خاص: مصر تضغط لإنقاذ مفاوضات غزة والبحث عن حل وسط بين نزع سلاح حماس وانسحاب الاحتلال
في وقت تستعد فيه القاهرة لاستئناف جولة جديدة من المفاوضات بين حركة حماس وممثل “مجلس السلام”، تتقدم إلى الواجهة مبادرة دولية يقودها نيكولاي ميلادينوف، تقوم على نزع سلاح الحركة ضمن جدول زمني محدد، مقابل ترتيبات سياسية وأمنية تشمل إدارة القطاع ومستقبل الوجود الإسرائيلي.
هذه المبادرة التي يقودها الدبلوماسي البلغاري، وترتبط بشكل مباشر بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب في قطاع غزة، لا تُطرح كملف تقني منفصل، بل كجزء من مسار أوسع لإعادة ترتيب المشهد في القطاع سياسياً وأمنياً.
وتتحرك مصر، إلى جانب قطر وتركيا، ضمن هذا الإطار المعقد للبحث عن صيغة توازن بين الضغوط الدولية والإسرائيلية ومطالب حماس والفصائل الفلسطينية، خصوصاً فيما يتعلق بالضمانات السياسية، ومستقبل الدولة الفلسطينية، وآليات تنفيذ أي اتفاق.
في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى جولة القاهرة المرتقبة، التي يُنتظر أن تحمل إجابات حاسمة حول الضمانات المطلوبة، ومصير خطة ميلادينوف، وإمكانية الانتقال إلى ترتيبات تنفيذية، أو الذهاب نحو بدائل تحاول القاهرة الدفع بها، وعلى رأسها تمكين لجنة إدارة القطاع، في حال تعثر المسار التفاوضي الحالي.
جولة القاهرة تعيد ملف غزة إلى الواجهة
رغم خفوت ملف غزة نسبياً بسبب تطورات الحرب الإيرانية على مدار الأسابيع الماضية، إلا أن العديد من المصادر التي تحدثنا إليها أكدت أن الملف سيعود إلى الواجهة بقوة خلال أيام، مع احتمالات وقف الحرب بين واشنطن وطهران، وفي ظل مناشدات دولية لتبريد الصراعات المتأججة في مناطق عديدة، وألا يقتصر الوضع على إيران وحدها.
ويأتي ذلك بالتزامن مع حراك يقوده ممثل مجلس السلام في غزة، وزير الخارجية البلغاري السابق نيكولاي ميلادينوف، الذي قدم خطة لنزع سلاح حركة حماس ومنح مهلة للحركة للموافقة عليها، وهو ما تمخض عنه مباحثات للحركة الفلسطينية في القاهرة الأسبوع الماضي.
وقال مصدر مصري مطلع على الملف لـ”عربي بوست”، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن مفاوضات الأسبوع الماضي تركزت على البحث عن تفاهمات لحلحلة أزمة نزع سلاح حماس وإيجاد مخرج ينقذ الاتفاق من النفق المظلم.
وأضاف المصدر أن الحركة، من جانبها، طالبت بإجابات واضحة من ممثل هيئة السلام حول الضمانات التي سوف تقدمها إسرائيل مقابل الاستجابة لهذا المطلب، ومن المفترض أن يأتي ميلادينوف بإجابات واضحة لحماس خلال اجتماعات الأسبوع المقبل.
فيما طلبت الحركة من ميلادينوف أيضاً ردوداً حول أسباب التعنت في تنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، إلى جانب جمود المرحلة الثانية، موضحاً أن الاجتماعات المقبلة من المتوقع أن تتطرق إلى آليات سحب سلاح حماس حال قدم ميلادينوف الضمانات والإجابات الكافية.
ضغوط وضمانات بشأن سلاح حماس
المصدر المصري المطلع على ملف المفاوضات قال إن القاهرة سعت في الأيام الماضية للتنسيق بين الفصائل الفلسطينية بشأن الموقف من نزع سلاح حماس، كما أن هناك نقاشات تدور حول إمكانية الموافقة على خطة ميلادينوف مقابل وجود مسار واضح لإقامة دولة فلسطينية، وهو أمر يدعمه الوسطاء أيضاً.
ويتبلور موقف حركة حماس، طبقاً لمصادر مطلعة تحدثت لـ”عربي بوست”، على إتمام تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة قبل المضي قدماً نحو النقاش في مسألة نزع السلاح.
وأشار المصدر المصري المطلع إلى أن الوسطاء يسعون لأن تكون هناك إشارات وتفاهمات معترف بها دولياً بشأن مستقبل الدولة الفلسطينية، بعدما غابت عن خطة ترمب التي اكتفت بالقول “إقامة مباحثات سياسية قد تفضي إلى دولة فلسطينية”.
كما أن القرارات الأممية الأخيرة بشأن وقف إطلاق النار لم تتطرق صراحة إلى هذا الأمر، وهناك تعويل على أن تكون خطة ميلادينوف بشأن نزع السلاح متضمنة الإشارة إلى خطوات واضحة نحو تأسيس الدولة الفلسطينية.
ولفت إلى أن ما يقدمه الوسطاء، مصر وتركيا وقطر، إلى حماس والفصائل الفلسطينية هو مجرد توصيات ونصائح، ولا يريد أي طرف أن يملي رؤيته، خاصة أن مسألة نزع السلاح معقدة للغاية، وليس معروفاً إلى من سوف يتم تسليمه، ولا يوجد طرف من المفاوضين يهدف لتقديم مكاسب مجانية لإسرائيل بعد عراقيلها بشأن تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار.
فيما أشار إلى أن الوسطاء واثقون بأن إسرائيل لا تلتزم بتعهداتها، ويدركون أيضاً صعوبة نزع السلاح، وأن هناك اعتراضات على تسليمه إلى الشرطة الفلسطينية، في حين أن حماس ما زال لديها أرضية قوية في القطاع، وهناك قناعة بين الفصائل بأن الاحتلال يهدف، بإصراره على تسليم السلاح دون ضمانات للانسحاب، إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي.
ماذا عن موقف حماس المُعلن؟
قالت حماس في بيان على منصة “تليجرام” إن وفد الحركة برئاسة خليل الحية قد اختتم يوم الجمعة 3 أبريل/ نيسان 2026 زيارته إلى القاهرة، بعد أن أجرى سلسلة من اللقاءات مع المسؤولين المصريين والإخوة الوسطاء والفصائل الفلسطينية.
وأكدت الحركة، في بيانها، أن الوفد التقى نيكولاي ميلادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام، بحضور وسطاء مصريين وقطريين وأتراك، في إطار جهود استكمال تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار على غزة وفقاً لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومواصلة معالجة تداعيات الحرب على القطاع.
وذكرت حماس، في بيانها، أن الوفد شدد على ضرورة استكمال تطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق بكافة بنودها بشكل دقيق وأمين، وبدء عمل اللجنة الوطنية الفلسطينية “الانتقالية”، لإدارة قطاع غزة بشكل فوري لتسيير شؤون الحياة والخدمات الأساسية كافة، وبما يسهم في استعادة الهدوء المستدام وعودة الحياة إلى طبيعتها بالقطاع، وتهيئة الأجواء للمضي قدماً في عمليات التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
وأكد الوفد جدية وإيجابية الحركة والفصائل الفلسطينية لاستكمال ومواصلة خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، والتزامها بما وقعت عليه، وأن المشاورات لا تزال مستمرة في هذا الصدد، حيث تلقى وفد الحركة دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام القريبة القادمة.
خطة بديلة لفشل المفاوضات المقبلة
بحسب مصدر مسؤول، فإن القاهرة تضع في اعتبارها احتمالات فشل المفاوضات المقبلة مع إصرار حماس على ضمانات للانسحاب الإسرائيلي، وتتمثل البدائل في الضغط لتمكين لجنة إدارة غزة من عملها في القطاع أولاً، خاصة أن اللجنة شاركت في الاجتماعات السابقة التي حضرها ميلادينوف، وتناقش آليات نزع السلاح وترتب لنشر قوات الشرطة الفلسطينية.
لكن في المقابل، فإن نجاح هذا المقترح يتطلب الضغط على إسرائيل للموافقة، إلى جانب تصفية الأجواء بين اللجنة والسلطة وحركة حماس، مشيراً إلى أن القاهرة حرصت على أن تقوم اللجنة بمهام عملها خلال الفترة الماضية رغم عدم دخولها القطاع، إذ قامت بتشكيل لجان منبثقة عنها تساهم في إدارة القطاع، وتسعى لأن تجهز نفسها لاستلامه حال سنحت الظروف في أي لحظة.
وأضاف المصدر ذاته أن القاهرة تعمل على تعزيز وصول عناصر الشرطة الفلسطينية لتدريبهم، مشيراً إلى أن الأعداد التي تلقت بالفعل تدريبات حتى الآن ضئيلة، وقد لا يتجاوز عددهم 1000 شخص من خريجي مراكز الشرطة، في حين أنه من المأمول الوصول إلى ما بين 5000 إلى 10000 فرد.
ويتمسك الوسطاء بخطة ترامب للسلام في غزة، ويبذلون جهوداً للوصول إلى حلول وسط بشأن مسألة نزع السلاح والتوافق على رؤية ترضي جميع الأطراف، وتوقع المصدر أن تعلن حماس موقفاً مبدئياً من نزع السلاح، على أن يتم ترك تنفيذ الأمر لما يتم التوصل إليه من آليات خلال المباحثات.
تعقيدات التنفيذ ومخاوف ميدانية
حسب المصدر المسؤول الذي تحدث لـ”عربي بوست”، فإن إدخال تعديلات على خطة ميلادينوف لنزع سلاح حماس قد يكون واقعياً، بحيث يكون هناك تزامن بين تنفيذ آليات نزع السلاح وبين الانسحاب الإسرائيلي، دون أن تكون المسألة بالتتابع.
كما تنص الخطة، التي تتماشى مع رغبة إسرائيل التي أعلنت من قبل أنها لن تنسحب من غزة إلا بعد نزع سلاح المقاومة، وهناك تباين في الرؤى بين الوسطاء وميلادينوف، الذي يرى وجود فرصة للتقدم نحو المرحلة الثانية من خطة ترامب لوقف الحرب على غزة، على عكس دول الوساطة التي لا تحمل نفس القدر من الإيجابية.
ولفت المصدر ذاته إلى أن الوسطاء يدركون أن نتنياهو قد لا يقدم تنازلات، وسيتشبث بأي تفصيلة من شأنها عرقلة الانسحاب من غزة، خاصة أنه مقبل على عام انتخابي، واستمرار الوجود الإسرائيلي الدائم في القطاع هو رغبة شركائه في الائتلاف، ويريد اصطفافهم بجواره بعد تراجع شعبيته بسبب ظهور إسرائيل بموقف الضعيف في اتفاق الهدنة الموقع بين واشنطن وإيران.
ويشير المصدر المسؤول إلى أن حماس لم ترفض مقترح ميلادينوف بشكل كامل، لكنها طالبت بإيجاد حلول أولاً بشأن خروقات إسرائيل وتعنتها في تنفيذ المرحلة الأولى من خطة ترامب، وتشغيل معبر رفح بـ”القطارة”، وتراجع عدد شاحنات المساعدات الداخلة إلى غزة، مع استمرار الضربات الإسرائيلية في عمق القطاع، وتوسيع “خط الهدنة الأصفر” لحرمان السكان الغزيين من العودة لأراضيهم المحتلة حالياً في نطاق هذا الخط.
ويوضح المصدر أن هناك قلقاً لدى المفاوضين من ما تقوم به إسرائيل لتثبيت أقدامها في القطاع، حيث قامت بإنشاء المزيد من المواقع العسكرية المستحدثة في المناطق الشرقية للقطاع خلال الشهرين الماضيين، والواقعة داخل الخط الأصفر (مناطق نسبتها أكثر من 53% من مساحة القطاع وتسيطر عليها إسرائيل)، وتعمل على رفع جهوزية القوات الموجودة بتلك المواقع، ما يظهر نوايا إسرائيلية بعدم الانسحاب والاستمرار في احتلال القطاع.
البند الأصعب في خطة ميلادينوف
ويبقى نزع سلاح حماس هو البند الأصعب والأبرز في خطة ميلادينوف التي أعلنها في مجلس الأمن أواخر مارس/ آذار 2026، وتتضمن موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح.
ونقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن 3 مصادر أن مجلس السلام منح حماس مهلة حتى نهاية الأسبوع لقبول اقتراح نزع السلاح، فيما يصرّ المبعوث الدولي على المضي قدماً لتنفيذ اقتراحه. وبحسب الصحيفة، فإن ميلادينوف أبلغ وفداً من كبار مسؤولي حماس، يوم الجمعة الماضي، أن مجلس السلام يريد إبرام اتفاقية نزع السلاح بحلول نهاية الأسبوع.
ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، عن مصادر، أن مجلس السلام أصدر إنذاراً رسمياً وحاسماً لحركة حماس يحدد جدولاً زمنياً صارماً لنزع سلاحها بالكامل، لافتة إلى أن الخطة المقترحة تتضمن مساراً زمنياً يبدأ بتسليم الأسلحة الثقيلة والصواريخ وخرائط المواقع العسكرية خلال 90 يوماً، تليها مرحلة ثانية تشمل جمع الأسلحة الخفيفة عبر برنامج تعويضات مالية ممولة دولياً.
وتلتزم الخطة، وفق المصادر، بتمكين إدارة فلسطينية تكنوقراطية جديدة لتولي شؤون القطاع، مع ربط الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من المراكز الحضرية بمدى الالتزام الفعلي والميداني بجدول نزع السلاح المتفق عليه تحت إشراف دولي مباشر.
وأشارت المصادر ذاتها، وفق الصحيفة الأمريكية، إلى وجود ضغوط إقليمية مكثفة من قبل الوسطاء لدفع الحركة نحو القبول بهذه المبادرة، لتجنب جولة جديدة من العمليات العسكرية الشاملة، خاصة في ظل تلويح الإدارة الأمريكية باستخدام خيارات عسكرية حازمة في حال رفض المسار السلمي.




