خروقات الاحتلال في غزة: ما الذي يتواصل؟ ما خطورة نزع السلاح؟

المركز الفلسطيني للإعلام
لا تبدأ خروقات الاحتلال في غزة عند لحظة القصف فقط، ولا تنتهي مع إعلان هدنة على الورق. ما يجري على الأرض يقول شيئًا آخر تمامًا: إطلاق نار متكرر، استهداف لمناطق يفترض أنها آمنة، تعطيل للمساعدات، وتوسيع لدوائر الخوف والجوع والنزوح. لهذا لا يمكن التعامل مع الخرق بوصفه حادثًا منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من نمط متواصل يعيد إنتاج العدوان بوسائل متعددة، عسكرية وإنسانية وسياسية.
خروقات الاحتلال في غزة ليست استثناءً
حين تُعلن تفاهمات تهدئة أو ترتفع الوعود الدولية بخفض التصعيد، يتوقع الناس حدًا أدنى من الالتزام يتيح انتشال الجرحى، ودفن الشهداء، وإدخال الغذاء والدواء، وعودة بعض الحياة إلى ما تبقى من الأحياء المدمرة. لكن ما يحدث غالبًا هو العكس. الاحتلال يتعامل مع أي تهدئة باعتبارها مساحة لإعادة التموضع، لا التزامًا فعليًا بوقف العدوان.
هذا النمط ليس جديدًا على أهل القطاع. فالتجربة المتراكمة منذ سنوات الحصار والحروب المتعاقبة أظهرت أن الاحتلال يوظف الغموض في الصياغات السياسية، ويستفيد من ضعف آليات المحاسبة الدولية، ثم يفرض على الأرض تفسيره الخاص للتهدئة. والنتيجة أن المدنيين يبقون تحت التهديد، حتى عندما يفترض أن البنادق صمتت.
المشكلة هنا ليست في عدد الخروقات فقط، بل في طبيعتها أيضًا. هناك خروقات مباشرة كالقصف وإطلاق النار، وهناك خروقات أقل ضجيجًا لكنها لا تقل فتكًا، مثل منع دخول الوقود، واستهداف البنية الصحية، وعرقلة وصول فرق الإنقاذ، ودعم المليشيات الإجرامية، والعصابات المرتبة بالاحتلال، وفرض شروط ميدانية تجعل الحياة نفسها مؤجلة.
كيف تظهر الخروقات على الأرض؟
الحديث عن خروقات الاحتلال في غزة يحتاج إلى تسمية الأشياء بأسمائها. الخرق قد يكون رصاصة تطلق على نازحين، وقد يكون طائرة مسيرة تحوم فوق منطقة مكتظة فتمنع الناس من الحركة، وقد يكون إغلاقًا لمعبر في لحظة حرجة، أو استهدافًا لشرطة مدنية تؤمّن المساعدات. كل ذلك ينعكس مباشرة على حياة السكان.
في الميدان، تتكرر أنماط واضحة. أولها استهداف المدنيين أثناء التنقل أو العودة إلى مناطقهم. كثير من العائلات تحاول الوصول إلى منازلها أو تفقد ما تبقى منها بعد إعلان تهدئة أو انسحاب جزئي، فتجد نفسها تحت النار. الاحتلال هنا لا يكتفي بفرض النزوح، بل يعاقب الناس أيضًا على محاولة كسره.
النمط الثاني يتعلق بالمؤسسات المدنية. المستشفيات، المدارس، مراكز الإيواء، شبكات المياه والكهرباء، وحتى الطرق المؤدية إلى نقاط الإغاثة، كلها تتحول إلى ساحات ضغط. هذا النوع من الخروقات لا يهدف فقط إلى إيقاع خسائر مباشرة، بل إلى جعل المجتمع عاجزًا عن التقاط أنفاسه أو تنظيم بقائه.
أما النمط الثالث فهو خرق الإغاثة. إدخال المساعدات يصبح خاضعًا لابتزاز سياسي وأمني، وتوزيعها يتعرض للفوضى بسبب الاستهداف أو المنع أو تقليص الكميات. هنا يتحول الغذاء إلى أداة حرب، والدواء إلى ورقة تفاوض، والوقت إلى خصم إضافي للفلسطينيين المحاصرين.
والنمط الرابع يتمثل في دعم الميليشيات الإجرامية والعصابات المرتبطة بالاحتلال، وتحريضها على استهداف السكان والمجتمع المحلي؛ إذ تسهم هذه الممارسات في تفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتحويل العدوان إلى حالة مستمرة وممنهجة.
الاستهداف الميداني بعد التهدئة
من أخطر ما يكشف حقيقة المشهد أن الخروقات لا تتوقف حتى بعد إعلان تفاهمات مؤقتة. قد ينخفض حجم القصف الواسع، لكن ذلك لا يعني توقف العدوان. أحيانًا ينتقل الاحتلال إلى استهدافات موضعية، أو إلى إطلاق نار متقطع، أو إلى توغلات محدودة، ثم يقدّم ذلك كإجراء أمني أو رد تكتيكي.
هذا التدرج مهم لأنه يسمح له بالتحايل على الرأي العام الدولي. فبدل صورة الغارات المكثفة التي تثير الإدانات، يظهر المشهد وكأنه حوادث متفرقة. لكن بالنسبة لسكان غزة، النتيجة واحدة: الخوف مستمر، والموت ممكن في كل لحظة، والهدنة تتحول إلى عنوان إعلامي لا أكثر.
البعد الإنساني للخروقات
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول، تتواصل خروقات الاحتلال يوميا. ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة، أسفرت الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية منذ بدء سريان الاتفاق عن استشهاد 777 فلسطينيا وإصابة 2193 آخرين.
لكن، ليس دقيقًا أن نحصر أثر خروقات الاحتلال في غزة في عدد الشهداء والجرحى وحده، على فداحة هذه الحصيلة. هناك طبقة أوسع من الأذى تتعلق بما يخلّفه الخرق من انهيار يومي في شروط العيش. كل تأخير في دخول شاحنة طحين، وكل استهداف لخزان مياه، وكل انقطاع للوقود عن مولدات المستشفيات، هو اعتداء مباشر على المدنيين.
في غزة، المسافة بين الخرق العسكري والكارثة الإنسانية قصيرة جدًا. القطاع محاصر أصلًا، وبنيته التحتية منهكة، والقدرة على التعويض شبه معدومة. لذلك فإن أي خرق، ولو بدا محدودًا في التوصيف العسكري، يمكن أن يفتح سلسلة من التداعيات على الغذاء والصحة والإيواء والنظافة العامة وانتشار الأوبئة.
هذا ما يجعل الحديث عن القانون الدولي الإنساني ضروريًا، لكن من زاوية مختلفة. المشكلة لم تعد في نقص النصوص، بل في غياب الإرادة لفرضها. الاحتلال يعرف أن ضرب المنظومة المدنية في غزة يضاعف الألم، ومع ذلك يستمر، لأن الكلفة السياسية غالبًا تبقى أقل من حجم الجريمة نفسها.
لماذا تتكرر الخروقات بلا رادع؟
السبب الأساسي هو الحصانة السياسية التي يتمتع بها الاحتلال بفعل الدعم الغربي، وخصوصًا الأمريكي، أو على الأقل بفعل الحماية من المساءلة الجدية. الإدانة اللفظية لا تغيّر شيئًا عندما تغيب إجراءات الضغط الفعلية. ما دام السقف الدولي منخفضًا، سيبقى الاحتلال يختبر مزيدًا من الانتهاك.
السبب الآخر يتعلق بطبيعة السياسة الإسرائيلية الإجرامية تجاه غزة. القطاع لا يُنظر إليه فقط كمساحة مواجهة عسكرية، بل كبيئة يراد إخضاعها واستنزافها وكسر إرادتها الجماعية. لذلك فإن الخروقات ليست خللًا في التطبيق، بل امتداد لمنهج يرى في الضغط المستمر وسيلة لإدارة السكان والسيطرة عليهم.
كما أن السردية الصهيونية ما تزال تجد من يعيد إنتاجها في كثير من المنابر، بحيث يُعاد تقديم العدوان كدفاع عن النفس، وتُطمس حقيقة الاختلال الجذري في موازين القوة بين محتل مدجج بالسلاح وشعب محاصر. هذا التشويه لا يبرر الجريمة فحسب، بل يخفف من وقعها في المجال العام العالمي.
بين الخرق العسكري والخرق السياسي
بعض الخروقات يقع في الميدان، لكن بعضها الآخر يتجلى في تعطيل ما تم الاتفاق عليه سياسيًا أو إنسانيًا. فعندما تُبرم تفاهمات تشمل إدخال مساعدات أو إعادة انتشار أو وقف الاستهداف في مناطق معينة، ثم يجري الالتفاف عليها، فنحن أمام خرق سياسي له آثار ميدانية مباشرة.
هذا مهم لأن الاحتلال يحاول أحيانًا أن يفصل بين المسارين، فيدّعي احترام الاتفاق من حيث المبدأ بينما يفرغه عمليًا من مضمونه. يسمح بمرور جزء من المساعدات ويمنع جزءًا أكبر، يعلن الانسحاب من منطقة ثم يبقيها تحت التهديد الناري، أو يوافق على ترتيبات إنسانية ثم يعطل التنفيذ بحجج أمنية. في النهاية، يبقى الفلسطيني هو من يدفع الثمن.
ما الذي تعنيه هذه الخروقات لمستقبل غزة؟
المعنى الأول أن أي حديث عن استقرار سريع يبقى مضللًا ما لم يقترن بضمانات حقيقية ومحاسبة واضحة. غزة لا تحتاج إلى بيانات مطمئنة بقدر ما تحتاج إلى وقف فعلي للاعتداء، ورفع للحصار، وتأمين لعمل المستشفيات والمرافق الأساسية، وحماية للمدنيين من آلة القتل المنظمة.
المعنى الثاني أن إعادة الإعمار نفسها تصبح رهينة للخروقات. لا يمكن بناء مدارس أو إصلاح شبكات مياه أو إعادة تشغيل الاقتصاد المحلي في بيئة قابلة للانفجار في أي لحظة. المستثمرون يغيبون، والكوادر تستنزف، والعائلات تعيش على حافة النزوح الدائم. هكذا يتحول الخرق إلى أداة لتجميد المستقبل، لا فقط لتدمير الحاضر.
المعنى الثالث يمس الذاكرة الفلسطينية. كل خرق جديد يضاف إلى سجل طويل من الوعود المكسورة والتفاهمات المنهارة، ما يعمق انعدام الثقة بأي وساطة لا تستند إلى قوة إلزام حقيقية. هذه ليست مسألة مزاج سياسي، بل نتيجة مباشرة لتجربة دامية ومتكررة.
كيف يجب قراءة المشهد إعلاميًا؟
الخلل يبدأ حين تُختزل خروقات الاحتلال في غزة في أرقام عاجلة أو أخبار مقتضبة منزوعة السياق. الخبر مهم، لكن الأهم هو ربطه بالبنية التي أنتجته: حصار ممتد، احتلال قائم، ومجتمع مدني مستهدف على نحو منهجي. من دون هذا الربط، يبدو الخرق وكأنه انحراف عابر، للا وجهًا ثابتًا للسياسة الإسرائيلية والعدوان الصهيوني المتواصل.
لهذا تحتاج التغطية إلى دقة في اللغة أيضًا. ليس كل استهداف حادثًا، وليس كل تأخير لوجستي مشكلة تقنية، وليس كل قتل نتيجة اشتباك. التسمية الدقيقة جزء من المعركة على الحقيقة. ومن هنا تأتي أهمية المنصات التي تتابع الملف الفلسطيني باستمرارية، وتعيد وضع الأحداث ضمن سياقها الوطني والإنساني والسياسي، كما يفعل المركز الفلسطيني للإعلام في تغطيته الممتدة لهذا الملف.
كذلك، لا يكفي عرض صور الدمار من دون تتبع آليات إنتاجه. من أعاق المساعدات؟ من أطلق النار؟ من منع عودة النازحين؟ من استهدف الطواقم الطبية؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلًا مهنيًا، بل أساس المساءلة. وعندما تُطرح بوضوح، تتراجع مساحة التضليل التي يحاول الاحتلال توسيعها.
ما بين الصمود وواجب المحاسبة
أهل غزة لا يحتاجون من يشرح لهم معنى الخرق، فهم يعيشونه في الخيمة والمستشفى والطريق ونقطة الماء وصف الانتظار أمام المخبز. لكن العالم يحتاج إلى أن يسمع الحقيقة كما هي: هناك عدوان مستمر يتخذ أشكالًا متعددة، وكل هدنة لا توقفه فعليًا تظل ناقصة ومهددة بالانهيار.
الرهان اليوم ليس فقط على توثيق خروقات الاحتلال في غزة، بل على تحويل هذا التوثيق إلى ضغط سياسي وقانوني وإعلامي يوقف الإفلات من العقاب. فحين يغيب الحساب، تتكرر الجريمة. وحين تبقى غزة وحدها في مواجهة آلة الحرب، تتسع مساحة الألم.
ما يستحق التمسك به الآن هو أن كشف الخرق ليس فعل أرشفة باردًا، بل جزء من حماية الرواية والحق والناس. وكل كلمة دقيقة، وكل شهادة موثقة، وكل موقف لا يساوم على دم المدنيين، يساهم في كسر العتمة التي يحاول الاحتلال فرضها على المشهد الفلسطيني.
الخروقات وخطورة نزع السلاح الفلسطيني!
وفي ظل تصاعد الضغوط الداعية إلى نزع سلاح الفلسطينيين، تبرز خطورة هذا الطرح بوصفه مقاربة تتجاوز البعد الإجرائي لتلامس جوهر العلاقة غير المتكافئة بين قوة احتلال تملك أدوات البطش والسيطرة، وشعب واقع تحتها يسعى إلى حماية وجوده وحقوقه الأساسية. فالتجريد من وسائل الدفاع لا يمكن النظر إليه كخطوة تقنية معزولة، بل كتحوّل نوعي في ميزان القوة، يضع الفلسطيني في موقع العجز الكامل أمام الوقائع المفروضة عليه.
ويزداد هذا الطرح إشكالية حين يُطرح بمعزل عن السياق الميداني القائم، حيث تتواصل خروقات الاحتلال في غزة وتسليح المستوطنين وتوسيع نطاق اعتداءاتهم في الضفة الغربية والقدس، في مقابل مطالبة الفلسطينيين بالتخلي عن أي قدرة على الردع أو الحماية. هذا التناقض لا يعكس فقط ازدواجية في المعايير، بل يرسّخ بيئة تُدار فيها القوة في اتجاه واحد، بما يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات ويفاقم من هشاشة الواقع الإنساني على الأرض، ويغذي ديناميات التهجير القسري وفرض الوقائع بالقوة.
وعليه، فإن مقاربة نزع السلاح، في ظل غياب معالجة حقيقية لجذور الصراع واختلال ميزان القوة، تحمل في طياتها مخاطر تكريس منطق الغلبة بدل الحد منه. إذ إن تجريد الشعب الواقع تحت الاحتلال من أدوات الحماية لا يفضي إلى الاستقرار، بل يعمّق الشعور بالانكشاف ويفتح الباب أمام دورات جديدة من العدوان، في ظل غياب أي ضمانات فعلية تكفل الحقوق أو تردع الانتهاكات.





