خلفيات مناورة ترمب
مطلق حرب لا تنحصر قدراتها بين الأطراف المتصارعة على الأسلحة العسكرية، بل تشمل الممرات المائية الاستراتيجية إن توفرت في منطقة الصراع، كمضيق هرمز في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وسلاح الاشاعة وعمليات التضليل وبث الأكاذيب والاخبار الملفقة والمناورات السياسية والدبلوماسية، واستخدام الذكاء الاصطناعي ووسائل الاعلام التقليدية الموجهة ومنصات السوشال ميديا، للتأثير في الرأي العام هنا أو هناك، وإرباك الجبهات الداخلية، ولتعزيز تماسك الجبهات القومية، وخلط الأوراق من خلال قلب الحقائق.
ومثال على ذلك، تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب أول أمس الاثنين 23 اذار / مارس الحالي عن وجود مفاوضات مباشرة بين ادارته والنظام الفارسي مثل الإدارة فيها ستيف ويتكوف وجارد كوشنير، تلا هذا نشر وسائل اعلام أميركية عن وجود مفاوضات عبر الوسطاء: مصر وتركيا وباكستان، غير ان القيادات الإيرانية نفت صحة ما تناقلته وسائل الاعلام، وكذبت ما ذكره الرئيس الجمهوري، وجاء الرد من مصدرين مركزيين إيرانيين، الأول من وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي نشر على منصة إعلامية التالي: "على ماذا نتفاوض؟! نحن بلا قيادة ولا برنامج ... وبلا مخازن صواريخ، وبلا خطوط إنتاج سلاح، وبحريتنا مدمرة، وتم محونا من الخريطة." في استهزاء واضح من المواقف الأميركية والإسرائيلية التي ذكرت مرارا وتكرارا عن تدمير منصات الصواريخ بنسبة 92% كما ذكر بنيامين نتنياهو مرارا وتكرارا ذلك، وكان الرئيس ال 47 "أكد في عديد التصريحات المتواترة، أنه تم تدمير الصواريخ ومنصاتها، وكذلك اسطول إيران البحري دمر بشكل كامل، وايضا مصانع انتاج الصواريخ. وكان محمد قليباف، رئيس البرلمان الإيراني نفى كليا وجود أي اتصال مع الإدارة الأميركية لا مباشر ولا غير مباشر.
بيد ان شبكة سي سي إن، نشرت تصريحا لأحد المسؤولين الإيرانيين، دون ذكر اسمه وصفته، أمس الثلاثاء 24 مارس الحالي، أشار فيه "بوجود تواصل بين الولايات المتحدة وطهران، وأن إيران مستعدة للاستماع الى مقترحات "مستدامة" لإنهاء الحرب." وأضاف المصدر "كان هناك تواصل بين واشنطن وطهران، بمبادرة من واشنطن، في الأيام الأخيرة، لكن لم يصل أي شيء الى مستوى مفاوضات جادة." وتابع "تم تلقي رسائل عبر وسطاء مختلفين لاستكشاف إمكانية التوصل الى اتفاق لإنهاء الحرب." وامتنع المصدر عن التعليق على تصريحات الرئيس ترمب العلنية بشأن المفاوضات، مؤكدا أن موقف إيران واضحا دائما، وهو أن طهران مستعدة للنظر في أي مقترح قابل للتطبيق. وخلص المصدر الى أن "إيران مستعدة لتقديم جميع الضمانات اللازمة بأنها لن تطور أسلحة نووية ابداً، لكن لها الحق في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية."، وأصر على أن أي مقترح يجب ان يضمن رفع جميع العقوبات المفروضة على إيران." فضلا عن التعويض عن الخسائر التي لحقت بها نتاج الحرب، وضمان عدم العودة للحرب. وهذا ما أكده وزير الخارجية عراجي يوم السبت 21 مارس الحالي، لنظيره الهندي، بالقول "إن إعادة الأوضاع الى طبيعتها في مضيق هرمز تتطلب وقف الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، مع التزام بعد استئنافها مستقبلا، وفق ما أعلنته الخارجية الإيرانية. كما ان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نفى أول امس الأثنين، الاخبار المتناقلة باقتراب التوصل لوقف الحرب، بالعكس أكد ان آفاق الحرب تشي بالتوسع والاستمرارية.
من الواضح ان ما ورد على لسان ساكن البيت الأبيض يهدف الى تحقيق جملة من الأهداف من تصريحه: أولا السعي لتخفيض أسعار النفط والغاز، التي أخذت منحاً تصاعديا، أثر على السوق الأميركي والأسواق العالمية، ولهذا ارتدادات على الجبهة الداخلية؛ ثانيا ارسال رسالة للمعارضة الأميركية الرافضة خيار الحرب، أن الإدارة ورئيسها منفتحون على المفاوضات مع النظام الإيراني، وأن الإدارة تمسك بزمام الأمور في إدارة دفة الحرب، ولديها رؤية متماسكة، ولا يوجد أي ارباك أو فوضى، ويهدف هذا لضبط إيقاع تصاعد الحملة على الرئيس الاميركي نفسه؛ ثالثا ضبط أية تداعيات على الحزب الحاكم قد تؤثر على الانتخابات النصفية في تشرين ثاني / نوفمبر القادم؛ رابعا طمأنة العالم بأن القيادة الأميركية قادرة على فتح مضيق هرمز، وفتح الممر الاستراتيجي للتجارة العالمية؛ رابعا مناورة ترمبية لتشويش وارباك الشارع والجمهور الإيراني، وهدف الى دس الاسفين داخل القيادة الفارسية، عندما صرح يوم الجمعة 20 مارس الحالي، بالتمييز وأفضلية محمد قليباف رئيس البرلمان على عباس عراقجي، الذي اعتبره ضعيفا، ومجرد ناقل رسائل.
وبالنتيجة فإن الإدارة الأميركية تعيش حالة من التخبط الحقيقي بشأن مألات الحرب، ومدى الفائدة المرجوة من استمرارها من عدمها. لا سيما وان حجم الخسائر المالية التي انفقتها الإدارة خلال ال 26 يوما الماضية، فاقت التقديرات المالية التي رصدتها، حيث تكلف الحرب الخزينة الأميركية مليار دولار يوميا، وفي الأسبوع الأول من الحرب بلغت الخسائر المالية ما يزيد على 11 مليار دولار أميركي، وكانت الإدارة الجمهورية طلبت من الكونغرس دعم موازنة البنتاغون ب 200 مليار دولار إضافية لتغطية العجز في الذخائر والأسلحة الاستراتيجية التي فقدتها في الحرب، حسب وكالة بلومبيرغ وصحيفة نيويورك تايمز، نقلتها عن مصادر عسكرية يوم الأربعاء 11 مارس الحالي. وقد تحمل الأيام القادمة تطورات ومفاجآت غير منظورة من تداعيات الحرب، مؤكد أن نظام الملالي فقد خسائر كبيرة جدا تركت، وستترك بصمات على الاقتصاد الإيراني ومستوى المعيشة للمواطنين الإيرانيين، ولهذا تصر على التعويضات المالية، ورفع العقوبات المختلفة وخاصة ارصدتها المالية المحتجزة في المصارف الأميركية والأوروبية.





