خطاب إيران الداخلي بعد شهر من الحرب!
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
مرّ شهر على الحرب الإسرائيلية – الأميركية ضد إيران، وأيضاً الاعتداءات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي، من دون بروز أفقٍ محددٍ يشير إلى نهايةٍ محتملةٍ للمواجهات العسكرية، رغم الجهود التي تبذلها باكستان في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، وتواصلها الدائم مع الرياض والعواصم المهمة بالتنسيق مع أنقرة والقاهرة، في ديبلوماسيةٍ نشطة يرادُ منها احتواء التصعيد، والتمهيد لحلٍ سياسيٍ قابل للتطبيق.في هذا السياق، وتحديداً في ما يتعلق بـالجبهة الداخلية، سعت إيران الرسمية إلى بناء سرديةٍ داخليةٍ موجهةٍ إلى مواطنيها، تجلت في الخطاب الأحدث لمرشد الثورة الإيرانية مجتبى خامنئي، المعنون رسالة نوروز 1405 في 20 آذار- مارس، يُظهر أن القائد الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، اختار منذ بداية عهده تأطير المرحلة باعتبارها مرحلة صمودٍ شامل، وهذا يتضح من العنوان الذي منحه للعام الجديد الاقتصاد المقاوم في ظل الوحدة الوطنية والأمن الوطني، وهي صياغة سياسية بامتياز، تتجاوز كونها مجرد شعارٍ تعبويٍ جماهيري، لأنها تضع الاقتصاد داخل معادلةٍ أمنيةٍ وسياسيةٍ متكاملة.المقصود من هذه الصياغة التي أطلقها المرشد الثالث ليس معالجة الاختلالات الاقتصادية بطرائقٍ إداريةٍ تقليدية، وإنما تحويل الاقتصاد إلى وظيفةٍ من وظائف الثبات الداخلي أثناء الحرب، وذلك بمواجهة الضغوط الخارجية المتصاعدة بسبب الحرب الإسرائيلية – الأميركية التي دمرت الكثير من القدرات العسكرية والبنى التحتية.الأكثر دلالة في الرسالة الثانية للمرشد مجتبى خامنئي، أنه لا يرى ما مرت به إيران خلال الأشهر الفائتة باعتباره أزمةً واحدة، بل يعيد تنظيمه مرحلياً قائلاً: في العام الماضي خاض شعبنا العزيز ثلاث حروبٍ عسكريةٍ وأمنية، مضيفاً: الحرب الثالثة هي الحرب التي نحن الآن في وسطها.هذه التراتبية في النظرة لما مرت وتمر به إيران، تعكس إدراكاً من القائد الجديد بأن الحرب أبعد من مجرد فعلٍ عسكري وحسب، وإنما أداة أكثر تأثيراً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وأمنياً، يراد منها إحداث تغييرات بنيوية عميقة في النظام الحاكم وأيضاً في نظرة الشعب الإيراني وعلاقتهبالنخبة الحاكمة ومؤسساتها.خامنئي الإبن بهذه المقولة يريد توسيع مفهوم التهديد الذي يواجه الدولة، بحيث يشمل الداخل والخارج في وقت واحد، ويمنح النظام أساساً لتبرير تشديد الانضباط الداخلي والقبضة الحديدية، وربط وحدة المجتمع بضرورات البقاء، باعتبار أن الجغرافيا الإيرانية ككل مهددة بـالتفكك وليس نظام ولاية الفقيه وحده، وفق الرؤية التي يتبناها الخطاب.هذا التركيز على مخاطر السيطرة والتفكيك يخاطب وجدان الإيرانيين وذاكرتهم، ما يدفعهم إلى مزيدٍ من المحافظة وعدم الانخراط في نشاطاتٍ مناوئةٍ للنظام حتى لو كانوا على خلافٍ معه أو ناقمين عليه، خوفاً من تكرار تجاربٍ قديمة، عانت فيها إيران ما قبل الثورة من محاولاتٍ للتمرد على حكومتها المركزية، ولذلك يعتبر الشعب أن بقاء الهوية الإيرانية موضوعاً محل إجماع، وإن كانت ولاية الفقيه لا تحظى بالقبول من عموم الإيرانيين.ولتحقيق هذا التماسك، نجد أن مجتبى خامنئي يثني على المجتمع لأنه جمع الصيام إلى الجهاد ولأنه أقام خطاً دفاعياً واسعاً على امتداد البلاد. ثم يمضي المرشد أبعد من ذلك بقوله: في الوقت الحاضر، وبفعل وحدةٍ عجيبةٍ نشأت بينكم أيها المواطنون على اختلاف منابتكم الدينية والفكرية والثقافية والسياسية، حدث انكسار في العدو.كل ما سبق، يطرح سؤالاً: ما الذي سيحدث في اليوم التالي حينما تقف الحرب؟ ساعتها سيخرج الإيرانيون عن الصمت ليطرحوا علناً الأسئلة الكبيرة حيال المستقبل المجهول، ودور سياسات النظام في الانسداد الحاصل، وستكون الاستحقاقات أكثر تعقيداً، لأن المساءلة ستصبح صريحةً وعلانية.




