قناطر: ثقافتنا في الوعي الشعبي
طالب عبد العزيز
الكتابة فنٌ كباقي الفنون؛ أو مهنةٌ لها تقاليدُ مختلفة، عند كلِّ ممتهن لها، وفي مورثنا الإنساني القصص الكثيرة، عن كبار الكتاب والشعراء والفنانين، ونقرأ في الكتب الكثير من الغريب والمثير عن طقوس هؤلاء في التفكير والتدوين، بعضها معقول وتقليدي، والبعض الآخر فيه من الغرابة والجنوح ما فيه، لكنني، لا أعتقد بأنَّهم يذهبون في هذه وتلك من أجل الاثارة وجلب النظر أو الشهرة، إنما هي أفعال إنسانية، تنسجم مع الطبيعة التي إنبت بموجبها الشخصية الكاتبة، فإطلاق الذقن لا يعني الفلسفة، وارتداء الخشن من الثياب لا يعني التصوف، والاناقة المبالغ فيها لا يعني التصابي، كما لا يعني الانزواء في البيت واحكام الأبواب المجيءَ بنظرية جديدة في الفيزياء أو الكيمياء وهكذا.
تُعنى الصحافة الثقافية والفنية بالجوانب المثيرة من حياة الكتاب والشعراء والفنانين، وتنقل أخبارهم، بوصفها معلومة خاصة، فتتصدر الصفحات الأُوَل، ويسارع القراء الى تناولها بحثاً عن التفاصيل الدقيقة في حياة هؤلاء، ثم تنقل إلى وسائط أعلامية أخر، وتتسع دائرة التداول فتصبح على كل لسان، وتدخل مادة في الأحاديث الجانبية، شبه اليومية، ففي كل تفصيلة عن حياة الموسيقار محمد عبد الوهاب يجري الحديث عن مخاوفه من ركوب الطائرة، ومثل هذه وتلك نجده في الحديث عن أحمد شوقي وفي سيرة وفن أم كلثوم وعمر الشريف ونجيب محفوظ وعبد الحليم حافظ وسواهم.
قليلاً ما نقرأ في ثقافتنا العراقية عن قصص ووقائع تخصُّ شعراءنا وكتابنا وفنانينا، اللهم إلا من مناكدات الرصافي والزهاوي، أو سياسيينا مثل نوري السعيد وتوفيق السويدي، ولعل قصة صباغ الأحذية مع الشاعر بدر شاكر السياب والزعيم عبد الكريم قاسم نادرة من النوادر، التي انقطعت اليها أو توقفت فيها صحافتنا الثقافية عن تناول ما حولها. من وجهة نظر شعبية أجدُ أنَّ نقل الطُرف الغريبة والروايات المشحونة أعلامياً، والمقدمة بذكاء واحتراف تسهم من حيث لا نعلم في جعل الثقافة في المتناول وتسويقها على المستوى الشعبي، إذا ما أقررنا بأنَّ ثقافتنا تعاني من مرض مزمن اسمه(محدودية العلاقة بين الكاتب والقارئ).
ربما تكون أوضاع البلاد السياسية والأمنية والتركيبة الاجتماعية المتشددة بطبيعتها وانقسام المجتمع الى قبائل وطوائف ومذاهب اسباباً منطقية في عدم خلق هذا النوع من الصحافة، أو بسبب سوء التأويل والتهم الجاهزة فحادثة صبغ حذاء السياب وعبد الكريم قاسم تروى بسياقها السياسي، فالسياب مقرب من القوميين وعبد الناصر والزعيم مقرب من الشيعة والشيوعيين، وكل ما يدور في فلك الحادثة سيبقى محدوداً لأنَّه يُستعمل في الحطِّ والنيل من الشخصيتين. كذلك، سيكون الحال مع الجواهري وصدام حسين، فالصورة التي انتشرت بسبعينات القرن الماضي والتي يظهر فيها الجواهري صحبة صدام حسين في أحد البساتين ببغداد لم تمنع الجواهري من هجائه خلال اقامته في سوريا، وستظل الواقعة عالقة في الحدث السياسي، وغير صالحة للاستعمال إلا بوصفها مناكدة لوضع متأرجح بين اليمين واليسار.
هناك عقود ضائعة من حياة العشرات من الكتاب والشعراء والفنانين العراقيين، وهناك حوادث ووقائع مرعبة وطريفة وشائكة ولها دلالات سياسية واجتماعية واخلاقية ظلت حبيسة صدور أصحابها، إذْ من غير المعقول أن تمضي حياة شعراء مختلفون ومُختلف عليهم وفيهم مثل مظفر النواب وسعدي يوسف وحسين مردان ورشدي العامل وحسين الحسيني وسامي مهدي وحميد سعيد وفؤاد التكرلي ومحمود عبد الوهاب ومهدي عيسى الصقر وناهدة الرماح وسامي عبد الحميد وزينب وخليل شوقي وجواد سليم وخالد الرحال وشاكر حسن آل سعيد وضياء العزاوي ومنقذ الشريدة ووووو دون فعل من أفعال الإثارة الإعلامية، لا بمعناها الفج والشعبوي إنما بمدولاتها الفكرية والثقافية والاجتماعية. هناك جوانب مسكوت عنها في سيرهم لكن غير مستغنى عنها، فهي رافد ومحرك للثقافة سيسهم في انتشال الثقافة العراقية من قطيعتها مع الجمهور لو صيغت بعناية وتم تداولها خارج أمراضنا السياسية والأمنية والاجتماعية.
The post قناطر: ثقافتنا في الوعي الشعبي appeared first on جريدة المدى.





