... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
180681 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9184 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

قناطر: نشيدٌ متصل.. أغنيةُ من ليس له أغنية

ترفيه
المدى
2026/04/14 - 21:03 501 مشاهدة

طالب عبد العزيز

أوثق الرجلُ دراجته الهوائية الى شجرة بشارع الفراهيدي، (شارع الثقافة البصرية)وجلس دون علم منه بأنَّ الكرسيَّ الذي يجلسُ عليه هو خاصة أحدهم، فيما ظلَّ جماعةُ العازفين واجمين، حيارى، توحّدهم ابتسامة خجول، محملقين بوجوه بعضهم، بانتظار فراغ كرسيِّ صاحبهم. وهكذا، راحوا يبحثون في بطون آلاتهم.
صاحبُ العود الفنان قصي البصري يخفي نصف رأسه، مداعباً أوتاره، بانتظار الدوزان الذي يريده، والطبّال ينقر بأصبع مبحوحةٍ على قحف الطبلة، فيما يمسح ضاغطاً براحة يده على جلدتها اللينة، وكذلك كان الآخرون، كان الكاسورُ بدشداشته البيضاء ويشماغه اليماني ينتظرُ مغادرة الرجل، شاغلِ الكرسي.
يقع شارع الفراهيدي بين رقعتي محلة العباس وكمب الارمن، الذي يلي مبنى الاطفائية، وهو جهد فردي تبنته مجموعة من الشباب(إنجاز) استمالوا الحكومة المحلية ذات يوم، فمنحتهم رخصة تأسيس ما يعرفُ اليوم بشارع الثقافة، الكائن في الرقعة الطولية الممتدة بين محلة العباس وكمب الارمن. ما عادت الناس اليوم ترى القبر المنسوب للعباس (لاعلاقة للقبر بالامام العباس)إذْ، يمكننا تسمية أيّ رجل بالاسم هذا، واضفاء قدسية ما عليه، وكذلك اختفى بيت صديقنا المعلم الارميني اسكيناس، الذي ظلَّ على دراجته الهوائية يذرع الطريق الى أم البروم، قبل أن يختفي مع ما اختفى من بيوت الكمب. الآن، يمكننا أنْ نقول بأنَّ شارع الفراهيدي يقوم على اندثار الضريح وسقوط حجارة الكمب.
كان العازف الاخير قد وجدَ الكرسيَ، الذي تخلى عنه صاحبه، فجلس يُطمئن آلته، فيما بدا واضحاً أنَّ جماعة العازفين كفّوا عن التهامس بينهم، وحزموا أمرهم، متفقين على الاغنية الاولى، التي سيتحلق حولها الجمهور، الملتئم بنصف دائرة حولهم، ومن أصابعه السُّمر، الطاعنة ببصريتها صدح صوتُ العود، ودقَّت الخشابة منظِّماً المجموعة، التي سرعان ما راحت تردد الاغنية، وسط مشاركة الجالس، والعابر، والمستطرق، ومتصفح الكتب، وبائع الانتيكات، والطالع صحبة ابنته الصغيرة، والمتبضع من السوق الصغير، إذْ أنَّ : ليل البصرة مختلف. هكذا، يقول أحدهم، وهو يطوّح برقبته، متناغماً مع الأغنية التي ملأت الشارع، ويتمايل على وقعها الجالسون والعابرون الآن.
أنا أيضاً وجدتُ كرسياً شاغراً وجلستُ، منسجماً مع ما يُتلى، ويُنغّم، ويصّاعد، فهذه الاغنية ترفو ما تمزَّق من دشداشة الهوان عليْ. يقول من لا عِلم له: البصريُّ الاسودُ القادم من زنجبار هو من لا يقوى على سماع الطبل، وأقول ما هو من البصرة بشيئ من لم يتمكن الطبل من روحه، فصوت الطبل يحفر عميقاً في الذات البصرية، وحده من يخرجها من هدوئها، وحيائها، واستكانتها، وسلبيتها حتى، غير مبالٍ بمن يُستقبح، ويٌستنكر ويشنّعُ عليهم. لمَ يمنعني جلوس المرأةُ الجميلة أمامي من التطويح برقبتي، مأخوذاً من أعماق روحي، ومحمولاً على صوت جماعة المنشدين، العازفين، وهم يرددون (غيبي يا شمس غيبي/ متواعدْ آنه وحبيبي/ غيبي، غيبي، يلله غيبي..).
لا حاجة لك بدعوة البصري لسماع أغنية. هو يأتي، ينقاد للنغم طائعاً، لذا لا يدعو جماعةُ العازفين(الخشابة) أحداً لحضور حفلاتهم، هم يغنون حسب، وكل صعيد في البصرة يصلح لأغنيتهم، لقد مهَّد الآباء الاولون الارض، فتراهم في السوق، وفي الشارع، وتحت نخلة، وخلف جدار قديم، وبين قاربين، أو على ضفة نهر. ليس المكان حاجة لديهم، هو دالةٌ على النغم، لأنَّ الاغنية حاضرة القلوب، ويحفظها الجميع، والاكفُّ جاهرة للتصفيق، والاكتاف تستجيب، فتهتزُّ وترتجف، وما أنْ تضرب بأصبعك على وتر أو تُصدر صوتاً من طبل أو تنشد أغنيةً ، أيَّ أغنيةً، وإن لم تكتبْ وتسمعْ من قبل حتى تتفتقُ الازقة والابواب عن مشاركين، وتنشقُّ الاخصاص والحيطان عن حناجر وأكف لا حصر لها.. ليس من الاهمية بشيء أن تعرفهم، فأنت في البصرة، إذْ كل من حولك هم أنت.
يحكم الرجلُ الخمسيني قفل دراجته، وكما لو أنه كان هنا قبل ساعتين سمعته يردد معهم (سمّعنه يا بو العود- اطربنه يابو العود) وببراءة طفل أسمرَ راح يطوّح برقبته الى اليمين والشمال، باحثاً في فمه عن ابتسامة سائلة، يترفع فيها على التطويح ذاك، لكنَّ الكاسور صار يلحُّ، مطالباً الجمهور بالصفقة البصراوية، لهذا تعالت الاصوات ودوّت الاكف، واهتزت الاكتاف، وملأت الاغنيةُ الازقة والبيوت القريبة، ومثل عاصفة تعاظم شانها آخرَ الليل، فتوغلت كبيرةً في صالات الرأي، وأبهاء الفنادق البعيدة، حيث يقيم الاقتصاديون، والمرابون، ومهربو النفوط، ومشعلو الفتن، والمشعوذون، وسواهم مع جواريهم وسراريهم في فنادق الدرجة الاولى. الأغنية الآن؛ تقضُّ مضاجعهم.
وفيما كان المنشدون يرددون مقاطع الأغنية المستلة من أوبريت بيادر خير(لال ولول ولوه، شوف بحالي شسوّى- الحُبْ مو بالقوة ) كانت المرأة وسط الشارع الخدميّ تجاهد، تجرُّ صبيتها، التي توقفت تلوّح بجديلتها، مرددة معهم أغنية طفولتها. من مجلسي في الشارع كنت أسمع صوت حذائها وهي تكتحته على الاسفلت، بنصف رقبة ظلت تميل وتميل.

The post قناطر: نشيدٌ متصل.. أغنيةُ من ليس له أغنية appeared first on جريدة المدى.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤