خطة إسكان خمسة ملايين نازح في الخيام.. بين الطموح والواقع
يطرح الدكتور دريد درغام حاكم مصرف سوريا المركزي الأسبق عبر صفحته على فيسبوك مقاربة اقتصادية واجتماعية متكاملة لإنهاء مأساة أكثر من خمسة ملايين نازح سوري، منهم مليون يواجهون ظروفاً مأساوية تحت الخيام، مستنداً في مقترحه إلى استثمار أصول الدولة التي تملك نحو 70 بالمئة من مساحة البلاد.
وتتبلور فكرة درغام حول اختيار مواقع إستراتيجية قريبة من شبكات الخدمات الأساسية، حيث تضطلع الحكومة بدور “الميسّر” عبر تجهيز الأراضي بالآليات الثقيلة، وتأمين شراء مركزي لمواد البناء لخفض التكلفة، وتوفير الإشراف الهندسي لضمان التخطيط الشبكي ومنع نشوء عشوائيات جديدة.
ويرتكز جوهر المشروع على مفهوم “مقايضة الجهد البدني بالحق في السكن”، حيث يتم تصنيف سكان المخيمات حسب كفاءاتهم المهنية ليعملوا مجاناً في بناء وحداتهم السكنية وتمديد المرافق العامة، بينما يتم تدريب غير المهرة ميدانياً، مما يخلق حالة من التكافل يبني فيها الخبراء للفئات الضعيفة كالأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة مقابل ميزات تفضيلية في اختيار المواقع أو منح رخص تجارية.

وتعتمد الوحدة السكنية المقترحة على نموذج “النواة” بمساحة 30 متراً مربعاً قابلة للتوسع الشاقولي والأفقي، محاطة بوجائب تسمح بالنشاط الزراعي أو التجاري، ومنظمة ضمن “بلوكات” سكنية صغيرة تسهل إدارتها.
من الناحية المالية، يقدر الدكتور درغام تكلفة المنزل النموذجي بنحو 1750 دولاراً فقط، وهو رقم يقل بكثير عن تكاليف صيانة الخيام والأعباء الصحية الناجمة عنها، حيث لن تتجاوز تكلفة مليون مسكن نحو 2 مليار دولار، وهو مبلغ متاح ضمن موازنة عام 2026 التي شهدت نمواً ملحوظاً.
وتتوزع الخطة التنفيذية على مراحل تبدأ بالتحضير وفرز العمالة، مروراً بالهيكل الأساسي وبناء البنى الخدمية، وصولاً إلى مرحلة الاستيطان والإنتاج التي تحول النازح من مستهلك للمعونات إلى منتج، مع إمكانية عرض قصص النجاح على المنظمات الدولية لجذب تمويل يسهم في تحويل هذه النوى السكنية إلى مدن حديثة ومنظمة.
ختاماً، يرى درغام أن هذا المشروع يحقق مكاسب إنسانية وحقوقية تنهي ظاهرة الاتكالية وتعزز الانتماء للمكان، مع مراعاة البعد الجغرافي للنازحين ومنحهم خيارات سكنية قريبة من مناطقهم الأصلية لضمان الانسجام الاجتماعي، مؤكداً أن الحل يكمن في تحويل الميزانيات الإغاثية المستنزفة إلى استثمار إنشائي لمرة واحدة يصون كرامة السوريين، ومقدماً هذه الدراسة للحوار العام كخريطة طريق عملية تأمل التبني الحكومي قبل حلول الشتاء القادم.
حالمة وغير واقعية؟
خبير التقييم العقاري الدكتور أنور وردة يرى في حديثه لـ”الوطن” أن المقترحات الواردة في الدراسة جميلة نبيلة لكنها طوباوية وحالمة وغير واقعية، رغم أنها تحوي بعض النقاط التي يمكن التقاطها منها.
وذلك يعود إلى أنها بداية تقوم على افتراض أن الدولة ستخصص مواقع لإنشاء مشاريع لإسكان حوالى 5 ملايين نازح، وتوظف آلياتها لتسوية الأراضي، وتتحول إلى تاجرٍ يشتري مواد البناء ويبيعها بسعر الكلفة، وتوفر مهندسين ومساحين وكوادر فنية كافية، لكنها تتجاهل أن الدولة لم تقم منذ التحرير وحتى الآن بتنفيذ قمصان الزفت وإنارة الشوارع الرئيسة في المدن الرئيسة، ولديها من الخدمات الناقصة والبنى المتهتكة ما يفوق الوصف، فهل تملك إمكانات تكفي لتأسيس مشاريع لإسكان ملايين المشردين والنازحين، في ظل معاناتها من العجز الاقتصادي الواضح؟
ولفت وردة إلى أن الدراسة تفترض أن العمال والمهنيين سيقومون بالعمل مجاناً لمدة سنوات! وهذه سخرة لا يقوى عليها أناس يقطنون المخيمات ولا يجدون لقمة العيش، كيف يستطيع هؤلاء العمل مجاناً، ومكافأتهم هي (أولوية اختيار الموقع قرب السوق أو المسجد)؟
واعتبر خبير التمويل العقاري أن الشعار الذي طرحته الدراسة (الأقوياء والخبراء يبنون مجاناً للجميع) شعار خطابي شعبوي، قد يحظى بحماس وتصفيق بعض الناس، لكنه لا يجد طريقه إلى التنفيذ، فالنازحون ليسوا أقوياء، والأقوياء لا يعملون مجاناً، مضيفاً: لو أن هذه الدراسة كانت موجهة للمنظمات الدولية لكانت معقولة نسبياً، أما توجيهها للأفراد والدولة السورية فيفقدها المعقولية والواقعية.
كما يرى وردة أن الدراسة مبنية على افتراض أن كلفة المتر المربع هي حوالى 58 دولاراً للهيكل والإكساء، وهذا غير صحيح مهما كانت مواصفات البناء متدنية، والكلفة لا تقل عن ضعف هذا المبلغ وفق الأسعار المتداولة في السوق، واصفاً الأرقام بالخاطئة مضللة، ما يفقد الدراسة الثقة التي يجب أن تتحلى بها.
ومن الأمور التي تجعل الدراسة غير واقعية بناءً على وردة أنها تتحدث عن أسواق تجارية وزراعة منزلية وأحياء منظمة وتحول اجتماعي كامل، وهذه الأمور لا تتوفر في المدن والأرياف الميسورة المستقرة، فهل يمكن أن تتوفر في المجمعات التي ستضم الفئات الأكثر هشاشة وعوزاً؟
كما أن الدراسة تتجاهل الخوض في التفاصيل المتعلقة بعدالة التوزيع والمحسوبيات والفساد الإداري ومشاكل البيع والتمليك خارج الأطر القانونية، وهذه التفاصيل تكفي لهدم الفكرة من أساسها.
وختم وردة بالقول: مشكلة هذه الدراسة ليست في فكرة إسكان النازحين والمشردين، فهي فكرة إنسانية مهمة وراقية، لكنها تقدم حلولاً خاطئة وغير قابلة للتطبيق، وتفتقر إلى الصحة المهنية، وتبيع المشردين والنازحين وهماً لا يمكن تحقيقه، وترسم لهم قصوراً في الهواء يسكنونها في أحلامهم، ويستيقظون في خيامهم على واقعهم المأساوي المرير، فتزداد مرارتهم وإحباطهم، وقد ينقمون على الدولة التي لم تتبن هذه الدراسة الخيالية، حيث تكمن خطورة أفكار كهذه في أنها تؤخر الحلول الحقيقية، لأنها تشغل الناس بالجري وراء سراب جميل كبير.




