المؤقتة في المواجهة الإيرانية–الأميركية، مشيرًا إلى أن هذا العامل لا يزال حاضرًا في حسابات بعض قوى «الإطار التنسيقي»، التي تستخدمه مبررًا لعدم المضي في تثبيت ترشيح المالكي.
ويضيف الشمري أن تعثر المفاوضات الإيرانية قد يعيد هذا العامل إلى الواجهة بقوة، إلى جانب ما يصفه بـ«الرفض الضمني» للسوداني، والذي استند إليه خصومه في تفسير بعض المواقف الدولية، من بينها بيان أخير لوزارة الخارجية الأميركية أُوِّل على أنه يعكس تحفظًا على أداء حكومته، ما وضعه هو الآخر ضمن دائرة «التحفظ الخارجي».
من جهة أخرى، يحذر الشمري من أن انتهاء فترة الهدنة بين طهران وواشنطن قد يُشكّل نقطة تحول جديدة، تُعيد تصعيد التوتر في المنطقة، وتدفع الإدارة الأميركية إلى تبني موقف أكثر تشددًا إزاء العراق، خصوصًا في سياق توجهها نحو «فك الارتباط» بين بغداد وطهران، والسعي إلى دعم تشكيل حكومة أقرب إلى رؤيتها السياسية.
ويشير إلى أن هذا التوجه سيلقي بثقله مباشرة على معادلة اختيار رئيس الوزراء، في ظل إصرار قوى وفصائل داخلية على الدفع بمرشح قريب منها، ما يفتح الباب أمام صراع مزدوج: داخلي بين أطراف «الإطار»، وخارجي مرتبط بسقف الموقف الأميركي.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن واشنطن تتجه، وفق المؤشرات الحالية، إلى إعادة صياغة علاقتها مع بغداد ضمن محددات جديدة، تقوم على الفصل الواضح بين المسارين العراقي والإيراني، وعدم إدراج العراق ضمن أي «صفقات إقليمية» محتملة، وهو ما من شأنه أن يزيد من صعوبة التوفيق بين حسابات الداخل وضغوط الخارج في لحظة سياسية شديدة الحساسية، بحسب رأي الشمري.
The post كواليس انتخاب الرئيس: رسالة تحذير لزعيم شيعي و«صدمة المالكي»! appeared first on جريدة المدى.




