بعد 13 عاماً على مجزرة الكيماوي في غوطتي دمشق، التي وقعت في 21 آب 2013 وأودت بحياة أكثر من 1400 مدني وأصابت آلافاً آخرين، أعادت وزارة الداخلية تسليط الضوء على عدد من أبرز المسؤولين والمتهمين بجرائم الأسلحة الكيميائية، بالتوازي مع الإعلان عن توقيف عدد منهم تمهيداً لتقديمهم إلى العدالة، مؤكدة أن ملاحقة المتورّطين تأتي ضمن مسار يستهدف كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومنع الإفلات من العقاب.
أرمنازي.. اسم ارتبط بمركز البحوث وغاز السارين
يبرز عمرو محمد أرمنازي بوصفه أحد أكثر الأسماء ارتباطاً بالبنية العلمية والتقنية لبرنامج الأسلحة غير التقليدية في عهد النظام البائد.
تولى أرمنازي إدارة مركز الدراسات والبحوث العلمية، وتدرّج في مناصبه داخله قبل أن يتولى رئاسة مجلس إدارته عام 1995، واستمر في موقعه حتى عام 2021، ما يجعله المسؤول الأول عن نشاطات المركز طوال تلك السنوات.
وتشير السجلات والتقارير الدولية إلى الدور الذي لعبه المذكور في الإشراف على البرامج العسكرية والتقنية للمركز، ولا سيما المتعلّقة بتطوير ترسانة السلاح الكيميائي والأسلحة غير التقليدية التي استخدمها النظام البائد ضد الشعب السوري.
حيث ظهر اسمه في الوثائق الدولية قبل سنوات طويلة من توقيفه في سوريا، ففي عام 2012 أدرجته الولايات المتحدة على قائمة العقوبات المرتبطة بانتشار أسلحة الدمار الشامل، حيث أشارت وزارة الخزانة الأميركية إلى إشراف أرمنازي شخصياً على منشأة مرتبطة بإنتاج غاز السارين، وهو الغاز ذاته الذي سقط ضحاياه في الغوطة 2013.
وفي عام 2014 أدرجه الاتحاد الأوروبي على قائمة العقوبات، ثم عدّل في 2015 أسباب الإدراج، مشيراً إلى مسؤوليته عن تطوير وإنتاج الأسلحة غير التقليدية، بما فيها الأسلحة الكيميائية، والصواريخ المستخدمة لإيصالها، ثم عقوبات بريطانية عام 2020 جُدّدت عام 2025.
أما أبرز حضور له في الوثائق الأممية، فجاء في مشروع القرار S/2017/172 المقدّم إلى مجلس الأمن في 28 شباط 2017، حيث ورد اسمه بوصفه المدير العام لمركز الدراسات والبحوث العلمية والمسؤول عن تطوير وإنتاج الأسلحة الكيميائية والصواريخ المستخدمة لإيصالها، لكن المشروع أُجهض بفيتو روسي صيني ولم يتحوّل إلى قرار نافذ.
واليوم، بعد توقيفه في سوريا، ينتقل ملف أرمنازي من قوائم العقوبات الدولية إلى قاعة التحقيق، حيث يُفترض أن تحدّد الأدلة القضائية حجم مسؤوليته الشخصية عما ارتكبه النظام البائد.
محمد حسان الشريف.. واجهة النظام الكيماوية أمام المؤسسات الدولية
يمثّل محمد حسان الشريف جانباً آخر من منظومة الأسلحة الكيميائية، الجانب السياسي والدبلوماسي الذي تولى إدارة الرواية الرسمية للنظام البائد أمام المؤسسات الدولية، وضلوعه في تزوير الحقائق المتعلّقة بالأسلحة الكيميائية وتضليل لجان التحقيق الدولية خلال فترة توليه إدارة “اللجنة الوطنية السورية”.
وظهر الشريف في سياق عمل وزارة الخارجية والوفد السوري لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وشارك في التعامل مع بعثة تقصّي الحقائق التابعة للمنظمة عام 2014، في مرحلة كانت فيها البعثة تعمل على جمع المعلومات بشأن استخدام المواد الكيميائية في سوريا.
وبحسب التحقيقات التي أعلنتها السلطات السورية، يواجه الشريف اتهامات تتعلّق بتوجيه عمل البعثات الدولية، وحصر وصولها إلى مناطق خاضعة لسيطرة النظام البائد، وإخفاء معلومات مرتبطة بهجمات كيميائية، ولا سيما البعثة النرويجية، إضافةً إلى حجب تقارير ميدانية وتزييف الوقائع الميدانية وتزويد جهات التحقيق بمعطيات مضلّلة أُعدت بالتنسيق مع وزارة الخارجية لضمان تطابقها مع الرواية الرسمية، وبالتالي كانت مهمته تمتد إلى محاولة طمس الأدلة وإعادة صياغة الوقائع وتوجيه مسار التحقيق لتبرئة النظام البائد وتوجيه المسؤولية الجنائية دولياً للثوار.
وكشفت التحقيقات عن تعمّد المذكور إخفاء هوية الجهات المنفّذة لهجمات كيماوية في مواقع شملت ريف حلب، ريف دمشق، ريف حماة، مخيّم اليرموك، رغم علمه المسبق بتفاصيل تلك العمليات، وذلك بالتنسيق المباشر مع قيادات أمنية وعسكرية عليا، من بينها اللواء علي مملوك واللواء بسام حسن.
عدنان عبود حلوة.. الجرائم لا تسقط بالتقادم
كان اللواء عدنان عبود حلوة من أوائل الأسماء التي انتقلت من دائرة الاتهام إلى التوقيف داخل سوريا.
ففي 29 نيسان 2026، أعلن وزير الداخلية أنس خطاب القبض عليه، واصفاً إياه بأنه أحد أبرز الضباط المسؤولين عن مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية عام 2013، وفي اليوم التالي، أكد رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن اعتقاله يؤكد أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم وأن مسار المحاسبة مستمر.
ويحمل توقيف حلوة دلالة تتجاوز شخصه؛ إذ يمثل بداية انتقال ملف المجزرة من الذاكرة والوثائق إلى مسار قضائي داخلي يبحث في الأدوار الفردية لمن شاركوا في الجريمة.
ميزر صوان.. “عدو الغوطتين” من الجو
يبرز اسم ميزر صوان في الجانب العسكري المباشر من الملف، إذ ارتبط اسمه، حسب التحقيقات السورية، بإصدار أوامر للطيران الحربي بقصف المناطق السكنية في الغوطتين، والمشاركة بطائرته المقاتلة في عمليات جوية استهدفت مناطق سكنية في ريف دمشق، بينها دوما ودير العصافير.
كما أدرج اسمه ضمن قوائم العقوبات الدولية، ليشكل بذلك أحد الأسماء التي تربط بين البنية العسكرية للنظام البائد وبين العمليات الجوية التي رافقت سنوات الحرب.
جايز حمود الموسى.. قيادة القوى الجوية في دائرة التحقيق
شغل اللواء الطيار الركن جايز حمود الموسى منصب قائد أركان القوى الجوية في عهد النظام البائد، وهو موقع يضع صاحبه في قلب البنية القيادية للطيران العسكري.
وأعلنت وزارة الداخلية في أيار 2026 إلقاء القبض عليه خلال عملية أمنية، ضمن حملة استهدفت مسؤولين وضباطاً سابقين، بينهم عدد من المرتبطين بملفات الجرائم الكبرى.
ويكتسب وجود اسم قائد أركان القوى الجوية ضمن قائمة الموقوفين أهمية خاصة عند قراءة ملف الغوطة بوصفه منظومة أوامر وقيادة وتنفيذ، لا مجرد فعل منفرد نفذه أفراد في الميدان.
رامي قنبر سليمان.. الطيار في الحلقة التنفيذية
يأتي رامي قنبر سليمان في الحلقة التنفيذية من هذه السلسلة، بوصفه طياراً خدم في عهد النظام البائد وتدرج في الرتب العسكرية، وتتهمه التحقيقات بالمشاركة في القصف الكيميائي على مدينة دوما.
وإذا كانت التحقيقات القضائية ستحدد بدقة طبيعة دوره، فإن إدراج اسمه ضمن قائمة الموقوفين يعكس اتجاهاً نحو تفكيك سلسلة المسؤولية، من مواقع القيادة العليا إلى الضباط والعناصر الذين شاركوا في تنفيذ الأوامر.
من الغوطة إلى الملف الكيميائي.. مسار عدالة لا رواية انتقام
ثلاث عشرة سنة مرّت على تلك الليلة التي لم تنسها الغوطة، وها هي الأسماء التي ارتبطت بها، ولو من بعيد، تجد طريقها أخيراً إلى حيث يجب أن تكون: أمام العدالة.
ولا تقف الأسماء التي كشفت عنها وزارة الداخلية عند ملف الأسلحة الكيميائية وحده، إذ يأتي نشرها في سياق أوسع يتعلق أيضاً بالمحاسبة والعدالة الانتقالية.
أسرة التحرير





